أسرار ثروت أباظة "الهارب من الأيام" بعيون زوجته

         

قال محفوظ : لو عشرة يقرأوا لي بوعيك سأكتفي بهم

وصف الإخوان بالاعتداء على البشر والشريعة !

تنبأ بحرب 56 وبإنهيار الاتحاد السوفيتي


كتبت ـ نرمين على:"إن اسمك سيجوب الآفاق ، وليس آفاق مصر وحدها ، ولكن ستتعدى حدودها ، وستكون شهرتك واسعة وأنت في سن الشباب " هكذا أخبر الدكتور ناجى المقرب من العائلة (ثروت أباظة) حينما رأى له الطالع في صغره ، وهكذا تحققت نبوءته ، وها نحن نبدأ الحديث عن ثروت  الروائي المشهور في ذكرى وفاته الحادية عشر من مذكرات كتبتها زوجته عنه .

ثروت دسوقي أباظة كاتب وروائي مصري ، من أعرق العائلات فوالده الأديب دسوقي باشا وعمه شاعر ، فنشأ في بيت كله شعر و أدب ، ومحيط كله مبادئ وأخلاق ، وفى جو كله سياسة ووطنية ، فتكونت شخصيته الحرة الأصيلة ،و لم يكن طفلا مثل باقي الأطفال ، ولم يتمتع بطفولته ولم يلعب كثيرا ، وإنما كان يصاحب والده في كل مكان يذهب إليه ، فكان يجالس الكبراء والشعراء والأدباء ، ولذلك فهو لم يتهيب المناصب في كبره لأنه نشا بينها ، اختاره كتاب مصر ومثقفوها رئيسا لاتحاد كتاب مصر ، وكرمته الدولة بجائزة الدولة التشجيعية وجائزة الدولة التقديرية .

 
ثروت لم يكن متفوقا .. ولكنه ذكي

لم يكن ثروت من المتفوقين في الدراسة على الرغم من ذكائه وقوة ملاحظته ، بل كان ينجح فحسب ، ولا مانع من أن ينجح في الدور الثاني ، على الرغم من أنه كان يحفظ الأشياء في لمح البصر ، فحينما كان طالبا في المدرسة الابتدائية كتب المعلم أبيات من الشعر لأحمد شوقي ، وطلب من أحدهم أن يقرأها ، فسارع ثروت يرفع يده ويخبر المعلم أنه حفظها ولكنه لم يصدق هذا إلا بعد أن سمعها منه .

وفى مرة أخرى كتب له والده كلمة باللغة الانجليزية ومعناها بالعربية ، وبعد دقائق قليلة فاجأ والده أنه حفظها ، وأخذ مكافـأة ريال ، وكان الريال في هذا الوقت ثروة بالنسبة للطفل ، ومع هذا فكان يتهرب من الذهاب إلى المدرسة ويختبئ في حجرة الضيوف إلى أن عنفته والدته .

  


نظرة على أعماله

ألف ثروت أباظة عدة قصص وروايات، تحول عدد منها إلى أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية، كما كتب أكثر من أربعين تمثلية إذاعي ة، وأربعين قصة قصيرة وسبعه وعشرين رواية طويلة ، وكانت أول أعمال ثروت الأدبية حينما طلب منه المخرج المشهور الأستاذ فتوحي نشاطي أن يشترك معه في كتابة مسرحية عن ابن عمار والمعتمد بن عباد ، ولكن هذه القصة لم تكتمل حينها بل ظلت تبادر ذهنه ، وبالفعل كتب قصة عن ابن عمار وكان أسلوبها العربي الرصين سبب في أن تقرر وزارة التربية والتعليم تدريسها في مطلع الستينيات.

"إنها أحسن ما كتب عن القرية في الأدب العربي" هكذا تحدث الدكتور طه حسين عن رواية هارب من الأيام لثروت أباظة ، وما دفع ثروت لكتابتها هو أن عائلته كانت معتادة على قضاء شهرين في قريتهم "غزالة" ، ومن هنا احتك بالفلاحين ودخل في حياتهم ، فلم تعد تخفى عليه خافية من حياتهم أو طباعهم ، وعرف أن ما يقوله الكتاب عن الفلاح بأنه ساذج وصف خاطئ  فالفلاح المصري ذكى وحريص ، وبناءا على معرفته العميقة بالفلاحين كتب رواية "هارب من الأيام" ، وقد صور فيها شرزمة من الأشرار وهى تروع القرية وتسلب أموال أهلها ، وتعث في الأرض فسادا ، وكان هدفه من الرواية هو الحرية والمناداة بالخلاص من ظلم الاستعباد ، وكان يذهب إلى سينما ريفولى التي افتتحت أول كافتيريا مكيفة لكتابة تلك الرواية هناك ، ونال عنها جائزة الدولة التشجيعية سنة 1958 ، وهذا هو أول تكريم رسمي له .

 ونشر في مجلة الصباح "شئ من الخوف" على حلقات ؛ حتى اختارها الفنان صلاح ذو الفقار لينتجها فيلما سينمائيا ، ولكن وكيل وزير الثقافة آنذاك اعترض عليه ، وطلب أن يراه الوزير الذي رأى فيها إسقاطات و تلميحات على الحكم ، فطلب أن يعرض على الرئيس عبد الناصر ، ولكن عبد الناصر علق عليه قائلا : "لو كنت مثل هذا الرجل لقتلني الشعب" وسمح بعرضه .

 وحينما تقرر أن يتحول كتاب (لقاء هناك) إلى فيلم سينيمائى يتكلم عن الصراع بين المادة والإيمان وعن المصالحة بن الأديان ، ذهب إلى شيخ الأزهر عبد الحليم محمود وإلى البابا شنودة ليوافقا على عرض الفيلم ، حتى نجح الفيلم نجاحا كبيرا وعبر عن الوحدة الوطنية .

 
ثروت والحاسة السياسية الصادقة

 كثيرا ما تنبأ ثروت بأحداث سياسية قبل وقوعها ، فقد تنبأ بحرب 56 في اللحظة التي أعلن فيها الرئيس جمال عبد الناصر تأميم القناة وعمل رهانا مع توفيق الحكيم على ذلك .

 وتنبأ بانهيار الاتحاد السوفيتي في مقال نشره بجريدة الأهرام سنة 1970 ، كما كان يصف جماعة الأخوان المسلمين بأنهم بداية الإرهاب ، ويهاجم الشيوعيين .

 
ثروت أباظة الإنسان

 ساند ثروت شباب الأدباء في بداية حياتهم ، وخصوصا الدكتور عبد العزيز شرف ، والكاتب الصحفي فتحي سلامة ، والكاتب عبد العال الحمامصى ، وتتبع أعمالهم ورعاهم إلى أن أصبحوا من كبار الكتاب .

 وكان هناك صحفي في مجلة المصور دائما يهاجم ثروت في كتاباته  ، ولكنه حينما فاجأه مرض شديد ، يحتاج إلى العلاج في الخارج ، لم يلجأ إلا لثروت الذي لم يتوان عن مساعدته ، وطلب رئيس الوزراء في الحال ، ورجاه أن يسافر الصحفي للعلاج على نفقة الدولة حتى عولج وعاد لمصر معافى ، وعندما توفى ثروت وهاجمه جلال أمين تصدى له هذا الصحفي.

 
وكانت كلمته عقدا وقلبه رحيما ، فحينما باع ذات مرة القطن في القرية ، اتفق مع التاجر على الثمن بالكلام دون أن يوقع عقدا ، وفى اليوم التالي جاء إليه تاجر بثمن أعلى فقال له لقد أعطيت وعدا ، حتى أن هناك رجلا اشترى منه قطعة أرض بالقسط وحينما عجز عن الدفع اقترح أن يعطيه في كل قسط ديكا روميا بدلا من المال فوافق ثروت ، كما تبرع بقطعة أرض لإنشاء مركز للشباب في قريته ، وأدخل السنترال ، وأهدى الجامع الذي بناه والده دسوقي باشا إلى وزارة الأوقاف .
 

رأى ثروت في الإخوان

لقب ثروت الإخوان المسلمين في مقال له بعنوان "لا مناقشة للتنابز" بالإخوان المجرمين ، وأنهم إرهابيين صرحاء قاموا بجرائم بشعة لم ترحم الأطفال ، كما سفكوا دماء السائحين الأبرياء في وحشية لم يعرفها العالم من قبل ، وشرعوا في قتل الكاتب الكبير نجيب محفوظ .

 كما ذكر أن لهم في الإجرام باعا عريضا فهم أول من أدخلوا السلاسل والأسلحة إلي الجامعة وهم أول من اعتدوا علي الشريعة وأحلوا ما حرمه الله , وحرموا ما أحله وهم أول من اقتحموا برداء الإسلام المزعوم البيوت ، وتلاعبوا في وحشية مدمرة بعقول الشباب وخربوا عقولهم ودينهم  وحاولوا في كفر ظالم أن يوقعوا بيننا وبين إخواننا الأقباط .

 وهم أول من أدخلوا في تكوينهم التنظيم السري والسلاح الذي كان حربا شعواء علي الإسلام والمسلمين ، وأن الإخوان المجرمين يعتمدون في أعمالهم البشعة علي إمدادات من خارج مصر يقدمها إليهم قوم لاغرض لهم إلا تخريب وطننا العظيم .

علاقة ثروت بأدباء مصر

كان طه حسين يحب ثروت كثيرا ويقرأ جميع رواياته ، وكان عندما يتأخر عن زيارته يقابله بهذين البيتين :

إن كنت أزمعت على هجرنا    من غير ذنب فصبر جميل

وإن كنت تبدلت بنا غيرنا        فحسبنا الله ونعم الوكيل

 

أما عن علاقة ثروت بنجيب محفوظ ، فتقول زوجته أنه يرفع سماعة تليفونه يوميا في الرابعة مساء ليحادثه ، وكان ثروت يعتبره رائدا لفن الرواية ، وكان نجيب محفوظ يقول له دوما "لو أن عشرة قراء يقرءون لي مثلك ، بكل هذا الوعي ، لاكتفيت بهم"

وبدأت علاقته بتوفيق الحكيم منذ طفولته ، عندما كان يقرأ كل كتبه ، وكان له مكان يجلس فيه بقصر النيل كان يذهب إليه ثروت ليراه من بعيد ثم ينصرف ، حتى تعارفا يوما وفوجئ أن الحكيم يسمع تمثيلياته عن أقاصيص العرب ، وتوطدت العلاقة بينهم إلى أن اعتبره الحكيم بمثابة ابنه ، وفى الإسكندرية كان له يومين يخصصهم للحكيم .

 قضى ثروت عامه الأخير متنقلا بين البيت ومستشفى الصفا لإصابته بورم خبيث في المعدة  وكان يشعر باقتراب الرحيل فأودع كل أعماله لدار المعارف لتنشرها له ، وكان في تلك اللحظات سريع التأثر حتى البكاء ، حتى رحل في 17 مارس عام 2003.

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

669 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع