كم بدا هولدرلن بريئا حين راهن بالشعر المخاتل على السلام المستحيل

          

يتحدث هولدرلن عن وحدة البشر بل أكثر من هذا عن وحدة الفكر البشري قبل المسيحية وبعدها .

إبراهيم العريس:كان الشاعر الألماني هولدرلن في الـ 15 من عمره حين وقعت قصيدة شيللر "نشيد إلى الفرح" مثل القنبلة وسط كآبة تلك الأزمنة.

صحيح أن هولدرلن لم يكن قد قرر بعد أن يصبح شاعراً، لكنه على الأقل وجد أن الزمن لن يطول به قبل أن يكتب هو الآخر ما يوازي تلك الصفحات الإنسانية، وبالفعل ما إن حل العقد الجديد ووقع اتفاق سلام ضجت أوروبا به حتى راح وقد غمره التفاؤل يكتب تلك القصيدة التي وجدت بسرعة مكانها في ضمائر الألمان.

الألمان أنفسهم الذين أكدت القصيدة مرة أخرى كونية فكرتهم الماثلة عبر سلسلة طويلة من شعراء ومفكرين لم يكن شيللر وهولدرلن سوى حلقات منها.

ولنعد هنا إلى قصيدة هولدرلن لنشير إلى كيف تم تلقفها بوصفها "المقدمة الأولى لنشيد جديد لم يسبق لأحد أن كتب مثله في تاريخ الإنسانية"، كما جاء في التعليق الذي أطلقه في العام الأول من القرن الـ 19 الناقد الألماني هلنغراث، في معرض حديثه عن تلك القصيدة الطويلة التي كتبها ونشر أجزاء عدة منها في ذلك العام الشاعر فردريش هولدرلن.

سلام لونفيل

من المعروف أن القصيدة استقرت بعد مداولات على عنوان شديد الدلالة وشديد الارتباط بموضوعها وهو "عيد السلام"، وكان هذا العنوان طبيعياً لأن هولدرلن تحدث في قصيدته عن ذلك السلام الذي عقد في فبراير (شباط) من العام 1801، وأطلق عليه اسم "سلام لونفيل".

ومن الواضح من خلال تاريخ هولدرلن، كما من خلال النشيد نفسه، أن هذا الشاعر الرومانسي الكبير كان يرى في الاتفاق السلمي ذاك بداية جديدة للحياة الإنسانية برمتها وانطلاقة لعصر جديد.

صحيح أن النشيد ككل لم يتوقف كله عند ذلك الاتفاق، لكن مقاطع عدة منه كانت لا تكف عن الذهاب والمجيء بين ثنايا الاتفاق للتغني به وبالذين وقعوه وبما يعد الإنسانية به، متجاوزاً الهويات الصغيرة والحساسيات العصبية، ضارباً صفحاً عن التاريخ لمصلحة صانع التاريخ: الإنسان نفسه، ومن هنا قد يكون منطقياً اعتبار "عيد السلام" أول قصيدة إنسانية ظهرت في القرن الـ 19 بعد أعوام قليلة من الثورة الفرنسية التي ألهمت الكتاب الألمان كثيراً وأعطتهم آمالاً مستقبلية جاءت حملات نابوليون لتنسفها.

المصالحة مع المسيحية

غير أن هذا النشيد الذي كتبه هولدرلن في شكل متفرق ولم ينشره كاملاً في ذلك الحين ظل على الدوام ناقصاً، وتوزعت مقطوعاته بين البلدان والمدن لأسباب يصعب تصورها، إذ حتى العام 1952 ظلت تلك المقاطع تكتشف تباعاً، إذ عثر في لندن على ما اعتبر في ذلك الحين النسخة النهائية للمقاطع الأولى والتي تسبق عقد عيد السلام نفسه، هذا العيد الذي تختتم القصيدة بوصفه والعيش في أجوائه، أما مناخ النشيد في شكل عام فاستخدم مسألة المصالحة بين "ألمانيا والمسيح" موضوعاً رمزياً له، انطلاقاً من الفكرة الكاثوليكية التي كانت تقول إن اختيار أباطرة الألمان الانتماء إلى البروتستانتية على الكاثوليكية، إنما كان ابتعاداً من الكنيسة نفسها.

غير أن هذا البعد الديني – المذهبي في قصيدة "عيد السلام" لا يشكل جوهرها على الإطلاق، فالجوهر كما أشرنا إنساني يدعو إلى الوئام بين الشعوب والأجناس.

يتحدث عن وحدة البشر، بل أكثر من هذا عن وحدة الفكر البشري قبل المسيحية وبعدها، إذ رأى باحثون ونقاد كثر أن هولدرلن كان مهتماً في شكل عام بأن يصالح حتى بين المسيحية وبين الديانات غير التوحيدية السابقة عليها، وكان ينطلق في هذا من اعتبار أن تلك الديانات القديمة من اختراع الإنسان الذي أحس بحاجة إلى ألوهية لم يقيض له نبي يرشده إليها قبل بروز الأديان التوحيدية، ومن هنا حين جاءت هذه الأخيرة مجسدة في المسيحية بحسب هولدرلن، عاد الدين وتفكير الإنسان الديني إلى حمى الإله الواحد، فاقتنع الإنسان به وآمن من دون أن يعرف ماذا يفعل بآلهته القديمة في أعماقه.

عاجز عن أي شيء آخر

في نهاية الأمر قد يبدو هذا الموضوع شائكاً، بل حتى خارجاً عن نطاق النشيد، ولكن كان لا بد من توضيحه من أجل فهم أفضل للنشيد، ومنذ البداية نعرف أن هدف هولدرلن من كتابة أشعار هذا النشيد لم يكن فقط أن يعبر عن نفسه أو عن مواقفه كما هي حاله في أشعاره الأخرى، بل خصوصاً أن ينشر وأن يقرأ على نطاق واسع، ومن هنا كان غريباً منه أن يكتب في ملاحظات تقديمية "إنني أطالب قارئي بأن يقرأ هذه الصفحة بكل رحابة صدر، ولو فعل لن يصبح أي شيء فيها عسيراً على الفهم، بل ستصبح في النهاية ذات تأثير كبير. أما إذا كان من شأن بعض الناس أن يجدوا هذه اللغة التي أستخدمها تقليدية فإنني أعترف أمامهم أنه ما كان في وسعي أن أفعل أي شيء آخر، فأنا حدث لي أن شعرت ذات يوم أن كل أساليب الغناء صارت مسموعة، وأن الطبيعة نفسها التي انطلق منها هذا كله، تستعيد هذا الغناء بدورها. والحال أن مؤلف هذه الصفحات يفكر بأن يضع أمام أنظار قرائه كل المجموعة التي تتألف منها هذه الأوراق، وليس فقط هذه الأوراق القليلة التي ليست سوى نماذج".

ومن الواضح في هذا الكلام أن هولدرلن الذي كتب ما يشبه النشيد العام كان يعرف وهو يقدم بعض أوراق النشيد أنه سينجزه لاحقاً، وأنه إنما كتبه بلغة عادية أملاً منه بأن يصل إلى الناس أجمعين، لا أن يظل شعر نخبته كما كان حال شعره في زمنه.

البحث عن أمير السلام

يتألف النشيد في شكله الشامل الذي من المؤكد أن فصوله لم تكتمل حتى اليوم في شكل نهائي من أربع ثلاثيات، بيد أن هذا التقسيم الذي لم يتحدث عنه هولدرلن أبداً كما يبدو لا يزال يثير سجالات حتى اليوم حول صوابه أو عدم صوابه، ونذكر أن السجال احتد بقوة بين العامين 1955 – 1956 في أوساط دارسي هولدرلن، أما السبب الأساس لأكبر قدر من السجال فكان الوصف الذي يورده هولدرلن لأمير العيد الغامض الذي حار النقاد دائماً في تحديد هويته الحقيقية، فمن ناحية رأى عدد من الدارسين أن الأمير المعني لا يمكن أن يكون سوى بونابرت، على الرغم من نفور الأدباء والمفكرين الألمان من ذلك "العسكري الفرنسي القصير".

والحقيقة أن ثمة مفكرين كثراً رأوا أن ثمة "نوراً سماوياً رائعاً يحيط بالقصيدة ككل ويضيئها"، ومثل هذا النور ما كان في إمكان شاعر رهيف مثل هولدرلن أن يضعه في القصيدة لو كان يرى أن "أميرها"، أي أمير السلام، إنما هو نابوليون، فبونابرت كان يمكن أن يغمره أي شيء إلا النور الإلهي.

مهما يكن فإن الباحثين اكتشفوا رسالة كان هولدرلن بعث بها إلى صديقه كارل غوك عام 1801، أي عام كتابة النشيد، يقول في بعض سطورها "إنني أرى أن الأنانية في كل تجلياتها، ستنسحب الآن وفي نهاية الأمر أمام قوة الحب والطيبة المقدسة، وأرى أن الروح الشاملة ستحكم الأرض، وأن فؤاد ألمانيا سيزهر في النهاية من دون صخب أو ضجيج".

غرام حتى الموت

مهما يكن فإن هذه القصيدة التي يعود دارسو حياة هولدرلن وأشعاره إلى الاهتمام بها من جديد في كل مرة صخب فيها العالم بضجيج الحرب والأسلحة، كما الحال الآن وقد عادت أوروبا تتخبط في ظلماتها تحت وقع الحرب التي يشنها الروس على الأوكرانيين ويقف الغرب عاجزاً حيالها، تعتبر من أبسط وربما أيضاً أعمق كتابات هذا الشاعر الذي عاش بين العام 1770 والعام 1843، وشهد بعض أصعب لحظات ولادة الفكر الإنساني في الزمن الذي عاش فيه، وهولدرلن ولد في لاوفن ومات في توبنغن، وقد عاش في ظل أمه التي ظلت تشكل حماية له خلال مراحل حياته كلها، ودرس اللاهوت لكنه لم يرغب أبداً في أن يكون رجل دين، وكان، لا سيما خلال النصف الثاني من حياته، دائم الترحال، وعمل مدرساً خصوصياً لأبناء الأثرياء، لا سيما منهم المصرفي غونتاذ الذي ربطت هولدرلن بزوجته علاقة غرامية ظلت قائمة حتى وفاتها وخلدها تحت شخصية ديوتيما التي نراها في كثير من قصائده وكتاباته الأخرى.

ومن أعمال هولدرلن الأخرى "هيبوريون" و"موت أمبادوقلس" ومجموعة "قصائد".

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

956 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع