الكرخ ... والحنين الى الذاكرة / ح3 ..أحداث ومواقف

   

الكرخ ... والحنين الى الذاكرة/ح3 ..أحداث ومواقف

     

               

  


                                 

في عام 1956 حدث العدوان الثلاثي على الشقيقه مصر من قبل انكلترا وفرنسا واسرائيل بعد ايام من قرار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بتأميم شركة قناة السويس وعلى اثر ذلك خرجت التظاهرات الوطنيه والاعتصامات في معظم الاقطار العربيه لنصرة الشعب المصري منددة بالعدوان الغاشم الذي تعرضت له مصر..

وكان لبغدادنا بالطبع الحشد الاكبر من هذه التظاهرات وخاصة مناطق الكرخ والاعظميه ...

    

خطب عبد الناصر كانت تلهب حماس الشباب العربي وفي مقدمتهم طلبة الثانويات والجامعات ولثانوية الكرخ كانت  حصة الاسد لتواجد مجموعة من الطلبه ذوي الميول البعثية والقوميه فنظم اعتصاما داخل الثانويه مقدمة  لتظاهرة اعقبته متحدية السلطات الامنية والقمعية فحدثت المواجهة التي اشار لها الاخ والزميل العزيز د .أكرم المشهداني في مقالته الموسومة عن مدارس التربية الاسلامية المجاوره لثانوية الكرخ وكيف قفز الطلبه من السياج الذي يفصل مدرستنا عنها ومن ارتفاع يبلغ اكثر من اربعة امتار هربا من بطش السلطة وقنابلها المسيلة للدموع وكيف ارتعبنا من هذه المشاهد الغير مألوفة لنا وقوات الشرطة تطارد الطلبه باسلحتها ودروعها وفي هذه الاحداث السريع الوقع كان هناك من يقدم لنا قطع من القماش مبللة بالنفط لكي نشمها وتوقف سيل الدموع التي انهالت من عيوننا ولانعرف سببها كانت هذه التظاهره حديث الكرخيين لأشهر ..

 

         طلبة ثانوية الكرخ .. صدام حسين الثالث من اليمين

ماحدث بعدها من طرفة لاتنسى ان اخي هاشم كان منتميا لحزب البعث مع مجموعة من رفاقه في ثانوية الكرخ اتذكر منهم  الرئيس السابق صدام حسين ووزير الدفاع الاسبق عدنان خيرالله وحاتم العزاوي وطه ياسين العلي وقحطان العزاوي وحسن العلوي ومحمد محجوب وغيرهم ممن شاركوا في التظاهرة المذكورة ...

بعد ان هدأت الامور قررت ادارة الثانوية على خلفية الحدث فصل عدد من الطلبه الذين شاركوا فيها والمفاجأة ان اسم اخي الثاني محمد الذي لم يشارك فيها كان في مقدمتهم بينما الحقيقة ان اخي هاشم هو المشارك فيها وهكذا بين ذهول وصدمة اخي محمد بالقرار الظالم ونجاح اخي هاشم ليلتحق بمحمد وبنفس الفصل الدراسي للعام القادم و لأن محمدا لايستطيع ان يشي بأخيه فآثر الصمت عن مضض وسط ضحكاتنا لهذه المفارقة التي لاتنسى..

 

  ليلة القبض على الجني
كان محمود صاحب سوابق وتهم بشتى انواع الجرائم من قتل وسلب وسرقه ولص محترف ، اجهزة الشرطة والامن في بداية الخمسينيات سبب لهم صداعا مزمنا وحيرة في كيفية الافلات من قبضتهم فأطلقوا عليه لقب (الجني ) ، صدرت الاوامر بأعتقاله مهما كلف الثمن وكانت وزارة الداخلية تؤنب اجهزتها لتقاعسهم في القبض عليه ، هذا الجني كان يسكن في احد بيوت دربونة العنازية التي تتفرع من محلة الشيخ علي المجاورة لمحلة سوق حمادة والمشاهدة وقد برع في الافلات من الشرطة عدة مرات من هذه الدرابين التي يعرفهاجيدا ، وضعت الخطة التي لايخر الماء منها  ومن عادة الجني محمود انه يتسلل الى داره ليلا تحت جنح الظلام ويغادره قبل آذان الفجر واكتملت التحريات المطلوبة وبدأ تنفيذ الخطة بأقتراب منفذي العملية من دار الجني بعد ان تأكدوا من دخوله الدار وأحاطوا بالدار سرا وباقي المنفذين توزعوا على مداخل ومخارج الدرابين المذكورة وقبل آذان الفجر بنصف ساعة تمت مداهمة دار الجني وألثي القبض عليه مخمورا وأقتيد بعد الاذان مكبل اليدين مطأطأ الرأس بين ذهول سكان المحلة ودهشتهم لسرعة نجاح الخطة وتخلصهم من الجني وسيق لينال جزائه العادل وتطوى صفحة الجن ....

  
خميس المرعب
في منتصف الاربعينيات كان هناك في دربونة بيت الفضلي التي نسكن فيها رجلا في خمسينات العمر وجهه الذي لايعرف كيف يضحك عبوسا قمطريرا بوجه كالح السمار تقاسيم ملامحه تثير الرعب بين اوساطنا نحن اطفال المحلة ونسائها ، كان يرتدي الملابس العربية ويسكن وحيدا في داره ( فلم رعب ) يحتاج الى لمسات بسيطة من المخرج السينمائي الفريد هيتشكوك لاخراج فلما عنه لم يدخل داره ولو يخرج منها لاأنس ولاجان لديه تفويض عفوي بل معنوي من رجال المحلة لمحاسبة وتقريع وحتى سب وشتم أي أمرأة يشاهدها خميس متلبسة بجريمة الجلوس امام دارها مع اي مدام اخرى وهن يتبادلن الاحاديث البريئة عن الناس وفضائحهم كما هومعلوم ، هؤلاء النسوة يهرعن هربا بمجرد ان يسمعن بمجىء خميس الى المحلة أما اذا شاهد امراة او فتاة تخرج لوحدها مساءا فالويل لها كانت غيرة  و شرف خميس على نساء المنطقة لاحدود له ، ويكتشف الناس بعد ان هرم خميس وتوفي ان هذا الرجل المستور كان زير نساء وسكيرا وتزوره بنات الليل مساءا ويخرجن قبل آذان الفجر حتى في فجوره مستور ، غرابة شخصية خميس وتقاسيم وجهه الحادة بحاجة الى تحليل نفسي وان تجسد على الشاشة الصغيرة أين ( نجيب محفوظ ) ، كان من عادات وتقاليد المناطق الشعبية الاصيلة وللتركيبة الاجتماعية التي تتناغم فيها البداوة والحضارة لمعظم ساكنيها الاثر الكبير في معرفة الناس لبعضها وكان الرجل الغريب الذي يدخل هذه المناطق سرعان مايحاط بشبابها ويسأل على من يبحث واذا لم يستطيع اقناعهم فلابد ان ينال نصيبه من الضرب المبرح وهنا تذكرني حادثة حصلت لابن خالتي الذي جاء لزيارتنا من منطقة سكناهم في الفضل احد محلات الرصافة القديمة وكان شابا وسيما اشقرا يرتدي قمصلة جلد اسود سرعان ما قبض عليه واقتادوه الى دارنا وبعد ان تاكدوا انه صادق بكلامه اخلوا سبيله هكذا كانت محلاتنا وهكذا كانت غيرة شبابنا على نساء وفتيات محلاتهم ؟

    

كيف قتل القهوجي والده؟؟ 
كان ( ر ) لديه كهوة شعبية داخل سوق حمادة يرتادها رجال وشباب محلة سوق حمادة والمحلات المجاوره لها ، اما والده فكان يعمل قصابا في المحلة بينهما جفاء وعلاقات متوترة وخلافات عائلية كثيرة ، في احد الامسيات دخل والده المقهى المذكور مخمورا ولم يلقي التحيه لولده ثم جلس وارتشف قدحا من الشاي وهويزمجر من الغضب ولدى خروجه من المقهى اخذ يشتم ولده وهجم عليه بسكين كان يحملها معه وهي من ضمن عدة القصابين التي لايستخدمونها الا للرزق ، تفاجأ ( ر ) بحركة والده وتراجع للخلف وسحب مسدسه الشخصي من درج الطاولة التي يجلس عليها ليطلق رصاصة في قلب والده أردته قتيلا في الحال وسط ذهول رواد المقهى والسوق ، هذه الحادثة هزت المحلة لغرابتها والاغرب منها ان ( ر ) لم يسجن ولم يحاسب على فعلته واعتبرت دفاعا عن النفس وقيل حينها ان صاحب المقهى كان يعمل ( سري ) وكيل امن لدى السلطه واغلق المحضر الى الابد ؟

        


مصرع الشقي عزاوي وشقيقه
كان الشقي عزاوي معروفا لدى محلات الكرخ بنخوته وشهامته ومساعدة رجال وشباب الكرخ ودفاعه عنهم ويمتلك رصيدا كبيرا من المحبة وكان يملك مقهى شعبي في منطقة العطيفية قرب جامع براثا ، وبنفس الوقت يمتلك السطوة والقوة التي جعلت الاخرين يهابونه ولديه القدرة على جعل اصحاب محلات ومقاهي لعب القمار على دفع ( الوار ) وهو نسبة معينة من واردات القمار وفي الحقيقة هي نوع من انواع ( الاتاوة ) ومن ضمنها كانت مقهى كبير تابع للسكك الحديد يسمى مقهى 14 تموز مجاورة للمطار المدني ( المثنى ) لاحقا يديره رجلا فيليا من اصل ايراني يدعى ( باقر جان ) ويبدو ان باقرا هذا قد ضاق ذرعا بعزاوي واتاواته اليومية فقرر التخلص من الموضوع بطريقته الخاصة ، في احد الليالي وكالمعتاد وصل عزاوي بصحبة شقيقه ( سعودي ) لقبض المعلوم من باقر جان فما كان من باقر الا ان يسحب مسدسين من درج مكتبه أعدهما سلفا لينفذ بهما عملية التخلص من عزاوي وسطوته فأرداهما قتيلين في الحال من المسدسين وبوقت واحد علما انه كبيرا في السن وقام بتسليم نفسه الى الشرطه ليموت بعدها في السجن ، حاول اخوة عزاوي الثأر لمقتل شقيقيهما ولم يفلحا بذلك وطويت صفحة عزاوي الى الابد ، كان ذلك في عام 1967 وقد كانت العملية هذه حديث اهل الكرخ لفترة طويلة من الزمن ...

            


استشهاد الشيخ عبد العزيز البدري
في عام 1969 اهتزت محلات الكرخ وبغداد ومحافظات العراق وفي زمن مدير الامن العامة حينها ( ناظم كزار ) عندما عثر على جثة المغدور الشيخ عبد العزيز البدري السامرائي مرمية على قارعة الطريق الذي يخترق الكرخ ( شارع موسى الكاظم ) قرب محلة سوق الجديد التي كان يسكنها البدري وعائلته في احد الصباحات لتنهي حياة رجلا مجاهدا شجاعا لايخاف في الحق لومة لائم ذو السيف الخطابي الذي لايشق له غبار ولم يتسنى للناس معرفة الجريمةالتي ارتكبها البدري ذلك الشيخ الجليل التقي الورع ليعاقب عليها ذلك العقاب الهمجي ، وقد سبق ان نصحه محبيه بالابتعاد عن انتقاد سياسة الدولة ولكنه آثر الاستمرار على نهجه ، البدري عرفته معلما لنا في مدارس التربية الاسلامية بمادة الفقه الاسلامي لسنتين متتاليتين ، اتذكر بدقة ملامح وجهه ومحياه ونور جبهته ولون بشرته الابيض المائل للاحمرار كنا نحب درسه ونتشوق لحديثه السلس ، حادثة استشهاده هزت المجتمع الكرخي والبغدادي والاسلامي على حد سواء وكان حديثا حزينا على قلوبنا ...

           


عملية تصفية الشقاوات
شقاوات بغداد كرخها ورصافتها كانت على الدوام حديث المحلات الشعبية وقد ازدهرت تجارة الاشقيائيه في زمن الرئيسين الاخوين عبدالسلام وعبدالرحمن عارف وخاصة في الكرخ فبرزت اسماء عزاوي وعلي مامه ومحمد مامو ، حمودي الاقجم ، خالد دونكي ، خالد ديه ، سلمان الاسود ، محسن سهيل وفي الرصافه خليل ابو الهب ، قيس الجندي ، جبار كردي وستار كردي ، محي مرهون وغيرهم ، عندما استلم ناظم كزار مديريةالامن العام وهو احد الاشقياء وعنصر فاعل في الجهاز الصدامي لحزب البعث ويعرف اسرار وخفايا ومهنية الشقاوات انيطت اليه بطبيعة الحال تصفية شقاوات بغداد لبسط نفوذ السلطة على المجتمع البغدادي ، كان شقاوات بغداد لايهابون السلطة بل العكس هو الصحيح واتذكر على سبيل المثال ان ( محسن سهيل ) كان في زمن عبد السلام عارف لايرد له طلب وهو دائما ماتكلفه السلطة بواجبات ينفذها بكل سهولة وكانت يهابه كبار موظفي الدولة ويمتلك جيشا من الرجال الذين ينفذون تعليماته بدون سؤال ..

              

في زمن عبد الكريم قاسم استفادت الاحزاب السياسية من الشقاوات فانقسموا الى ولاءات حزبيه وهم لايفقهون العمل الحزبي وعقيدته وقد نفذوا تصفيات جسدية لخصومهم بدون حتى ان يعرفونهم ، كان معظم الشقاوات يعتاشون على الاتاوات التي يفرضونها على الميسورين من الناس بحجج منها صحيح والاغلب منها غير صحيح والاجابة دائما ماتكون لحماية الناس وممتلكاتهم او من اين نصرف على رجالنا ؟ وهكذا بدأت عملية تصفية الشقاوات وانيطت معظم عملياتها لقسم من الشقاوات وبتغطية ومساعدات فنيه ومعلوماتيه وماديه من الامن العامة ومن كزار شخصيا ، ابتدأت التصفيات وعلى مراحل في الكرخ تحديدا فقتل محسن سهيل وحمودي الاقجم وخالد دونكي وخالد ديه وسلمان الاسود بواسطة قيس الجندي وجبار كردي وكان خليل ابو الهب قد قتل في شارع ابي نؤاس على يد محي مرهون عندما كان طالبا في الكلية العسكرية وبطبيعة الحال سجلت عمليات القتل ضد مجهول ، الوحيد الذي نفذ من القتل هو (علي مامه ) وقيل حينها انه قد تعاون مع السلطة لينفذ من القتل ؟ بعد عمليات التصفية اصطيد ناظم كزار بعد فراره من محاولة اغتيال الرئيس البكر ونائبه صدام حسين التي شارك بها كزار وبعد القاء القبض عليه تم اعدامه ( وبشر القاتل بالقتل ) ، بعد ذلك تمت تصفية الشقاوات التي نفذت عمليات القتل التي لاحت الاخرين وذلك لانتفاء الحاجة لهم وهكذا طويت هذه الصفحة الى الابد لتبسط الدولة نفوذها وقوتها التي تستمد من القانون والدستور  بواسطة الاجهزة الامنية والشرطة المحلية ...
احمد زيدان

للراغبين الطلاع على الحلقة الثانية / النقر على الرابط أدناه:
http://www.algardenia.com/tarfiya/menouats/4870-2013-06-11-18-18-45.html

    

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

464 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع