اللهجة تصارع الاندثار.. كلمات بغدادية لم تعد تُقال

شفق نيوز- بغداد:سجلت اللهجة البغدادية خلال السنوات الأخيرة المنصرمة تراجعاً في حضورها كلهجة متميزة عن بقية لهجات الوسط والجنوب في العراق.ويأتي هذا التراجع عقب العديد من التغيرات السكانية والاجتماعية التي حدثت وبشكل واسع في العاصمة العراقية.ويدعو هذا التراجع المعنيين من أجل الحفاظ على اللهجة البغدادية الأصيلة عبر اتخاذ إجراءات عملية واقتراح حلول نافعة بهذا الخصوص كي لا تتعرض للتلاشي والاندثار بمرور الزمن.وتسبب اختلاط اللهجات جراء هجرة أعداد كبيرة من أبناء محافظات الوسط والجنوب والسكن في بغداد بتراجع اللهجة البغدادية.

يقول المواطن مهند الكيلاني، الذي ينحدر من أسرة بغدادية معروفة: إن "اللهجة البغدادية الأصيلة بدت تختفي بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، بعد ما كانت هي اللهجة السائدة والمسموعة في بغداد وتتأثر بها بعض المحافظات".

ويضيف في حديثه لوكالة شفق نيوز: أن "سبب تراجع اللهجة البغدادية يعود لعدة عوامل، أبرزها التغيرات السكانية الكبيرة اللي شهدتها بغداد، ودخول لهجات متعددة من مختلف المحافظات، بحكم الهجرة الداخلية والعمل والدراسة، فأصبحت اللهجة البغدادية تمتزج باللهجات الأخرى حتى بدأت تفقد ملامحها الأصلية"، منوهاً أن "بغداد مدينة منفتحة تتأثر بسرعة بكل المتغيرات، سواء كانت تلك التحولات اجتماعية أو ثقافية أو إعلامية، بعكس المحافظات اللي حافظت على لهجتها لأن نسيجها الاجتماعي أكثر استقراراً".

يشير الكيلاني إلى أن "المحافظات بقيت لهجتها مسموعة وواضحة، لأن أهلها يعتزون بها ويستخدمونها في الحياة اليومية وفي مجالات الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، بينما تعرضت اللهجة البغدادية للتهميش وحلت بدلها اللهجة الجنوبية، لتفقد بذلك لهجة العاصمة أصالتها وهويتها الثقافية والتراثية".

ومرت بغداد بتحولات تاريخية هائلة، من كونها عاصمة الخلافة العباسية الذهبية، مركز العلم والثقافة، إلى الدمار على يد الغزاة مثل المغول (1258م) والتتار لاحقاً، ثم الحكم العثماني الذي شهد تجديدات (عصر مدحت باشا)، ثم السقوط بيد البريطانيين (1917)، فالثورات الوطنية والاستقلال، وصولاً للاحتلال الأمريكي (2003) وما تبعه من فوضى، لتتغير من مدينة سلام مزدهرة إلى مركز صراعات عبر قرون من الغزوات والتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مع محاولات مستمرة لاستعادة مجدها.

ويعكس تراجع اللهجة البغدادية وتقلص دورها في المحادثات اليومية حجم التغير الذي شهدته العاصمة، والذي زحف على الذاكرة الثقافية للعاصمة بغداد.

بدوره يؤكد المواطن علي الهاشمي من منطقة العطيفية، والبالغ من العمر (88 عاماً)، أن "سبب اختفاء اللهجة البغدادية لا يعود إلى عامل واحد وحسب"، موضحاً أن "ما يسمى باللهجة البغدادية لم تكن في الأصل لهجة واحدة متجانسة".

ويوضح الهاشمي في حديث لوكالة شفق نيوز: أن "لأهالي الكاظمية لهجتهم الخاصة، ولأهالي العطيفية لهجتهم أيضاً، وكذلك الأمر في مناطق الكرخ والرصافة، فلكل منطقة خصوصيتها في النطق والكلمات، لذلك لا يمكن القول إن هناك لهجة بغدادية واحدة بقيت محافظة على نفسها، لأنها في الأساس كانت مجموعة لهجات متقاربة وليست لهجة موحدة".

ويضيف أن "طبيعة بغداد المدنية لعبت دوراً كبيراً في تراجع هذه اللهجات، لأن المدن غير المرتبطة بطابع عشائري تكون أكثر عرضة للتفكك الاجتماعي واختفاء الخصوصيات اللغوية"، مبيناً أن "في المحافظات ذات الطابع العشائري، تبقى العشيرة محافظة على أبنائها وسكانها، تجمعهم وتقلل من هجرتهم، أما في المحافظات المدنية فالهجرة مفتوحة وترك المنطقة أمر سهل، وهذا يؤدي مع مرور الوقت إلى ذوبان اللهجة".

ويلفت الهاشمي إلى أن "كثيراً من المحافظات العراقية ما زالت تحتفظ بلهجتها المحلية بفضل وجود القبائل والعشائر، التي أسهمت في الحفاظ على الهوية اللغوية والاجتماعية لأبنائها عبر الأجيال".

وترتبط اللغات واللهجات ضمن سياق تاريخي واجتماعي وتتأثر بالتحولات المختلفة، ولذا فإن من الطبيعي أن يتقلص دور اللهجة البغدادية في الوقت الحاضر، لا بسبب الهجرة الداخلية وحسب.

ويرى المؤرخ حكيم فاروق أن "الحديث عن اختفاء اللهجة البغدادية يجب أن يُفهم ضمن السياق التاريخي والاجتماعي للمدينة"، موضحاً أن "بغداد منذ تأسيسها كانت مدينة تعددية لم تعرف الاستقرار التام في لهجتها".

ويؤكد في تصريح خاص لوكالة شفق نيوز: أن "ما يُعرف باللهجة البغدادية لم يكن نموذجاً واحداً ثابتاً، بل حصيلة تفاعل مستمر بين لهجات المناطق والأحياء المختلفة، وتأثرت عبر العصور بالهجرات والتغيرات السياسية والاقتصادية"، مشيراً إلى أن "التحولات السكانية الحديثة وتسارع الإيقاع الحضري وانتشار وسائل الإعلام والتعليم، أسهمت في تراجع الخصوصيات الدقيقة للهجات، لا في بغداد وحدها، بل في معظم المدن الكبرى".

ويوضح أن "اللهجات لا تختفي فجأة، بل تتحول وتُعاد صياغتها بما ينسجم مع واقع المجتمع الجديد، وأن ما يحدث للهجة البغدادية اليوم هو انتقال تاريخي طبيعي يعكس تحوّل بغداد نفسها من مدينة محلية الهوية إلى مدينة مفتوحة متعددة التأثيرات".

وتأثرت بغداد بالهجرة الداخلية وانسحب ذلك على لهجتها، وهذا أمر واضح، بيد أن الحفاظ على اللهجة البغدادية، وفق معنيين، لا يكون بعزلها عن محيطها، بل بتوثيقها ودراستها بوصفها جزءاً من الذاكرة الثقافية والتاريخية للعاصمة وشاهداً على مراحل تطورها الاجتماعي عبر القرون.

في هذا السياق، تشير حوراء جواد من أهالي الكاظمية إلى أن كثيراً من الكلمات البغدادية القديمة بدأت تختفي أو يقل استخدامها بشكل واضح، بعدما تم استبدالها بمفردات أحدث أو أكثر شيوعاً.

وتوضح أن من بين هذه الكلمات كلمة "أغاتي" التي كانت تُستخدم في النداء والاحترام، قبل أن تُستبدل اليوم بكلمات مثل "مولاي" أو "صديقي"، كما كانت كلمة "باجي" تُطلق على الخالة أو العمة، إلا أنها اختفت تقريباً وحل محلها استخدام التسمية المباشرة "خالة" أو "عمة".

وتضيف أن كلمة "سكملي" كانت تعني الكرسي، لكنها اندثرت لتحل مكانها كلمة "كرسي" المتداولة حالياً، وكذلك كلمة "مندر" التي كانت تُستخدم للدلالة على "الكوشة" أو "المخدة" وأصبحت اليوم تُستبدل بكلمة "فراش"، أما كلمة "قدغة"، التي كانت تعبر عن الأمر الصعب، فقد تحولت إلى مفردات مثل "مشكلة" أو "مصيبة".

وتلفت جواد إلى أن بعض الكلمات لا تزال موجودة لكنها تختلف في نطقها من منطقة إلى أخرى، موضحة أن أهالي الكاظمية والعطيفية يقولون: باردتلي، حارتلي، ديالي، وتستذكر لهجة والدها قائلة: كان والدي يقول "يعمن"، وكنت أحبها بلهجته القديمة.

كما تشير إلى استخدام مفردات مثل "وجاجة" بدلاً من "دجاجة"، و"ملتنا" بدلاً من "مالتنا"، و"سكاربيل"، وإذا كان الشخص متعباً يقولون عنه "غادي بخته".

وتتابع جواد أن انتقال اللهجة بين الأجيال أصبح أكثر صعوبة، موضحة: "بعد أن تزوجنا، أصبح أولادنا يسمعون لهجة أهل الزوج أكثر، وما قدرت أنقل لهم لهجتي البغدادية القديمة".

وتؤكد أن نسبة كبيرة من هذه المفردات تعود إلى أصول عثمانية أو تركية، نتيجة فترات الاحتلال الطويلة التي مرت بها بغداد، مشيرة إلى أن بعض الكلمات انتفت الحاجة لاستخدامها مع تغير نمط الحياة، مثل "كمبص" التي تعني القعدة القرفصاء، و"سختجي"، و"ويواش"، و"رازونه"، والتي باتت اليوم شبه غائبة عن التداول اليومي.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1056 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع