الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - المدارس ونظام التعليم في العراق القديم

المدارس ونظام التعليم في العراق القديم

                                                 

                         حامد خيري الحيدر

يمكن اعتبار المدارس من أولى المؤسسات التي نشأت في العراق القديم، وكانت تلك النشأة متزامنة مع النهضة الحضارية الهائلة التي حدثت في تلك البلاد بعد ثورة الاستيطان المدني التي حدثت في أرض (سومر) في أواسط الألف الرابع ق.م، وكانت نتيجة مباشرة ومُكملة وحتمية لأروع اختراع بشري عرفه التاريخ ،

ألا وهو ابتكار أقدم طريقة للتدوين عرفت بالكتابة المسمارية، والتي أبتدعها الفكر الخلاّق لأبناء الرافدين في مدينة (الوركاء) السومرية (طبقتها الأثرية الرابعة) في حدود 3200 ق.م، التي هدفت أساساً ببداياتها الصورية البسيطة لتسجيل واردات المعابد الاقتصادية...  لتنتشر بعدها الثورة الفكرية والثقافية في جميع أنحاء العالم القديم فاتحة عهد جديد في تاريخ الانسانية عرف بالعصور التاريخية.
لقد كان أنشاء المدارس نابعاً بالأساس من أيمان شعب سومر بأهمية العلوم وتطورها، ونشر الكتابة بشكل واسع بين شرائح المجتمع باعتبارها المروّج والناشر لتلك العلوم والوسيلة الناجعة لمكافحة الجهل، ويستشف هذا من الحكمتين السومريتين الرائعتين (من يعرف علماً عليه أن لا يبقيه مخفياً عن الناس)، (الكتابة أم للخطباء وأب للتلاميذ)، كما كان ينظر الى الغير متعلم كأنه الأعمى الذي لا يرى جمال الحياة.. ويمكن فهم ذلك من الأحجية الطريفة التي كانت تلقّن للتلاميذ الصغار في بداية تعليمهم، حيث تقول (بيت بأسس كالسماء.. بيت يبدوا كأنه مُغطى بالكتان.. بيت كأنه إوزة واقفة على قاعدة متينة.. بيت يدخله الأنسان بعيون مغلقة ويخرج منه بعيون مفتوحة...... فما هو هذا البيت؟...... الجواب (المدرسة)).. اضافة الى ذلك فأن صعوبة الكتابة المسمارية وشدة تعقيدها خلال مراحلها التطورية الثلاث (الصورية، الرمزية، المقطعية) بما احتوته من عدد هائل من العلامات الرمزية والمقاطع الصوتية، جعلت من العسير بل من المستحيل تعلمها بشكل عفوي منفرد دون تخطيط منهجي منظم متسلسل تديره مؤسسة متمرسة ومختصة تدعمها سلطة ذات أرادة قوية متنفذة بين الناس، والمتمثلة آنذاك بسلطة المعبد التي وضعت بين يديها عند بواكير نشأة المدن السلطتين السياسية والدينية، وفق ذلك نشأت في العراق القديم أولى المؤسسات التعليمية في تاريخ الحضارات القديمة وذلك في مطلع الالف الثالث ق.م..... ومن البديهي التصور أن تكون البدايات الأولى للمدارس لم تكن سوى حُجر صغيرة ملحقة بالمعابد، يتم فيها تدريس حلقات صغيرة من التلاميذ الذين كان جُلّهم من الكهنة الصغار والأشخاص الذين يدخلون في خدمة المعبد، وكان هدفها حرفي بحت محدد بتعلم القراءة والكتابة ليس ألا، ليتم من خلالها أعداد كتّاب متخصصين بتدوين الوثائق المتنوعة والمراسلات في المعابد وقصور الأمراء، وسد ما تحتاجه المدن في هذا الجانب مع النمو الكبير الذي تشهده والمتزامن مع التطور الهائل الذي واكب طبيعة الحياة فيها.... علماً أن معظم تلك المدارس البدائية كانت ضمن المعابد المكرسة لعبادة الإله (نابو) إله القلم والكتابة.... وفي منتصف الألف الثالث ق.م عند عصر فجر السلالات الثاني الذي شهد بداية انفصال السلطتين السياسية عن الدينية فكان له أن تأثرت المدارس بذلك، حيث أستقلت المدراس بأبنيتها وأدارتها وانتظمت كياناتها، وكذلك تطورت بمناهجها التعليمية وأساليب وطرق التدريس فيها، لتبلغ قمة الذروة في ذلك التطور والرقي في زمن سلالة أور الثالثة السومرية 2113_2006 ق.م الذي انتشرت فيه المدراس بشكل واسع جداً بين مدن وادي الرافدين المختلفة، أنتجت أعداداً كبيرة من الكتاب، ويستدل على ذلك من الكم الهائل من النصوص المسمارية المكتشفة في هذه البلاد والعائدة لهذه الفترة.
كانت التنقيبات الأثرية في معظم مدن وادي الرافدين قد كشفت على امتداد القرن المنصرم على العديد من المعابد والأبنية الأخرى، أمكن تمييز الكثير من غرفها بأنها كانت معدة للدراسة وذلك من خلال مخلفاتها الأثرية التي كانت عبارة عن الواح طينية تمثل نصوص مدرسية أعدّها التلاميذ، تتميز بشكلها الدائري، مكتوب عليها علامة مسمارية واحدة أو أكثر مكررة بشكل عامودي، كذلك ضمت بعض تلك الألواح كتابات ركيكة المستوى تحوي أخطاء املائية ونحوية واضحة تظهر بوضوح أن كاتبها لازال في طور التعلم، أضافة الى ذلك فقد كشف أيضاً عن حجرات ملاصقة لتلك الغرف احتوت على أواني وأحواض فخارية متنوعة الأشكال استخدمت حينها لأعداد الواح الطين التي يستخدمها التلاميذ في كتاباتهم المدرسية، ويعتقد أن هؤلاء التلاميذ كانوا يتلقون تعليمهم في تلك الغرف جالسين على أرضياتها المفروشة بالحصائر، وفي هذا الجانب أيضاً كانت التنقيبات الأثرية قد كشفت في بعض المدن عن أبنية صُممت بهيئة متطورة كتصميم المدارس الحديثة... ومن الأمثلة على ذلك ما استظهرته أعمال التنقيب في قصر الملك (زمريلم) ملك مدينة (ماري/تل الحريري) الذي يعود للنصف الاول من الالف الثاني ق.م، وفي معبد الآلهة (سبيتي) أي (الآلهة السبعة) في العاصمة الرابعة للآشوريين (دور شروكين/خرسباد) أواخر القرن الثامن ق.م، عن قاعات طويلة احتوت صفوف من المصاطب والمناضد معمولة من الطابوق والحجر كانت مخصصة لجلوس التلاميذ ودراستهم، وكانت تسَع الواحدة منها من أثنين الى أربع تلاميذ، كما عثر على نماذج مماثلة في مدن (نفر) و(أور) و(بورسبا)...... كما كشفت التنقيبات الأثرية على الآلاف من الألواح المسمارية باللغتين السومرية والأكدية أعطت بعد ترجمتها وتفسير ما ورد فيها صورة واضحة جداً عن طبيعة المدارس في العراق القديم وتلاميذها والقائمون عليها وأسلوب ومراحل التعليم فيها....... سميت المدرسة في السومرية (أيدوبا) وتعني (بيت الألواح)، كما سميت في الأكدية بنفس المعنى (بيت طوبي)، بالمقابل سمي التلميذ في السومرية (دوموأيدوبا)، وفي الأكدية (ماربيت طوبي) وتعني في كلتا اللغتين (أبن بيت الألواح)، وبلا شك تشير هذه التسمية بوضوح الى العلاقة الروحية بين التلميذ ومدرسته وتشبيهها بالعلاقة المقدسة بين الأبن ووالديه.... وأشارت النصوص أنه كان للمدرسة نظاماً صارماً للغاية يفرض على التلاميذ بالشدة والقسوة، بأسلوب لا يختلف كثيراً عن نظام التعليم القديم في عالمنا الحديث، حيث كانت تتم معاقبتهم بالضرب بالعصي أو حرمانهم من الطعام أو حبسهم في السراديب أو جعلهم يقومون بأعمال شاقة لا تتناسب مع أعمارهم أو طاقة أجسامهم، وذلك أما لسوء سلوكهم المُنافي لتقاليد المدرسة وعدم طاعتهم لمعلميهم، أو لمشاكستهم وعدم انضباطهم أثناء الدرس ولغيابهم وهروبهم من المدرسة، أو لإهمالهم وتقصيرهم في متابعة دروسهم، وتأخرهم في التعلم قياساً الى مدة وجودهم في المدرسة.
 كانت المدرسة بنظامها الشديد هذا تتكون من هيئة تدريسية متكاملة متكونة من عدة أشخاص، لكل منهم واجبه ومهمته التي يؤديها للمدرسة والتلاميذ.. يقف على رأسهم مدير المدرسة الذي يسمى في السومرية (أوميا) ويعني (الأستاذ أو الخبير)، كما يسمى أحياناً في السومرية (آيا أيدوبا) وتعني (أبو المدرسة)، ويكون واجبه الرئيسي أدارة المدرسة ومتابعة نظامها، ووضع مناهجها التعليمية حسب مراحلها الدراسية، ومتابعة عمل المعلمين والأشراف على اختبار التلاميذ كي ينتقلوا الى مراحل دراسية أعلى.. ويأتي من بعده المعلم أو الكاتب ويسمى في السومرية (دوب سار) وفي الأكدية (طوب سارو) أو (طوب شارو)، ومهمته كما هو المعلم الحديث الأشراف المباشر على تدريس التلاميذ وتلقينهم الأصول الصحيحة للكتابة والقراءة وباقي العلوم الاخرى وفق المناهج الدراسية التي تعّدها أدارة المدرسة والنظام التعليمي المتبع آنذاك، تارة بالشدة والقسوة وتارة اخرى بالمديح والاطراء، وكان للمعلم دور مهم في توجيه التلاميذ وتفسير معاني الكلمات والمصطلحات والعبارات وكيفية نطق أصواتها شفاهياً ثم تدويناها كتابياً، وكان هؤلاء متعددي الأسماء حسب تخصصاتهم والعلوم التي يدّرسوها... حيث يقال في السومرية.... معلم الحساب (دوب سارنيشيد)، ومعلم الهندسة (دوب سارآشاكًو)، ومعلم اللغة السومرية (دوب ساركيأينكًيرا)، ومعلم اللغة الأكدية (دوب ساركيأوري)..... ويساعد المعلم في عمله المتعِب ما يعرف بالمعلم المساعد الذي يعرف في السومرية (شيشكًال) ويعني (الأخ الكبير) وهذا يكون في الغالب أحد تلاميذ المرحلة المتقدمة، توكل اليه كجزء من تدريبه مهمة متابعة التلاميذ الجدد وتعليمهم كيف يعدون الواحهم الطينية وتهيئة وتدقيق واجباتهم اليومية، وكذلك الاستماع منهم الى كيفية قراءتهم الكلمات والعلامات المسمارية بشكل صحيح.... كما ضم ملاك المدرسة عدد من المراقبين والمرشدين تناط بهم مهمة متابعة ومراقبة التلاميذ، مثلاً (مراقب الباب) ومهمته منع التلاميذ من الهرب من المدرسة، و(مراقب الحضور) وهو المسؤول عن تدقيق حضور التلاميذ يومياً ومعرفة المتغيبين منهم لرفع أسمائهم الى مدير المدرسة، و(مراقب الهندام والنظافة) ويكون واجبه التفتيش اليومي لملابس التلاميذ وهندامهم ونظافتهم ومدى لياقتها للمدرسة، وهناك أيضاً (رجل السوط أو رجل العصى)  الذي تناط به مهمة حفظ النظام ومعاقبة التلاميذ... ومن الطريف ذكره هنا أن عبارة (الضرب بالعصى) كانت تكتب في اللغتين السومرية والأكدية بعلامتين مسماريتين رمزيتين هما (العصى) و(اللحم).... ومن الضروري الذكر أن المدارس كانت كأي منجز حضاري آخر أعادت المعتقدات الدينية الرافدينية الفضل فيه الى الآلهة باعتبارها حامية البشر وملهمة أبداعهم، عليه نسبت تلك المعتقدات رعاية المدارس في بداياتها الأولى الى الإله (نابو) باعتباره إله الكتابة والقلم.. لكنه مع تطور المدارس وانتشار العلوم والمعارف أفردت الفلسفة الدينية لأبناء الرافدين إلهة خاصة بالمعارف والعلوم والمدارس هي الإلهة (نيسابا) لتأخذ دور الإله (نابو) في ذلك... أن في لهذا التبدل دلالة رمزية وفلسفية في غاية الأهمية استناداً الى أحدى صفات ومزايا آلهة وادي الرافدين، والمقصود مبدأ (التشبيه) الذي يجسد صفات الآلهة المادية والروحية بالبشر، وأن عالم البشر الأرضي ما هو في الحقيقة ألا صورة مصغرة لعالم الآلهة الفسيح في السماء، وبموجب هذه الدلالة فقد منح دور رئيسي وجوهري للمرأة في أنتشار المعارف وعملية التعليم، وبالتالي يعكس مدى الرقي الحضاري الذي وصل المجتمع العراقي القديم من خلال نظرته الراقية للمرأة التي شقت طريقها منذ ذلك الزمن نحو كافة مجالات الحياة أسوة بالرجال.. لذلك فأن الفتيات التحقن كذلك بالمدارس أسوة بالفتيان وأن كان بنسبة أقل، وكانت التلميذة تسمى في السومرية (دومومي أيدوبا) وفي الأكدية (مارتو بيت طوبي)، وتعنيان (بنت بيت الألواح)، ليتخرجن بصفة كاتبات مارسن دورهن المهني في المعابد والقصور والمدارس والمراكز التجارية ومراكز الأرشفة والتوثيق، حيث أشارت العديد من النصوص المسمارية الى أسماء المئات من الكاتبات الممتازات اللواتي أشير لهن بالبنان في عملهن.. علماً أن كلمة (كاتبة) كانت تسمى في السومرية (دوب سارمي) وفي الاكدية (طوب سراتو) أو (طوب شراتو) .. ومن المفيد والطريف ذكره أيضاً أن كتّاب العراق القديم كانوا شديدي التعلق بالآلهة (نيسابا) باعتبارها إلهة الحكمة وملهمة فكرهم.. فاذا ما نجحوا في كتابة موضوع ما بشكل متكامل ومُرضي وتوصلوا في خاتمته الى نتيجة منطقية صحيحة فانهم يذيلون أسفل اللوح المسماري الذي كتبوه بعبارة (نيسابا زامي) وتعني في السومرية (الحمد للآلهة نيسابا)، أما عكس ذلك فكانوا يكتبون عبارة (نيسابا أنا بادا) وتعني (العلم عند الآلهة نيسابا).. ويضاهي ذلك قولنا بلا تشبيه (الحمد لله) و(العلم عند الله).
لقد تطورت المناهج التعليمية في مدارس العراق القديم بشكل مضطرد مع مسيرة تطورها، وتبعاً لحاجة المجتمع لطبيعة العلوم التي تقدمها تلك المدارس، وهنا ينبغي الاشارة الى أن المدراس بعد الرقي الحضاري الهائل الذي شهدته البلاد خلال فترة العصر البابلي القديم في النصف الأول من الألف الثاني ق.م لم تعد بنفس التوجه والمستوى التعليمي، انما قسمت في نوعين استناداً الى المناهج الدراسية ومستوى التلاميذ فيهما... النوع الاول يمكن تسميته بالمدارس الأولية أو الابتدائية التي تسمى كما سبق (أي دوبا/ بيت طوبي).. يدخلها الدارس بصفة (تلميذ) ويتخرج منها بصفة (كاتب) أي (دوب سار/طوب سارو).. أما النوع الثاني فكان بمثابة معاهد عالية تضاهي الجامعات الحديثة، وتسمى في الأكدية (بيت مومي) أي (بيت الحكمة)، يدخلها من كانوا قد أنهوا الدراسة في المدارس الأولية، أي من كانوا بدرجة (كاتب) ليتخرج منها أنجازه مدة الدراسة فيها وهو بدرجة (رئيس كتاب) الذي يدعى في الأكدية (رب طبو شراني).. ويرجع السبب الرئيسي لهذا التطور الهائل في مستوى التعليم خلال هذه الفترة الزمنية الى تحرر المدارس من قيود سلطة المعبد وسيطرة الدولة عليها بالكامل، لتحيلها الى مؤسسة دنيوية بشكل مطلق، مما جعلها تنفتح بشكل واسع على آفاق ومفاهيم جديدة فرضتها طبيعة الحياة الجديدة..... فيما يخص مناهج المدارس الأولية فقد أعدت بشكل أساس لإنتاج كتّاب متمرسين لسد المتطلبات والحاجات الاقتصادية والادارية التي تحتاجها البلاد.. لذلك تلك المناهج  كانت تتركز على تعلم القراءة والكتابة ومبادئ الحساب والهندسة، وهذا يقتضي من التلميذ حفظ أعداداً كبيرة من العلامات المسمارية الصوتية والرمزية وزّع تعلمها على عدة مراحل..  ففي المرحلة الأولى يبدأ التلميذ بمساعدة (الأخ الأكبر) بتعلم العلامات البسيطة (قراءة وكتابة) ذات المقطع الصوتي الواحد مُنغمة بتركيب موسيقي مُحبب يسهل معه حفظها مثل (با، بو، بي.. تا، تو، تي.. لا، لو، لي.. ما، مو، مي......ألخ).. ثم يتدرج بتعلم العلامات الأكثر تعقيداً والتي تحمل أكثر من معنى أو قيمة صوتية مرتبة في قوائم منظمة يهيئها له المعلم، وفي المرحلة الثانية يتعلم الكلمات بعدة علامات تبدأ بالمصطلحات المستخدمة حياتياً وصولاً للجمل الكاملة الصحيحة والعبارات التامة بما تحويه من ضمائر وأفعال وأسماء لمختلف الحالات الزمنية والمكانية للشخص العاقل وغير العاقل، ثم ليحصل في تعلمه في المرحلة الثالثة التي يمكن تسميتها ب(المرحلة التخصصية) على أصول الكتابة الرسمية المتضمنة المصطلحات القانونية والادارية والاقتصادية والدينية، وكان على التلميذ أن يتقن فيها الأسلوب الرسمي الصحيح في كتابة العقود التجارية والاجتماعية (زواج، طلاق، أرث، تبني) وكذلك الرسائل والمخاطبات التي تعتبر من الأمور المهمة جداً التي يتطلب على التلميذ اتقانها... وكان يعبر عن كلمة (التعلم) بمصطلح (الأخذ) وفي الأكدية (أخزو).. ولتسهيل حفظ للتلاميذ أتبع المعلمون طريقة التصنيف اللغوي أي أنهم صنفوا المفردات الى مجموعات استناداً الى المعنى والشكل، وفق ذلك نظمت قوائم خاصة بهذا، فهناك قوائم بأسماء الآلهة وأخرى بأسماء الحيوانات، الطيور، الأشجار، المعادن، أعضاء الجسم، المدن، الأنهار، الحِرف.. وكان يتطلب من التلميذ حفظها عن ظهر قلب ومن ثم كتابتها بشكل صحيح..  من جانب آخر وكون بلاد الرافدين منذ اكتشاف الكتابة فيها كانت ثنائية اللغة (سومرية وأكدية) لذلك كانت المناهج قد أعدت لتعليم اللغتين بشكل متوازي كون أن الكثير من المفردات والمصطلحات والعبارات وخصوصاً الرمزية منها أصبحت بمرور الزمن متداولة في كلتا اللغتين وبنفس المعنى رغم أنهما مختلفتين كلياً عن بعضهما، ويُعزى ذلك للتعايش الطويل بين الشعبين السومري والأكدي ومدى قوة الترابط بينهما.. لذلك فقد أعدت للتلاميذ قوائم مطولة رتبت بهيئة حقول متوازية ضمت مفردات وعبارات وجمل سومرية وشرح معناها في الأكدية وبالعكس، كما نظمت قوائم أخرى ضمت تصاريف الأفعال وحالات الجمع والمفرد بالنسبة للأسماء... ويمكن اعتبار هذه القوائم البدايات الأولى لتأليف المعاجم اللغوية في التاريخ.... أما ما يخص تعلم الحساب فقد كان التلميذ يبدأ بتعلم الأرقام وكيفية كتابتها وأسلوب العد الصحيح بالنظامين العُشري والستيني، ثم يتم تعلم العمليات الرياضية الأربع بالاستعانة بأدوات بسيطة تشبه الحاسبات القديمة (ذات الكرات)، وصولاً لحل مختلف المسائل الرياضية المعقدة المتمثلة بالمعادلات الجبرية المتعددة الدرجات، وكذلك كيفية احتساب الأوقات والأزمان والمسافات والأوزان والمكاييل وتقسيماتها، وتثبيت التواريخ بشكل دقيق.. والحال عينه بالنسبة للعلوم الهندسية ومبادئها الأساسية المتمثلة بمعرفة أنواع الأشكال الهندسية من مربع ومستطيل ومثلث ومتوازي أضلاع وشبه المنحرف وكيفية التوصل لمساحاتها، وكذلك كيفية احتساب حجوم المجسمات كالمكعب ومتوازي المستطيلات والأسطوانة والهرمين الكامل والمقطوع (الناقص) والمخروطين الكامل والمقطوع (الناقص).. وكان يتم التركيز في تدريس التلاميذ على التطبيقات العملية لهذه العلوم، كاحتساب  مساحات الأراضي الزراعية وأقطاعاتها، وقياس مساحات التجمعات السكانية (المدن والقرى) وحساب المسافات بينها، كذلك كيفية احتساب مواد البناء الانشائية والنفقات المتطلبة لتشييد الأبنية والفترة المتطلبة لإنجاز بنائها.... أما الحال  مع (المعاهد العالية) فقد الغاية الأساسية لأنشائها هو اعداد كتبة وعلماء بمستوى راقي يمكنهم من بث الروح في الإرث الحضاري السومري القديم واعادة الحياة اليه بعد الترهل الذي أصابه نتيجة انحسار دور السومريين بعد سقوط سلالة أور الثالثة عام 2006 ق.م، واختفائهم نهائياً عن المسرح السياسي لوادي الرافدين.. فقد أحس البابليون بأنهم الورثة الشرعيين لذلك الثقل الحضاري الهائل الذي تركه لهم اسلافهم، وبالتالي يقع على عاتقهم عبأ المحافظة عليه وتطويره... عليه التحق بالدراسة في تلك المعاهد الكتّاب الذي أردوا الاستزادة بعلمهم وتطوير معارفهم وخبراتهم.. لينهلوا من تلك المعاهد مختلف العلوم التي تركها لهم شعب سومر، مثل الطب والفلك والرياضيات والهندسة والمعتقدات الدينية والكيمياء والعلوم الحيوانية والنباتية والجغرافية، وحتى الموسيقى، لكن كان الميل بشكل عام في تلك المعاهد واستناداً الى العديد من النصوص الدراسية فيها هو دراسة الأدب السومري واللغة السومرية متمثلاً بقصص الملاحم والاشعار والأمثال والحِكم وسيّر الآلهة.. وكان يقاس مدى رقي الكاتب حينها من خلال مدى أجادته اللغة السومرية، وهذا ما أشارت اليه بوضوح بعض العبارات الواردة في عدد من النصوص البابلية (الكاتب الذي لا يجيد السومرية فأي كاتب هو)، (الكاتب الذي لا يعرف السومرية فأنه غبي وأحمق ولا يعرف شيئاً عن فنون الكتابة).. لذلك كان الذين ينهون الدراسة في هذه المعاهد يحتلون مراكز اجتماعية مهمة ويتقلدون وظائف ادارية عالية في مدنهم أو في قصور الملوك والأمراء، أضافة الى أن المجتمع قد نظر اليهم نظرة أكثر احتراماً وتقديراً.... وكان من النتائج الكبيرة لمنجزات تلك المعاهد أن شهد المجتمع الرافديني حركة واسعة في مجال التأليف والتدوين، حيث أعيدت كتابة المئات من النصوص الأدبية والدينية السومرية بأسلوب جديد جميل ومستساغ يتناسب مع تطور العصر ونظرة الناس لمستجدات حياتهم، لكن من دون المساس بجوهر وفكرة النص والعبرة النهائية منه.. وقد عبّر علاّمتنا الراحل الأستاذ (طه باقر) أجمل تعبير عن ذلك بقوله (لقد أضاف البابليون لحماً ودماً على هيكل الأدب السومري القديم)، ومن أوضح الأمثلة على هذا الأبداع هو أعادة صياغة ملحمة العراق الخالدة (ملحمة كًلكًامش) بأسلوب أدبي رائع جعلها تنتشر في معظم ثقافات العالم القديم، ووفق نفس السياق فقد أعيد كتابة العديد من النصوص العلمية واللغوية المتنوعة، ومن ثم تنظيمها بشكل مجموعات محددة ومعنونة.. ليتحقق نتيجة ذلك أنجاز آخر لتلك المعاهد التعليمية ألا وهو ظهور المكتبات ودور الأرشفة والتوثيق، التي كان من أبرز أمثلتها ذلك المركز التوثيقي الكبير المسمى (شادبوم)، والمكتشف في موقع (تل حرمل) قرب منطقة بغداد الجديدة...... ولمعرفة جهوزية التلاميذ في المدارس بنوعيها ومدى كفاءتهم وبيان صلاحيتهم ليتأهلوا الى المراحل اللاحقة كانت تجرى لهم امتحانات شفاهية وتحريرية بمختلف المواضيع التي دروسها.. وكان يقوم بتلك الامتحانات مدير المدرسة نفسه وبشكل مباشر.. فهو من يضع الأسئلة ويدقق الاجابات، وهو بعدها من يقيّم مستوى التلميذ سلباً أو أيجاباً، دون أن يكون للمعلم أي دور في ذلك، أي بأسلوب قريب الشبه بنظام الامتحانات الوزارية في زمننا هذا....... وكان التلميذ على مدى سنوات دراسته الطويلة لا يحصل على أي مرود مادي يعينه في العيش أنما يكون خلالها معتمد كلياً على ذويه.. لكن بالمقابل كانت تمنح للتلميذ عطلة دراسية مدتها بحدود شهرين ونصف موزعة على امتداد العام بمعدل ستة أيام لكل أربع وعشرين يوم دراسة، سماها التلاميذ تسمية طريفة هي (أيام الحرية).
لقد وصفت عدد من النصوص المسمارية الهامة التي يعتقد أنها دونت من قبل بعض معلمي المدارس والتي أرادوا فيها استذكار حياتهم الدراسية السابقة لتعتبر منها الأجيال القادمة، طبيعة حياة التلاميذ الشاقة داخل مدارسهم، مبتدئة بطول  يومهم الدراسي، مروراً بصعوبة الدراسة نفسها، وانتهاء بشدة وقسوة المعلمين عليهم، وقد بينت تلك النصوص أيضاً أن دوام المدرسة كان طويل نسبياً، من الصباح الباكر حتى المساء، حيث تذكر أن وقت المدرسة (يبدأ مع صياح الديك وينتهي عند عودة الفلاحين من حقولهم).... ومن أحد النصوص الهامة يمكن فهم الجانب الايجابي بوضوح من حياة التلميذ وهي لا تختلف كثيراً عن حياة التلميذ الحديث، وقد كان بهيئة سؤال يوجه للتلميذ.. (ماذا كنت تفعل في المدرسة؟ كنت أقرأ لوحي ليستمع معلمي لحفظي، ثم أكل طعام غدائي  وأحظر لوحي الجديد الذي يحدده لي (الأخ الأكبر) كي أقرأه يوم غد..... وبعد نهاية دوام المدرسة أعود لبيتي وأطلع أبي على دروسي وما كتبته في المدرسة فيسّر بي لذلك.. وعندما أستيقظ باكراً في الصباح أقول لأمي أعطني طعامي لأني أريد الذهاب للمدرسة، فتزودني برغيفين، عندها شرعت بالذهاب لمدرستي)... وكان التلاميذ الملتزمين والمتفوقين في دراستهم ينالون أطراء ومديح معلميهم وأمنياتهم وكما ورد في أحد النصوص الذي يمتدح أحد المعلمين تلميذه النجيب (أتمنى أن تكون ملهَماً في علمك، وتكون الأول بين أقرانك، ومشهوراً يسعى الملوك اليك).. بالمقابل كان هناك الجانب السلبي من حياة الدراسة المتمثلة بالتلاميذ المتقاعسين والمهملين المتأخرين دوماً في دراستهم، الذين يتلذذون بالعراك وأحداث الضجيج مثيرين الفوضى في المدرسة متجاوزين على انضباطها، وكان يسمى التلميذ من هذا النوع في السومرية (كًلام هورو) أي (أحمق)، وهؤلاء كما هو متوقع يكون ردعهم قاسياً وشديداً بواسطة العصى والسوط.. لكن القسوة المفرطة هذه تأتي أحياناً بتأثير غير محمود ، مصيبة التلاميذ بالإحباط والعزوف عن مواصلة دراستهم... ومن النصوص الطريفة جداً في هذا الجانب والمتضمن شكوى أحد التلاميذ (سألني المعلم لماذا خطك ردئ وضربني بالعصى.. لماذا خرجت من دون أذن وضربني بالعصى.. لماذا وقفت بدون أذن وضربني بالعصى.. لماذا جلست من دون أذن وضربني بالعصى.. لماذا تتكلم من دون أذن وضربني بالعصى.... لذلك بدأت أكره المدرسة والكتابة وأهملت دروسي).... ويبدوا أن النفس البشرية هي نفسها في كل الأزمان حتى ما يخص العلاقة بين المعلم وتلميذه، حيث وردت بعض النصوص عن محاولات بعض التلاميذ من ذوي المستوى العلمي الضعيف للتملق والتقرب من أساتذتهم لينالوا رضاهم ويتجنبوا عصيّهم التي لا ترحم، لتصل الحال بهم لدرجة محاولة رشوتهم بمنح ذويهم بعض الهدايا الثمينة لهم.. بالمقابل كانت ردود فعل أولئك المعلمين متباينة ازاء ذلك، فمنهم من رضخ لمغريات الحياة، ومنهم من رفض ذلك بشكل قاطع ليعطي مثلاً رائعاً عن نزاهة التعليم في ذلك الزمن.
ومن المؤكد أن يتوارد سؤال هام بعد الذي تقدم هو.. من أين تأتي المدارس العراقية القديمة بنفقاتها المادية الكبيرة ومواردها الاقتصادية الكبيرة لدفع رواتب هيئتها التدريسية ولسد احتياجاتها ولديمومة بقائها واستمرارية عطائها؟ في ذلك يمكن القول أن التعليم آنذاك لم يكن عاماً أو مجانياً، ويكون مصدر تمويل المدارس من ذوي التلاميذ أنفسهم، وهم من يتحمل تكاليف دراسة أبنائهم وذلك بشكل أجور وعطاءات أو هِبات عينية تمنح لإدارة المدرسة كل فترة معينة من مدة الدراسة، أضافة الى ما يتحملوه من نفقات بشأن أولادهم، لذلك فأن التعليم بشكل عام رغم الدعوة الصريحة من قبل مثقفي تلك العصور وبعض حكامها لنشره بين الناس، لكنه في الحقيقية ظل مقتصراً على أبناء طبقات محدودة من أفراد المجتمع مثل الحكام وقادة الجيش وكبار الكهنة والتجار وملاكي الأراضي وموظفي القصر، اي من المتمكنين اقتصادياً والقادرين على تغطية النفقات المادية الباهظة لدراسة أبنائهم والتي كانت تستغرق سنوات طويلة، لكن مع ذلك فقد أشارت بعض النصوص الأدبية الى تمكن بعض العوائل البسيطة من الفلاحين والحرفيين رغم الصعوبة البالغة في ذلك من تعليم أبنائها، حيث ذكر أحد الآباء في أحدى تلك النصوص (من أجل أن يتعلم ولدي سأقود الثور للحراثة، من أجل أن يتعلم ولدي سأخرج لجمع الحطب من البرية)، عبارات رغم بساطتها لكنها تشير بوضوح الى آمال وطموحات الطبقات المُعدمة آنذاك واصرارهم في الحصول على العلم كونه الطريق الوحيد المتاح لديهم لنيل قدر من المساوة الاجتماعية بعد تعذر ازدهارهم الاقتصادي، لتظهر فيما بعد ونتيجة لذلك بواكير الطبقة الوسطى في المجتمع العراقي القديم... أما معلم ذلك الزمن فلم يكن بأحسن حالاً من زملائه معلمي العصر الحديث رغم ثقافته العالية وغزارة علمه ومعرفته، وتميزه عن باقي شرائح مجتمعه، لكنه يبقى رغم ذلك محدود الدخل متعوب الحياة مهمومها، ويحصل من مدرسته على مرتب ضئيل في الغالب، يُحدد من قبل مدير المدرسة حسب كفاءته وخبرته.. أما بيته فكان يضرب به المثل لشدة تواضعه، حيث تقول أحد الأمثال الواردة من الفترة الآشورية الحديثة/ الألف الأول ق.م (بيت المعلم حقير جداً، حتى الحمار لا يرضى أن يدخله).... وربما هذه هي الضريبة الأزلية القاسية التي فرضت  قسراً وجوراً على المثقفين ومن سار بطلب العلم ومن سعى لنشره بين الناس، منذ فجر التاريخ وحتى عالمنا الحديث هذا المتراقص على لوحة مفاتيح الكومبيوتر.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

322 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تابعونا على الفيس بوك