في ذكرى انقلاب ١٧ تموز ١٩٦٨

في ذكرى انقلاب ١٧ تموز ١٩٦٨

مرحلة الاعداد للانقلاب

في مقابلة أجرتها صحيفة الأخبار القاهرية مع الرئيس عبد الرحمن عارف ونشرتها في 9/7/1968 قال عارف ان هناك مؤامرة ضد العراق لتغيير وجهه العربي . واتهم عارف جهات اجنبية بالوقوف وراءها .


وفي خطاب له في الذكرى العاشرة لثورة 14 تموز القى الفريق طاهر يحيى خطابا قال فيه ان الخطر نابع من البيت الابيض والشركات التي تريد السطو على خيرات الشعوب.

وفي كتابه يتحدث السيد احمد الحبوبي عن ناصر الحاني فيقول" الذي اذكره جيدا انني عندما جئت الى لبنان اواخر الشهر العاشر من سنة 1967 للاستجمام بعد وعكة صحية المت بي وكنت يومها وزيرا للعمل ..

ان زارني ناصر الحاني سفيرنا في لبنان في فندق كراند اوتيل الذي انزل فيه في – شتورا – واستجبت لالحاحه الشديد على قبول دعوته للغداء في – زحلة – وللحديث في امور هامة – حسب تعبيره – وكان ان بدا حديثه بعد ان استقر بنا الجلوس في احد المطاعم ان قال : لماذا تقاطعون امريكا..؟. وكان العراق وبعض الدول العربية قد جمدت علاقاتها او سحبت سفراءها من امريكا لموقفها المساند لاسرائيل في حرب 1967 ودور رئيسها- جونسون – المتواطىء كما هو معروف وقتئذ" (احمد الحبوبي ، اشخاص كما عرفتهم، ص 155)
فاندهشت ..وقاطعني قبل اتمام ردي بقوله ..مهما يقال بهذا الخصوص فالمصلحة تقتضي – الاصطفاف- مع امريكا واعادة العلاقة معها لمصلحة العراق ولا مصلحة في معاداة امريكا ويجب ان تغيروا سياستكم ..وانه ينتهز هذه الفرصة ويتكلم مع وزير مسؤول ويرجوني ان انقل حديثه الى طاهر يحيى رئيس الوزراء، لم اخف استغرابي من حديثه الصريح.. وعزوته الى عدم رضاه عن مكانه في بيروت سفيرا بعد ان كان سفير العراق في – واشنطن – فقلت ..الا تعلم انك تعارض سياسة حكومتك..فضحك واجاب .انني لم اختلف مع سياسة حكومتي بل اعارضها وارجوك يا استاذ ان تنقل حديثي هذا الى طاهر يحيى لتعديل الموقف من امريكا قبل- فوات الاوان واجبته وقد استفزتني عبارة – فوات الاوان – انني لا انقل رسائل منك او من غيرك .. لكني ساناقش هذا الموضوع الخطير مع طاهر يحيى عند عودتي دون شك..ان كيف يعارض سفير سياسة حكومته ويعمل ضدها ويستمر في منصبه ..فابتسم معتذرا ثم قال انه حر في ارائه ومعتقداته حتى لو كانت مخالفة لسياسة حكومته ، وعند عودتي نقلت الى طاهر يحيى ما جرى من حديث مع سفيرنا ناصر الحاني وكان تعليقه – هذا يخروت ) ولم يزد عن ذلك" "(احمد الحبوبي ،المصدر السابق ص 155- 156 ).


استقلت من الوزارة وتسارعت الاحداث وحصل انقلاب 17 تموز سنة 1968 وجاء ناصر الحاني وزيرا للخارجية في العهد الجديد ..وذات مساء وعندما كنت اقرأ الفاتحة في حسينية – عبد الرسول – في الكرادة على روح متوف لا اتذكر اسمه دخل ناصر الحاني وقد جاء ليقرأ الفاتحة ايضا وعندما راني اتجه نحوي وجلس بجانبي وبعد ان قرأ الفاتحة مال على اذني وقال – ها استاذ اشكلتلك- فاجبته – العاقبة بالخواتيم ..دكتور) ثم قرأت الفاتحة وغادرت المكان..

وفي 30 تموز ابعد ناصر الحاني من وزارة الخارجية ولم يمر وقت طويل حتى وجد قتيلا في – قناة الجيش – كما قتل حردان في الكويت سنة 1971 ومات في ظروف غامضة لطفي العبيدي في امريكا"(احمد الحبوبي،المصدر نفسه، ص 117 ).
وكانت كتلة او مجموعة النايف قد بدأت العمل لتغيير النظام قبل سنتين من حركة 17 تموز بوضع مخطط هدفه الوصول الى الحكم لتنفيذ مبادىء الحركة.

وعندما اصبح عبد الرحمن عارف رئيسا للجمهورية واصل هؤلاء الضباط تنفيذ مخططهم الذي لم يكن يتضمن القيام بانقلاب ضد عارف بل على العكس الاستمرار في دعمه والالتفاف حوله لحمايته من اية مؤامرة تحاك ضده لكن خطتهم هذه تبدلت في الفترة الاخيرة بعد اصطدامهم بالفريق طاهر يحيى رئيس الوزراء وتأكد لهم ان الفريق يحيى استطاع استمالة الرئيس عارف واقناعه باجراء تنقلات عسكرية هدفها تفتيت شمل الضباط الاعضاء في الحركة التي يتزعمها المقدم عبد الرزاق النايف معاون مدير الاستخبارات العسكرية . هذه الحركة التي اطلق عليها اسم –( حركة الثوريين العرب )– والتي كانت الدرع الواقي للرئيس عارف ولكن نقمتهم على الفريق يحيى وتمسك عارف به اديا الى قيام هذه الكتلة بالتخطيط لتغيير النظام
وفي تلك الفترة كانت القوة العسكرية منقسمة الى عدة اقسام اهمها القوة الاولى وهي الضاربة المتمثلة بالحرس الجمهورية في بغداد والثانية القوات العراقية الموجودة في الاردن والتي كانت اقرب الى طاهر يحيى ولها ميول ناصرية وهي بعيدة عن العراق .

فالقوة الاولى أي الحرس الجمهوري ورئيسه عبد الرحمن الداوود وهي دعامة النظام العارفي الا انها في الايام الاخيرة مالت الى عدم تأييد عارف وقد لعبت الاستخبارات العسكرية دورا كبيرا في تنفيذ الانقلاب.
وذكرت صحيفة النهار البيروتية في عددها في 18 تموز/يوليو 1968 بقلم عبد الكريم ابو النصر ورياض الريس وعلي هاشم تحليلا للانقلاب جاء فيه :
انه انقلاب غامض تكثر حول هويته التأويلات والترجيحات وتعجز وكالات الانباء عن الامساك بطرف واضح في حقيقته . فالملحق العسكري العراقي في بيروت العقيد الركن بشير الطالب نقل عصر امس في طائرة خاصة من بيروت الى بغداد رغم قرار اغلاق المطارات العراقية.
واضافت الصحيفة : ويقال ان العقيد الطالب تلقى برقية من العاصمة العراقية تقول له انه مرشح للوزارة في الحكومة الجديدة وتردد في بيروت ان للعقيد طالب ضلعا في الانقلاب مع وجوده خارج العراق .

والمعروف عنه انه كان قائدا للحرس الجمهوري في بغداد وانه احبط المحاولة الانقلابية التي قام بها عميد الجو عارف عبد الرزاق في 30 حزيران/:يونيو 1966 ضد الرئيس عبد الرحمن عارف .
وقالت الصحيفة " وقد اختلف بشير الطالب مع الرئيس عارف عندما اصدر عفوا عن عارف عبد الرزاق وجماعته وانتهز الخلاف بابعاده عن بغداد وتعيينه ملحقا عسكريا في بيروت

اما صحيفة الانوار البيروتية فقد قالت في عددها الصادر في 21/ 7/1968 " ان الحكام الفعليين في العهد الجديد وهم ضباط الحركة الثوريين العرب الذين يتزعمهم عبد الرزاق النايف رئيس الحكومة كان هؤلاء الضباط بمثابة الدرع العراقي للرئيس السابق عبد الرحمن عارف ولكن نقمتهم على طاهر يحيى رئيس الحكومة السابق وتمسك عارف به اديا الى وقوع الانقلاب

وبالفعل بدأ الفريق يحيى بتنفيذ هذه التنقلات بمعاونة رئيس الاركان السابق ابراهيم فيصل الانصاري فقد صدر قرار ابعاد العميد جاسم نصيف السامرائي آمر الكلية العسكرية وتعيينه ملحقا عسكريا في القاهرة ونقل مجموعة اخرى من الضباط الى الشمال الامر الذي اعتبره عبد الرزاق النايف تحديا موجها اليه ومقصودا به تصفية (الضباط الثوريين) في الجيش وحاول النايف والضباط المؤيدين له ايقاف هذه التنقلات ولكنهم فشلوا وهنا قرر النايف بعد مقابلة الرئيس عارف ان يعتكف في منزله لان الضباط الذين طلب عودتهم الى مواقعهم في بغداد لم يعودوا وصدرت عدة بيانات متلاحقة كانت نذير الخطر الامر الذي دفع الرئيس عارف ان يوفد اللواء ابراهيم فيصل الانصاري رئيس اركان الجيش ليجتمع بالمقدم النايف لتسوية ازمته وعودته الى منصبه كمعاون للاستخبارات العسكرية . واخذت الامور تتطور بسرعة في بغداد وساءت الاوضاع الداخلية بصورة خطرة كان أي مواطن عراقي يحس ان كل هذه المحاولات ما هي الا عمليات تخدير الى ان تتم تصفية مجموعة ( الضباط الثوريين) الذين قرروا ان يقوموا بانقلاب عسكري يقضي على عهد عارف وحكومة الفريق يحيى واوعز النايف الى حركة الثوريين العرب التي يتزعمها ان تصدر بيانا كان من اخطر البيانات التي وزعت على نطاق واسع في يوم 14 تموز/يوليو 1968 ".
ويتحدث الحبوبي عن بيان حركة الثوريين العرب هذا فيقول" ادركت بعض القوى السياسية خطورة الموقف وما يهيأ للعراق وادرك ذلك طاهر يحيى نفسه ولكن صوته لم يعد مسموعا من قبل عبد الرحمن عارف وراحت قوى كثيرة قريبة من عارف تضرب على وتر ابعاد طاهر يحيى من الوزارة بحجة انه بدأ يعمل مع ضباط الجيش من اجل انقلاب عسكري يطيح بعارف فضلا عن انه متهم بالفساد، فقد احدثت بيانات حركة الثوريين العرب اثرها واوصلت صوتها الى رئيس الجمهورية فاقتنع هذا بتغيير طاهر يحيى فاستدعى المرحوم محسن حسين الحبيب سفير العراق في موسكو وكلفه بمهمة تشكيل وزارة جديدة تخلف وزارة طاهر يحيى فقبل الحبيب المهمة وراح يستشير من اجل تاليف الوزارة ، ونقل لي المرحوم الدكتور فيصل الوائلي مدير الاثار العام ان المرحوم رجب عبد المجيد اقام مادبة غداء في نادي المنصور على شرف صديقه محسن حسين الحبيب وكان الوائلي وناجي طالب ضمن المدعوين لهذه المأدبة وامام الجميع وعلى مسمع منهم نصح رجب عبد المجيد صديقه الحبيب بان يعتذر عن تاليف الوزارة وعندما ساله الحبيب عن سبب هذا الاعتذار اجابه رجب انت صديقي ولا اريد ان تتعرض وزارتك الى انقلاب عسكري ..فالانقلاب العسكري قادم لامحالة وعلى الابواب والكل يعلم به ويؤلمني ان تكون انت الضحية لهذا الانقلاب لذا ارى ان تعتذر لرئيس الجمهورية عن هذه المهمة وتعود الى مركزك سفيرا في موسكو "(احمد الحبوبي،المصدر نفسه،ص 157).
ويضيف الحبوبي نقلا عن الوائلي" ان الجميع سمعوا هذا الكلام ولم يعلق عليه احد ويبدو ان الحبيب قد اقتنع به وعمل بنصيحة صديقه رجب حيث اعتذر لعبد الرحمن عارف عن تشكيل الوزارة"(احمد الحبوبي،المصدر نفسه،ص 157).
وسرعان ما تسربت حكاية اعتذار الحبيب عن تشكيل الوزارة الجديدة وجن جنون النايف وزمرته وراحوا يسابقون الزمن خوفا من عودة طاهر يحيى الى تشكيل الوزارة وهو خصمهم اللدود ولم يسكت طاهر يحيى هو الاخر فالامور تجري اما عينيه وقد رصد تحركات النايف وحاول ان يقطع عليه الطريق فذهب الى عبد الرحمن عارف وشرح له كل ابعاد المخطط الانقلابي والتحالفات والاجتماعات التي تمت بين الاطراف المتامرة وحذره مما قد يتعرض له البلد من ضرر فيما لو استمر النايف وزمرته يعيثون فسادا ويشيعون االفوضى وسمى له الاسماء النشيطة من عسكريين ومدنيين واقترح على عارف نقل النايف والداوود من مركزيهما الحساس اذا لم يرد اعتقالهما او احالتهما الى التقاعد كأن يتم تعيينهما في وزارة الخارجية وابعادهما الى خارج العراق لانهما يخططان لانقلاب عسكري "(احمد الحبوبي،المصدر نفسه،ص158).
وخرج طاهر يحيى من مقابلة عارف دون ان يحظى منه بجواب شاف او وعد مطئن ولما كانت حركات وتنقلات طاهر يحيى مرصودة فما ان خرج من لقائه مع عارف حتى دخل عليه كل من النايف والداوود واجهشا بالبكاء امامه وقد اخرج كل منهما المصحف الشريف من جيبه وراحا يحلفان عليه انهما لن يخوناه وانهما مخلصان له وان طاهر يحيى يريد ابعادهما عنه حتى يخلوا له الجو للقيام بانقلاب عسكري لمصلحته واستمرا في بكائهما ونحيبهما ، وامام هذا المنظر المؤثر وامام الدموع والحلف اطمأن عارف وطيب خاطرهما وانه لا ينوي المساس بهما وطلب منهما الاستمرار في عملهما فخرجا من عنده واسرعا الى احمد حسن االبكر وطلبا التعجيل في تنفيذ الانقلاب بعد ان شرحا له كل الموقف"(احمد الحبوبي،المصدر نفسه،ص 158)
وعقب صدور هذا البيان حدثت لقاءات سرية بين النايف وجماعته من الضباط وبينهم ابراهيم عبد الرحمن الداوود قائد الحرس الجمهوري مع القوى القومية الاخرى مثل عارف عبد الرزاق وصبحي عبد الحميد ورجب عبد المجيد وفؤاد الركابي ولكن هذه الاتصالات لم تكن لها نتائج ايجابية على طريق التعاون بين تلك القوى وعندما احتدمت الازمة الوزارية واصبحت البلاد على حافة الهاوية وكانت النتيجة الحتمية كما يقول احد المقربين من قائد الحركة هو انقاذ البلاد من ان تقع في قبضة الحزب الشيوعي ولم يكن هناك بد من الاتصال بحزب البعث – جناح احمد حسن البكر – قبل فترة قليلة من تنفيذ الحركة والتعاون معه في مواجهة العهد الجديد
وهنا قام المقدم عبد الرزاق النايف معاون مدير الاستخبارات العسكرية مع قائد الحرس الجمهوري العقيد ابراهيم عبد الرحمن الداوود بتنفيذ خطة الانقلاب بسرعة صبيحة يوم الاربعاء 17 تموز/يوليو 1968 بعد ان اتصل النايف تلفونيا بالبكر قبل التنفيذ وطلب منه الاستعداد للحضور وذلك للحوؤل دون اعلان حكومة الفريق يحيى الجديدة واتفقوا مع الضباط البعثيين الممثلين لجناح احمد حسن البكر على تحديد ساعة الصفر للانقلاب ..

من جهته السيد صلاح عمر العلي حدثني في لندن عام 2002 عن الايام والساعات بل اللحظات التي سبقت حركة 17 تموز 1968 باعتباره كان عضوا في القيادة القطرية لحزب البعث التي شاركت النايف في عملية التغيير قائلا" كانت المنطقة العربية قد شهدت منذ منتصف الستينات تحولات وتحركات عربية اذ قامت علاقات غير متوقعة بين نظام عبد الرحمن عارف وبين نظام الحكم في سوريا بقيادة صلاح جديد الذي يمثل الجناح اليساري في حزب البعث .

واصبح المواطن العراقي والمواطن السوري بامكانهما دخول البلدين بالهوية الشخصية على ضوء قرارات وزراء الاقتصاد العرب الذي عقد في بغداد عام 1967 ، كما شهدت الساحة العراقية انذاك تطورات سياسية جديدة نحو مزيد من الديمقراطية فقد فاز في انتخابات نقابة المحامين عبد الوهاب محمود اول سفير عراقي في العهد الجمهوري في موسكو وهو من العناصر اليسارية ضمن الحزب الوطني الديمقراطي . كما جرت عدة لقاءات بين قادة الاحزاب لبحث مستقبل العراق او المشاركة في اتخاذ القرارات كما كان يرغب الرئيس عارف شخصيا "
واضاف العلي" الا انه في الوقت نفسه وجدت القوى السياسية المدنية والعسكرية في نظام عبد الرحمن عارف غير المستند الى اي تنظيم حزبي فرصة لتجميع صفوفها بهدف التغيير لصالحها فالحزب الشيوعي اتجه نحو ذلك ومجموعة عزيز الحاج التي انشقت عن الحزب الشيوعي وشكلت قيادة ثورية اتخذت من اهوار العراق في الجنوب نقطة انطلاق او وثوب نحو السلطة عن طريق الكفاح المسلح والاغتيالات والعنف غير المبرر . وكانت محاولة عميد الجو عارف عبد الرزاق رئيس الوزراء الاسبق الانقلابية الفاشلة الثانية سببا لدفع مجموعة من الضباط العراقيين للتكتل وتشكيل حركة سياسية اطلق عليها (حركة الثوريين العرب ) يتزعمها المقدم عبد الرزاق النايف معاون مدير الاستخبارات العسكرية ومعه العميد عبد الرحمن الداوود قائد قوات الحرس الجمهوري وعدد اخر من العسكريين . كما ضمت الحركة عناصر مدنية شكلت مع العسكريين قيادة الحركة امثال نزار بكر وتحسين السوز وفاروق البياتي ومحمد سالم وسامي فرج علي وكان المبرر لتشكيل هذه الحركة محاولة الدفاع عن النظام القائم ضد اية حركة اخرى قد يقودها عارف عبد الرزاق او غيره وبالتالي فان مصير هؤلاء الضباط الذين تصدوا لكل المحاولات ستكون التصفية النهائية فيما لو نجحت احدى هذه المحاولات مستقبلا. فبشير الطالب قائد الحرس الجمهوري قبل الداوود كان قد واجه الرئيس عبد الرحمن عارف واطلعه على هذه المخاوف خاصة حينما علم ان الرئيس عبد الرحمن عارف ينوي اطلاق سراح عارف عبد الرزاق ومجموعة الضباط الذي شاركوه محاولته الانقلابية الثانية الفاشلة .واحتدم الخلاف بين الطالب والرئيس عارف الذي اصدر امرا بتعيين بشير الطالب ملحقا عسكريا في بيروت . ومن هناك اخذ الطالب يتحرك بالتعاون مع السفير العراقي في بيروت انذاك الدكتور ناصر الحاني لاجراء تغيير ليس في حكومة الفريق طاهر يحيى بل وفي نظام عبد الرحمن عارف عامة ".
ويستطرد السيد صلاح عمر العلي قائلا " اما تنظيم حزب البعث – جناح احمد حسن البكر – فهو الاخر اخذ يتحرك بسرعة ويجري اتصالات مع العديد من كبار الضباط اذ لم يكن لديه انذاك حزبيين عسكريين من كبار الرتب فمعظمهم من رتبة مقدم فما دون . كما اخذ الحزب يدرس طبيعة التركيبة العسكرية التي تسيطر على اهم النقاط الحساسة في بغداد خاصة .

وبعد هذه الدراسة الشاملة التي استغرقت اجتماعات عديدة عقدتها قيادة الحزب وتوصلت في الاخير الى النتيجة التالية :
ان مدير الاستخبرات العسكرية شفيق الدراجي الذي كان على صلة بمجموعة البكر الا انه في الوقت نفسه كان شخصية ضعيفة ومترددة فيما كان معاونه المقدم عبد الرزاق النايف اكثر ذكاءا وجرأة ونشاطا "
ويضيف العلي قائلا " وبعد نقاشات مطولة رفض جميع المجتمعين موضوع مفاتحة عبد الرزاق النايف للتعاون معه لقناعة القيادة بان له علاقات مشبوهة لم تحدد طبيعتها . الا انه حينما تطرق الحديث الى عبد الرحمن الداوود اشاد المجتمعون في قيادة الحزب بسلوكه العام وتوجهه الاسلامي العروبي الا ان هناك نقطة ظلت حائلا بينه وبينهم وهي انه ضعيف ومتأثر تأثيرا كبيرا بعبد الرزاق النايف حيث يعتبره الاب الروحي له ولا يستطيع ان يعصي له امرا .

ومن هنا اجرى البكر عدة لقاءات مع عدد من كبار العسكريين امثال سعيد صليبي امر موقع بغداد وصعب مشحن الحردان آمر الانضباط العسكري وكلفهما باقناع الداوود للالتقاء بالبكر ، وبالفعل حصل لقاء بين البكر والداوود وافق الاخير على العمل مع الحزب بعد ان اقسم مع البكر على المصحف ان لايبلغ اي شخص اخر بذلك حتى الى النايف نفسه "


ويقول العلي " كما اتصل الحزب بسعدون غيدان امر كتيبة دبابات الحرس الجمهوري ووافق فورا على العمل ووعد الحزب بفتح بوابة القصر الجمهوري اثناء وصول عناصر الحزب من مدنيين وعسكريين لدخوله بعد ان تم تحديد ساعة الصفر الثانية بعد منتصف ليلة 16/17 تموز كما تم الاتصال بعدد من الضباط في الحرس الجمهوري امثال الملازم صلاح القاضي الذي التقى به البكر وبعد موافقته للعمل معنا طلب القاضي من البكر خيرا بابن خالته رجب عبد المجيد حيث وعده البكر بانه سيكون رئيسا للوزراء في التغيير القادم "
وبعد عدة اجتماعات عقدتها قيادة الحزب يقول العلي لوضع اللمسات الاخيرة للحركة التي اتفق عليها فجر 17 تموز 1968 حيث كانت العناصر الحزبية في حالة انذار قصوى ووزعت عليهم الملابس العسكرية والرتب وكانوا بانتظار اوامر التحرك وهم متجمعون في بيوت خاصة منها منزل عبد الكريم الندا شقيق زوجة البكر الكائن في دور السكك في الشالجية وفي منزل اخر بالقرب من مستشفى الطفل العربي بالقرب من المجلس الوطني وجسر الجمهورية.
ويضيف العلي " وعند الساعة الثامنة مساء ذلك اليوم وبينما كانت القيادة مجتمعة في منزل أحمد حسن البكر اذ بالباب تطرق ويدخل الملازم احمد مولود مخلص الضابط في دائرة الاستخبرات العراقية . وكان مخلص على صلة بالحزب دون علم النايف واخبرنا ان النايف قد علم بالتحرك وهو على اطلاع بكل ما يجري ويريد مشاركته في العملية مع منحه منصبا مهما وهو رئاسة الحكومة والا فان العملية ستحبط ، وهنا اقتنعت القيادة ان الداوود هو الذي ابلغ النايف بذلك رغم القسم الذي اداه على المصحف امام البكر وهنا اصبحت القيادة امام خيارين اما ان ترفض مشاركة النايف او الموافقة على اشراكه في الحركة وتم الاتفاق على الخيار الثاني وهو مشاركة النايف في الحركة بعدها تحركت فصائل التنظيم وقيادته في المقدمة التي وصلت الى القصر ثم وصل سعدون غيدان وصرخ بالحرس لفتح الباب بعد ان اعطاهم كلمة السر ودخل الجميع القصر يتقدمهم البكر وكان هناك حوالي 600 جندي من الحرس الجمهوري امرهم صدام حسين ان يدخلوا القاعة بعدما اعتقدوا انه عسكري وما ان دخلوا القاعة حتى اغلقها عليهم من الخارج . ثم وصلت بعد ساعة سيارة مرسيدس بيضاء تقل النايف الذي رحب الجميع به بعد ان حياهم ثم اتصل البكر بالرئيس عبد الرحمن عارف هاتفيا وتحدث معه قائلا ان التغيير لم يكن ضده شخصيا بل لانقاذ البلد من الفتنة والازمات وقال له ان حمايتك مطلوبة وان القيادة قررت تسفيرك الى الخارج وبعد ان استسلم عارف اخذه حردان وانا – صلاح عمر العلي – بسيارة حردان الى بيته في زيونة ومن هناك الى مطار معسكر الرشيد حيث اقلته طائرة عسكرية الى الخارج.
المطلوب من قبل شركات النفط والمخابرات الامريكية كما يقول الصحفي الفرنسي( أريك لورو) وانقلابيين هو الفريق طاهر يحيى وليس الرئيس عبد الرحمن عارف الذي تم تسفيره الى لندن فيما الفريق يحيى كان اول من تم اعتقاله وجرى تعذيبه في قصر النهاية .
ومنذ آب/اغسطس 1967 اصدرت حكومة الفريق يحيى القانون رقم 97 الذي اعاد الى شركة النفط الوطنية العراقية جميع الاراضي المنتزعة من الاي بي سي التي كان التصرف فيها مجمدا حتى ذلك الوقت بانتظار تسوية بالمفاوضة بموجب هذا القانون الجديد ويصبح كل باطن الارض ملكا للشركة الوطنية المفوضة، ومن جهة اخرى لعقد اتفاقيات مع الشركات الاجنبية تشمل مشاركة او تلزيما لاستخراج وتسويق الذهب الاسود . وبدا ان القانون قد صنع على قياس الايراب الفرنسية فهو يشير الى اتفاقية شبيهة بتلك التي عقدتها هذه الشركة مع العربية السعودية وايران والجزائر وليبيا
وبعد فترة قصيرة من وصول المفاوضين الفرنسيين الى بغداد ارسلت واشنطن احتجاجا رسميا الى الحكومة الفرنسية محذرة من عقد اتفاقية بترولية مع السلطات العراقية. اما لندن وامستردام فقد اكتفتا بالتعبير عن اهتامامهما الشديد فقد افهمتا حكومة الفريق يحيى انها مستعدة لانزال مظليين عند اللزوم في المناطق المنتجة للبترول لتمنع اعطاء تنازلات لايراب الفرنسية وهددت الاي بي سي باللجوء الى الطريقة التي اثبتت فعاليتها في ايران عندما اقدم الدكتور مصدق على تأميم البترول . كما هددت الاي بي سي بفرض المصادرة الاحتياطية على كل حمولة تنقل من منابع الرميلة الشمالي والتي تعتبر ان لها عليها حق الاولوية..

وبعد شهر هبط ثلاثة وزراء عراقيين في باريس كانوا يحملون رسائل من الرئيس عارف والفريق يحيى تحمل ثناءا عراقيا على موقف الرئيس الفرنسي ديغول من حرب حزيران ويطلبون منه المساعدة الفنية في المجال البترولي
ورغم كل هذا وقعت حكومة الفريق يحيى من خلال شركة النفط الوطنية العراقية مع شرك ايراب الفرنسية في 23/11/ 1967 في جو من السرية التامة بروتوكول اتفاق استثمار اربع مناطق مساحتها الاجمالية 10800 كيلومتر مربع وعندئذ شنت المعارضة حملة عامة ضد حكومة الفريق يحيى حيث تعرضت حكومته لهجمات شديدة بالبلاغات والمنشورات الاحتجاجية التي كانت تنقل علنا او في الخفاء ولاسباب مختلفة حيث وقف اليسار واليمين على جانب واحد من المتراس صفا واحدا وفي خندق واحد ضد حكومة الفريق يحيى، كذلك وقف المحافظون صفا واحدا للتشهير بالاتفاق المبرم مع ايراب الذي لم ينشر نصه الا بعد شباط /فبراير 1968 وقاد الحملة الفنية ضد الاتفاق غانم العقيلي شقيق اللواء عبد العزيز العقيلي الذي قال ان الاتفاقية مع ايراب هي في كل الاحوال بمثابة استعمار جديد للعراق اسوأ من الاستعمار الكلاسيكي المتهمة به الاي بي سي، ويقول الصحفي الفرنسي(اليك رولو) اما الدعم السياسي الذي تقدمه فرنسا للعالم العربي في نزاعه مع اسرائيل لا يؤمن به العقيلي ولا بفعاليته ففي رأيه ان الامريكيين هم الذين يحلون ويربطون في الشرق الاوسط ومعهم يجب ان يتم التفاهم
الصحفي الفرنسي اريك رولو كتب في صحيفة الوموند الباريسية تحليلا للاوضاع قبل العملية الانقلابية في 17 تموز/يوليو 1968 جاء فيه " وبينما كانت تباشير العاصفة تلوح وتتكاثر وتتابعت الازمات الوزارية بسرعة اكثر فاكثر والمستوزرون اخذ عددهم يتضاءل اكثر فاكثر بعضهم كان يتهرب منتحلا شتى الاعذار والبعض الاخر يرفض بصراحة .والحقيقة ان مصير النظام كان مطروحا منذ 14 نيسان /ابريل 1968 يوم نشر 13 عسكريا متقاعدا بينهم رئيسا وزراء سابقان يمثلون جميع الاتجاهات الوطنية في الجيش نشروا بيانا اصروا فيه بشكل خاص على ضرورة تشكيل حكومة ائتلاف حالا وتسوية القضية الكردية ومن بين الموقعين اللواء احمد حسن البــكر الذي اصبــح رئيسا للجمهورية عقب حركة 17 تموز 1968 ".
فالرأي العام العراقي مثل الكثير من المراقبين الاجانب لم يسند تبديل النظام فقط الى الاسباب الداخلية فالقاسم المشترك الاعظم لجميع ما دار في صيف 1968 هو ان الجنرال عارف قد اطاحت به الاحتكارات البترولية الاي بي سي ووكالة المخابرات المركزية الامريكية بعد ان كان الجنرال عارف قد فقد كل رصيده عند الرأي العام العراقي المستاء من الازمة الاقتصادية والوضع الاجتماعي "(اريك رولو،صحيفة اللوموند الفرنسية في 9و10/10/1969)
وقد انتهزت جماعة من الضباط ذلك للاطاحة بالنظام ويقال ان دولا اجنبية قد راهنت ايضا على اسقاط الجنرال عارف وان واشنطن هي التي تغذي فكرة الحركة التي تأخذ شكل انقلاب صاعق وربما اسفرت سلسلة من الضغوط تمارسها الشركات البترولية والاوساط البرجوازية في العراق .(اريك رولو،المصدر السابق).
واستشهد رولو بما نشرته صحيفة الاوريان البيروتية التي تنبأت قبل 4 اشهر من انقلاب 17 تموز/يوليو 1968 وبشرت باضطرابات في العراق بل انها وصفت بالتفصيل الدقيق بـ( الثورة البيضاء ).

والواقع ان الحرس الجمهوري هو الذي كان رأس الحربة للمنشقين وقد اتفق الجنرال العقيلي والبكر وهما من اتجاهين سياسيين متنافرين على قلب نظام عارف . واخيرا كان للحركة الشكل الذي اشير اليه أي الانقلاب الخاطف (اريك رولو،المصدر نفسه).
كان الملحق العسكري العراقي في بيروت العقيد بشير الطالب احد المشتركين في حركة 17 تموز .اما الرئيس المباشر لهذا العقيد فهو المدير المساعد للمكتب الثاني العقيد عبد الرزاق النايف وهو احد الاثنين اللذين قاما بالانقلاب، وكان العقيد طالب يعد تقارير مستقاة من زملائه في السفارات الاجنبية وهذا امر طبيعي بالنسبة لوظيفته وكذلك من الاوساط المحافظة للاجئين العراقيين الذين كانوا بدورهم يغذون الصحف اللبنانية بمعلومات صحيحة او مغلوطة ماسة كلها بنظام عارف.( اريك رولو،المصدر نفسه)
وهكذا بدأت حملة صحفية حقيقية في لبنان بالمؤازرة مع الجهود المبذولة في العراق استهدفت حتى تشويه السياسة البترولية لحكومة بغداد، وكان الهدف الرئيس للحملة الاتفاق الذي ابرم في تشرين الثاني 1967 بين الشركة الفرنسية ايراب والشركة الوطنية العراقية . لقد وصفت نية الجنرال عارف في الحصول على طائرة ميراج واعطاء امتياز استثمار منابع الرميلة الشمالي الى الشركة الوطنية لبترول – اكتيان – وصفت بانها خيانة المصالح الوطنية (اريك رولو، المصدر نفسه)
وكان على نظام عارف امام هذا الهجوم المختلط ان يتراجع . وفي ربيع عام 1968 قطع المفاوضات التي كانت تسير متوازية مع الشركة الفرنسية للبترول والشركة الوطنية العراقية واعلن انه سوف يستثمر بنفسه وبلا وسيط منابع الرميلة الشمالي ومناجم الكبريت في المشراق ، لكن في 17 تموز استولى على السلطة ايضا المحافظون من المحيطين بالجنرال عارف بالتعاون مع العسكريين من الجناح المعتدل لحزب البعث كان اول تدبير اتخذه هو اعتقال جميع الرجال الذين اسهموا من قريب او بعيد في توقيع اتفاقية ايراب . ففي بغداد ترددت شائعات تقول ان الشخصيات المعتقلين سوف يحاكمون بتهمة الاختلاس اذ انهم تقاسموا مبلغ 30 مليون فرنك (6 ملايين دولار ) دفعته لهم الشركة الفرنسية (اريك رولو،المصدر نفسه)
وفجأة بدا كل شيء واضحا وضوحا شديدا بالنسبة للاوساط السياسية في العراق وكذلك بالنسبة لبعض الصحافة العالمية المسؤولون الجدد لن يكونوا سوى عملاء للانكلو – امريكان ولن يتأخروا عن الغاء اتفاقية الايراب واعادة العلاقة مع الاي بي سي ، وقد خيل لبعض المراقبين في الحال ان هناك اليد الانكلوسكسونية التي تعتبر العراق بشكل تقليدي منطقة نفوذ لها ولما اعوزهم الدليل الذي لا يدحض دعموا نظريتهم بالاشارة الى العلاقات بين بغداد وشركة نفط العراق الاي بي سي وهي المؤسسة البترولية القوية التي يشرف عليها الانكليز والامريكان قد تردت بشكل خطير والاستنتاج المنطقي هو ان لندن وواشنطن سعتا الى التخلص من حكومة هي في كل الاحوال محرومة من أي مرتكز شعبي تهدد مصالحهما الحيوية، فمنابع الرميلة الشمالية وحدها هي ما تزال غير مستثمرة تحتوي حسب اقوال الخبراء احتياطيا يقدر ما بين 700 – 1400 مليون طن أي ما يعادل انتاج العراق السنوي عشرة اضعاف او عشرين ضعفا ،وتحولت نقمة الانكلو سكسون الى عناد وعندما تضامنت الحكومة العراقية مع سوريا عام 1966 تحت ضغط الرأي العام ورغم ما لحق بها من خسارة عندما عمدت الى اغلاق حنفيات الانابيب التي تجتـاز اراضيها في اعقاب نزاع نشأ بينها وبين شركة نفط العراق الاي بي سي (اريك رولو،المصدر نفسه).

  

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

741 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع