ردود سياسية عراقية باهتة على تجاوز تركي جديد على سيادة العراق

          

تَوقُّع وزير الداخلية التركي أن يتحوّل العراق إلى ساحة مفتوحة أمام تدخلات بلاده، واعتباره بسط السلام هناك وفي ساحات إقليمية أخرى من ليبيا إلى أفغانستان مرورا بسوريا ضمن مسؤوليات تركيا، لا يعبّران عن موقف شخصي لمسؤول متحمّس ومشحون قوميا كما هي حال الطبقة الحاكمة في تركيا حاليا، بقدر ما هما انعكاس لتوجّه سياسي ثابت لدى نظام حزب العدالة والتنمية جارٍ تنفيذه على أرض الواقع.

العرب/بغداد - أثارت تصريحات رسمية تركية تضمّنت تهديدا لسيادة العراق على أراضيه موجة استياء لدى عدد كبير من السياسيين العراقيين، لكنّها كشفت مجدّدا محدودية الخيارات العراقية في الردّ على التجاوزات التركية التي لم تقتصر فقط على المواقف والتصريحات وباتت تشمل تدخّلا عسكريا آخذا في التوسّع بعيدا عن ضوابط الاتفاق الذي يجمع بين الطرفين التركي والعراقي وينص على تدخل عسكري محدود لكل طرف في أراضي الطرف الآخر لدواعي حفظ الأمن.

واعتبر وزير الداخلية التركي سليمان صويلو أنّ مسؤولية السلام في العراق وعدد آخر من بلدان المنطقة من مشمولات بلاده. وقال في كلمة له في مهرجان بمدينة شرناق الواقعة بجنوب شرق تركيا على الحدود مع العراق “الأيام التي نذهب فيها إلى العراق وسوريا سيرا على الأقدام من هنا ليست بعيدة، فهي قريبة بإذن الله”.

وأضاف “سنكون جميعا أبناء أقوى وأغنى بلد”، مضيفا “السلام في سوريا والعراق وليبيا وأفغانستان والجغرافيا الإسلامية والإنسانية والشرق الأوسط هو أيضا مسؤوليتنا”.

ورأت أوساط عراقية أنّ تصريحات صويلو تتجاوز كونها مجرّد موقف شخصي متحمّس، لتعكس نهجا أصبح ثابتا في السياسة الإقليمية لتركيا يقوم على التدخّل في بلدان الجوار بدافع الطمع في أراضيها استنادا إلى ما تراه أنقرة حقّا تاريخيا موروثا عن عهد الدولة العثمانية.
ويستند أصحاب هذا الرأي إلى مقارنة ما ورد على لسان وزير الداخلية بتصريحات أخرى لأكثر من مسؤول وزعيم تركي بمن في ذلك الرئيس رجب طيب أردوغان الذي سبق له أن هدّد بشكل صريح باجتياح الأراضي العراقية وصولا إلى قضاء سنجار غربي مدينة الموصل بذريعة ملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني الموجودين هناك، قائلا “بخصوص إخراج الإرهابيين من سنجار: لديّ وعد دائم.. يمكننا أن نأتي فجأة ذات ليلة”.

ويشترك في التهديد بغزو العراق أكثر من طرف سياسي تركي من داخل السلطة وخارجها، وهو ما عبّر عنه تهديد سابق صدر عن زعيم حزب الحركة القومية التركي دولت بهجلي باستخدام القوة لدعم المكوّن التركماني العراقي قائلا “إن أكثر من خمسة آلاف من منتسبي الحزب مستعدون للانضمام إلى كفاح التركمان في كركوك والمدن التركمانية الأخرى في العراق”، ومضيفا “هؤلاء التركمان ليسوا لوحدهم ولن نتركهم يتعرضون لمجازر عرقية، ولن نتركهم أبدا دون وطن”.

والتلويح بالتدخّل لدعم التركمان هو أيضا أحد التوجهات الثابتة في السياسة الرسمية لتركيا تجاه العراق، خصوصا وأنّه توجّه يستجيب لمطامح تركية قديمة في محافظة كركوك ذات الثروة النفطية الضخمة والتي يسعى أكراد العراق لضمّها لإقليمهم ما يمثّل خطا أحمر لتركيا.

وقال سفير تركيا في العراق علي رضا غوناي مؤخّرا خلال زيارة له إلى كركوك إن هذه المدينة تركمانية، مؤكّدا اهتمام بلاده بها وعزمها على مواصلة دعم التركمان المقيمين فيها واصفا هؤلاء بـ”الأتراك العراقيين” وبـ”أبناء جلدتنا”.

وتجسيدا لسياسة التدخل التركية في أراضي الجيران غيّرت أنقرة خلال السنوات الأخيرة من أسلوبها في معالجة مسألة تواجد عناصر حزب العمال الكردستاني داخل الأراضي العراقية، وأصبحت تميل إلى توسيع عملياتها في العمق العراقي دون التنسيق مع بغداد جنبا إلى جنب التأسيس لوجود عسكري مستدام هناك من خلال تركيز قواعد عسكرية، وذلك بعد أن ظلّت طيلة عقود من عمر صراعها الدامي مع مسلحي الحزب تكتفي بالقيام بعمليات عسكرية خاطفة وحملات محدودة لملاحقة هؤلاء المسلّحين في إطار اتفاق قديم مع العراق يعود إلى ما قبل سنة 2003 ويحدّد لكل من طرفيه التوغّل لمسافة عشرين كيلومترا داخل أراضي الطرف الآخر لملاحقة المسلّحين المعادين له.

ويرى مراقبون في التحرّش التركي المتصاعد بالأراضي العراقية امتدادا لسياسة التدخّل خارج الحدود التي أصبحت تركيا تنفّذها بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة والتي تدخّلت بموجبها في ليبيا وسوريا وفي إقليم ناغورني قرة باغ الذي كان مدار نزاع بين أرمينيا وأذربيجان.

ويحقق التدخّل العسكري في العراق لتركيا هدفين مباشرين أوّلهما خوض الحرب ضدّ الأكراد على أرض الجيران كما هو جار بالفعل على الأرض السورية، وثانيهما تثبيت موطئ قدم في البلاد إلى جانب إيران التي ثبّتت نفوذها في العراق عبر وكلائها من السياسيين ومن قادة الميليشيات، وأيضا إلى جانب الولايات المتّحدة التي تسجّل حضورا عسكريا محدودا على أرض العراق من خلال بضعة آلاف من الأفراد ومن خلال قيادتها تحالفا دوليا ضدّ تنظيم داعش، كما أنّ لواشنطن تأثيرا في السياسة العراقية من خلال علاقتها الوثيقة بحكومة بغداد.

وكثيرا ما أظهرت تركيا اهتماما بالمنافسة على دور أكبر في العراق نظرا لما له من موقع استراتيجي وما تحويه أراضيه من ثروات وما يمكن أن تمثّل إعادة إعماره من فرص استثمارية واعدة.

ومع تصاعد التحرّش اللفظي والميداني بأراضي العراق، بدا أن الحكومات العراقية بما في ذلك الحكومة الحالية برئاسة مصطفى الكاظمي لا تمتلك خيارات في مواجهة التوجّه التركي الخطير، حيث احتجّت بغداد عدّة مرّات لدى أنقرة على انتهاك تركيا لسيادة البلد دون أن تلقى تلك الاحتجاجات أي أصداء لدى الجانب التركي.

وتجدّدت الاحتجاجات اللفظية بعد التصريحات الأخيرة لوزير الداخلية التركي على لسان عدد من السياسيين العراقيين. وقال زعيم تحالف قوى الدولة الوطنية عمار الحكيم إنّ مسعى فرض الأمر الواقع على العراق مصيره الفشل، معتبرا في تغريدة على تويتر أنّ “تحقيق السلام في المنطقة والعالم يأتي عبر تعامل الدول في ما بينها وفق المواثيق الدولية والتعاون المبني على أسس العلاقات المتبادلة والمصالح المشتركة، فيما تملك دول المنطقة وعلى رأسها العراق سيادة كاملة”. وأضاف “نهيب بدول الجوار الإقليمي أن تتعامل مع العراق كبلد مستقل ذي سيادة كاملة، ولا يُسمح بأي حال من الأحوال المساس بسيادته أو التعدي على أراضيه”.

أما عضو لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان العراقي ورئيس لجنة الصداقة العراقية – التركية ظافر العاني، فقد وصف تصريحات الوزير التركي بأنّها تمثّل تعديا على سيادة العراق.

وقال العاني في بيان إنّ ما قاله الوزير صويلو “ينطوي على سياسة توسعية لا تخدم السلم في المنطقة”، مضيفا “كنا ننتظر من تركيا الجارة موقفا يعزز استقرار العراق لا أن يزيده اضطرابا”.

   

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

442 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع