(أ ف ب):أبدت قوى سُنية عراقية تحفظها على عودة رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي إلى منصب رئاسة الوزراء، في ظل المباحثات الجارية بشأنه تكليفه داخل الإطار التنسيقي.
وخلال الساعات الماضية، تصاعدت إشارات الرفض من داخل البيت السني عبر تغريدات ومواقف علنية ربطت بين "القبول الوطني" وبين تمرير رئيس الحكومة، في تلميح واضح أن الذهاب نحو خيار أحادي داخل الإطار قد يفتح الباب أمام مواجهة سياسية أوسع داخل البرلمان.
وفي هذا السياق، دعا رئيس حزب "تقدّم" (أكبر الأحزاب السنية 35 مقعداً) محمد الحلبوسي، الإطار التنسيقي، إلى مراعاة "القبول الوطني" في ترشيح مكلف برئاسة الحكومة المقبلة، مذكراً بما وصفه بـ"الأيام العجاف"، في إشارة إلى فترة تولي نوري المالكي منصب رئيس مجلس الوزراء.
وقال الحلبوسي في تدوينة: "ننتظر ما سيصل إليه الإخوة قادة الإطار التنسيقي بترشيح اسم المكلَّف لرئاسة الحكومة المقبلة، ونتمنى حرصهم على وحدة وتماسك مكونات العراق بأكمله، دون العودة لأيام عجاف مؤلمة من الأزمات والاضطرابات والفتن، التي ما زالت عالقة بأذهان العراقيين وآثارها قائمة لم تجد حلولاً رغم المحاولات لعلاجها".
وفي موقف مماثل أعلنه الأمين العام لحزب الجماهير الوطنية، أحمد عبدالله عبد الجبوري الذي أكد أن الاستقرار السياسي يمر عبر تفاهمات مسبقة لا عبر فرض أسماء مثيرة للجدل، بحسب تعبيره.
وقال الجبوري: إن "العراق لا يحتمل إعادة عقارب الساعة إلى الوراء”، داعيًا إلى "تشكيل حكومة إجماع وطني تبنى على الثقة واستدراك ما فات، وبمشاركة جميع الشركاء في الوطن".
مخاوف واسعة
بدوره، قال نائب في حزب تقدم طلب حجب اسمه إن "التحفظ لا ينطلق من مزاج المحافظات السنية وحدها، بل من قراءة أوسع لدى قطاعات عراقية ترى أن إعادة طرح المالكي تثير مخاوف من عودة نموذج إدارة يقوم على تشديد المقاربة الأمنية وتوتر العلاقات مع محيط العراق".
وأضاف لـ"إرم نيوز" أن "هناك قلقاً من عقلية إدارة الملفات عبر أدوات أمنية أكثر من كونها سياسية، فضلاً عن مخاوف من انعكاس ذلك على علاقة العراق مع العالم وعلى صورة الحكومة المقبلة في الإقليم والغرب".
ولفت إلى أن "المرحلة الراهنة تتطلب المجيء بشخصية سياسية واقتصادية، قادرة على عبور الأزمات التي يعاني منها البلد".
وبحسب متابعين ارتبطت فترة حكم نوري المالكي بين عامي 2006 و2014 بسلسلة سياسات أمنية مشددة تركت آثاراً عميقة على بنية الدولة والمشهد المجتمعي، إذ شهدت تلك المرحلة توسعاً في حملات الاعتقال والمداهمات الأمنية، وتراجع العمل السياسي أمام الخصوم، إلى جانب اتهامات متكررة باستخدام أدوات الدولة في تصفية الخلافات السياسية.
كما واجهت الدولة العراقية خلال تلك السنوات اختلالات خطيرة في المنظومة الأمنية والعسكرية، رافقها تفكك تدريجي في مؤسسات الجيش والأجهزة الساندة، وسط اتهامات بانتشار الفساد وغياب المهنية، الأمر الذي مهّد لاحقاً لانهيارات أمنية واسعة، بسقوط مدن كبرى بيد تنظيم داعش عام 2014، في واحدة من أكثر المحطات صدمة في تاريخ الدولة العراقية الحديثة.
تكتيك أم استراتيجية
لكن الباحث السياسي أحمد الخضر، يرى أن "التحفظ قد يكون جزءاً من تكتيك تفاوضي أكثر من كونه موقفاً نهائياً، مرتبطاً بسقف المكاسب التي يمكن أن تحصل عليها القوى السنية في أي تسوية مقبلة".
وأضاف الخضر لـ"إرم نيوز" أن "كل الاحتمالات لا تزال مفتوحة في مسار تكليف نوري المالكي بتشكيل الحكومة القادمة، وهذا التحفظ يمكن أن يتراجع إذا قُدمت ضمانات واضحة وتفاهمات متوازنة، لأن تجربة تشكيل الحكومات في العراق غالباً ما تُحسم عبر المقايضات الثقيلة وليس المواقف المعلنة فقط"، بحسب تعبيره.
ولم تكن العلاقة بين الحلبوسي والإطار هادئة خلال الأيام الماضية، إذ فُرض فيتو داخل الإطار على عودته إلى منصب رئاسة البرلمان، ما دفعه إلى تقديم بديل عنه وهو هيبت الحلبوسي القيادي في حزب تقدم، ما جعل تغريدته الأخيرة تُقرأ أيضاً بوصفها رسالة سياسية ضمن معادلة "الرد المتبادل" بين الفاعلين في لحظة تشكيل الحكومة.
بدوره، يؤكد الباحث في الشأن السياسي عماد محمد أن "اسم رئيس الوزراء المقبل سيكون اختباراً لخط توازن العراق بين الضغوط الدولية، والتوازن في المنطقة، وأن أي مرشح تُحيط به حساسيات مع عواصم مؤثرة قد يفاقم صعوبة الحركة الدبلوماسية والاقتصادية في لحظة إقليمية صعبة".
وأضاف الباحث في الشأن السياسي لـ"إرم نيوز" أن "المؤشرات تقول إن الإطار يحاول تسويق مرشح قادر على إدارة توازنات معقدة، لكن عودة أسماء خلافية قد ترفع كلفة التفاهمات وتُدخل البلاد في موجة استقطاب جديدة بدل التهدئة".
وفي ظل التوترات الأمنية المتصاعدة في سوريا، والأنباء عن هروب العشرات من عناصر تنظيم داعش من سجون قوات سوريا الديمقراطية، تُشكّل الأحاديث عن عودة نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة صدمة واضحة في الشارع العراقي، ولا سيما لدى شرائح لا تزال تستحضر مشاهد الانهيارات الأمنية الكبرى عام 2014.

966 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع