شفق نيوز- بغداد:من التقاليد العراقية الراسخة منذ زمن بعيد، والتي ما تزال قائمة حتى اليوم، هي تناول "القيمر مع الكاهي" في أول أيام عيد الفطر، حيث يمثل هذا التقليد إحدى سمات العيد لدى العديد من العائلات العراقية عامة، والبغدادية خاصة.
فبعد صيام ثلاثين يوماً والامتناع عن وجبة الإفطار الصباحية، يلتئم شمل العائلة حول صينية القيمر والكاهي مع الشاي، إيذاناً بانتهاء فريضة الصوم وبدء عيد الفطر.
ولهذا التقليد أبعاد اجتماعية مهمة، أبرزها تعزيز أواصر المودة بين أفراد الأسرة، إذ يضفي الاجتماع حول مائدة الإفطار وتبادل التهاني والقبلات بمناسبة العيد أجواءً من البهجة والسرور.
أهداف اجتماعية
ويقول الباحث التاريخي والمختص بالفلكلور الشعبي علي الورد، لوكالة شفق نيوز، إن "العراقيين اعتادوا منذ زمن بعيد على عادات معينة ترمز للعيد، وهي ذات طابع وأهداف اجتماعية مهمة".
ويضيف: "ليس ثمة أجمل من اجتماع الأسرة على مائدة الطعام، مصحوباً بتبادل تحية الصباح وتهنئة العيد ورسم القبلات على جبين الآباء والأمهات والزوجات والأولاد"، مشيراً إلى أن "من شأن ذلك كسر رتابة الروتين اليومي وشد أفراد الأسرة إلى بعضهم".

ويشير الورد، إلى أن "العاصمة بغداد تشهد في أول أيام عيد الفطر إقبالاً واسعاً على شراء القيمر والكاهي، وأن بعض المواطنين يقطعون مسافات بعيدة لهذا الغرض"، مبيناً أن "مناطق الصدرية والكاظمية وباب المعظم كانت تشتهر ببائعي وبائعات القيمر، ويقصدهم الناس من مختلف مناطق بغداد لشراء القيمر".
ويتابع الباحث العراقي، قائلاً: "على العكس من الفترة الحالية التي يُباع فيها القيمر والكاهي في محال ومطاعم خاصة، كانت بائعات القيمر حتى وقت قريب يفترشن الأرض ويضعن أمامهن صينية القيمر، التي سرعان ما تنفد لتحل محلها صينية أخرى"، لافتاً إلى أن "المطاعم الحالية لم تعد تقدم القيمر بالنكهة والنظافة السابقة على الرغم من وضعه خلف الزجاج، وقد يكون ذلك بسبب العفوية المشوبة بالعاطفة الصادقة لدى كل من الباعة والمستهلكين".
ولم تسعف ذاكرة الورد، بذكر أسماء بائعي وبائعات القيمر في بغداد خلال فترة الستينيات، لكنه أشار إلى أن "ثمة بائعات شهيرات كان الناس يقصدونهن من شتى مناطق بغداد".
اقبال كبير
ويدفع الطلب الشديد على القيمر فجر اليوم الأول من عيد الفطر الباعة إلى مضاعفة كميات مبيعاتهم.
وتقول بائعة القيمر في منطقة الكاظمية (أم حسن): "كنت في الأيام العادية أجهز صينيتين من القيمر للبيع، وأضع صينيتي على الأرض في الساعة السادسة من صباح كل يوم".
وتوضح خلال حديثها لوكالة شفق نيوز، أن "أول أيام العيد يكون مختلفاً، إذ يهرع الناس لشراء القيمر في وقت مبكر جداً"، مؤكدة أن "بعضهم يأتي في الساعة الرابعة فجراً لشراء القيمر، وهو ما يجعلني أجهز أكبر قدر من صواني القيمر وأتوجه عند الثالثة فجراً لغرض البيع".
بينما ترى المواطنة هيفاء علي، أن نشوة العراقيين بالعيد لا تكتمل إلا باجتماع العائلة حول صينية القيمر والكاهي، موضحة أن "زوجها اعتاد أن يستيقظ مبكراً ويتركهم نياماً ويذهب لجلب القيمر من البائعة (حياة) التي تضع صينيتها أمام فرن يُعد الكاهي والصمون الحار".
وفي حديث لوكالة شفق نيوز، تؤكد علي، أن "اليوم الأول من الإفطار له طعم خاص، فالقيمر مع الكاهي وجبة دسمة وشهية تجتمع حولها العائلة ضمن طقوس العيد المألوفة سنوياً".
أما المواطن عبد الغني الساعدي فيقول إن "العائلة تطيب لها في أيام عيد الفطر تناول القيمر مع الكاهي الذي أجلبه من منطقة الصدرية".
ووفقاً لحديث الساعدي، للوكالة، فإن قيمر السدة وقيمر السيدية هما الأطيب مذاقاً، أما كاهي أبو حمزية فلا يقارن بغيره.
وما زال تناول القيمر والكاهي في أيام عيد الفطر يمثل امتداداً للطقوس والتقاليد البغدادية للاحتفاء بالعيد، رغم تبدل الأزمنة والأمكنة والظروف.

781 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع