الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - فاجعة أم بصرية (7)....

فاجعة أم بصرية (7)....

  

              فاجعة أم بصرية (7)....

            

        

     

تهيئ الحاجة رضية تنورها المتصدع لوجبة خبز صباحية توزعها على الزبائن الدائمين في شارع عشرين بمحلة الجمهورية مثل الصباحات الفائتة، ساعية الى العيش بكرامة العمل، تستمع من جارتها قصة الدبابة التي حطمت جدارية الرئيس، باسقاطات تضيفها عن السائق الشاب القوي، ذي الوجه الجميل، والنسب الأصيل، تَردُّ في نفس الوقت على الجارة المستمتعة بالكلام وبصياغة الاضافات:

- بارك الله فيه، عملٌ لم يستطع أحد القيام به، وكأن البلد خلا من الابطال.
تكمل الجارة ما بدأته من حديث:
- هناك أبطال في العراق كثيرون، لكننا لا نستطيع البوح باسمائهم لأننا خائفون، أنت تعرفين لماذا أصبح الجميع خائفين.
- أعرف جيدا لم نحن خائفين، الله يحفظهم لأهلهم، لم نعد نملك في دنيانا سوى الدعاء.
يستمر الحديث، بعيدا عن البطولة والدبابة، يتشعبان به الى مصاعب الحياة، يذهبان بعيدا الى الاولاد والزواج والانجاب، والقلق من عاديات الحياة.
كريم يصل عتبة الباب، عيونه متورمة، جامدة، كأنها تحجرت في بؤبؤها، فقد السيطرة على شفاهه الذابلة، وعلى جسده الذي يتكسره الألم.
يتقدم خطوة من الباب، يحاول طرقها، فيمهله صوت الخالة رضية، تتكلم عن نيتها في تزويج وليد بعد الانتهاء من الحرب مباشرة. يعاود الكرة، يريد فتحها دون أن تدمع عيونه أو يتعالى وجيف قلبه من الصدمة، فيفشل ثانية. يحس الوهن في القدرات بداخلهه، ويحس معها استلاب الارادة كلما حاول طرق الباب.
يجمع قواه، كل ما تبقى له منها أو ما أبقته له منها أحداث اليوم السابق، يطرقها ويهمس مع نفسه بصوت مخنوق:
أفتحي ياخالتي، فان قلبي يكاد أن ينفطر، أفتحي، فلم أعد أحتمل الانتظار
يتوقف الكلام، تسرع الحاجة رضية الى الباب، تفتحها وقلبها يكاد يوقف نبضه القلق الشديد ومنظر كريم المُغطى بتراب المعركة، وبقايا دمٍ وطين موزعة على بدلته الرثة. ترمقه بنظرة خاطفة تمتد من الرأس الحاسر بلا (بيرية) أعتاد وضعها عليه عندما كان يصطحب وليد في زياراته السابقة، لتصل الى القدمين الحافيتين، ومن ثم الى الوجه الملون بلون السمرة المنطفئة، والذقن المعفرة بالتراب، والعيون التي يميل بياضها الى الصفرة.
فتسأله قلقة:
- كريم، ماذا حصل لك؟.
تَصرفُ زبونتها، تغلق فوهة التنور، كأنها أدركت المصيبة مرسومة على وجه شاحب يقترب صاحبه من حافة الموت.
وقف أمامها مشدوها، عيناه الواسعتان، تبدوان منطفئتين، يسيل الدمع منهما دون سيطرة منه، حضنها بحرارة، بكى على كتفها بحشرجة سريعة متتالية، يوقفها مرة بعد أخرى، الصوت الخارج عنها، صوت حلق يشرب ماءً بعد طول يباس.
حدست بفطنتها المعهودة فراق ولدها الحبيب، فصرخت بوجهه:
- كريم....... هل مات وليد؟.
- خبرني، كيف تركته، وهو منك بمنزلة الاخ؟.
- خالتي، أتركيني أموت بين ذراعيك كما أراد وليد.
- كريم .... كيف تركته..... آه، كيف تركته؟.
- لم اتركه، لقد حملته جريحا ينزف دما نقيا لساعات، حاولت ايقاف سيارة عسكرية لاضعه فيها، كي أوصله الى المستشفى قبل أن يفارقني الى الابد، دفعني الجالس جنب سائقها،فسقطتُ والمرحوم مغشيا عليّ، وعندما أفقت من صدمتي وجدته قد فارق الحياة.    
- خالتي لم يحتضر، لم يتعذب أبداً، أنطفأ سريعا مثلما ينطفئ النهار، لقد دفنتهُ بيديَّ في صحراء الكويت بعد عجزي عن الاستمرار بحمل جثته الطاهرة ويأسي  من أن تقف سيارة عسكرية عائدة من المعركة تنتشلني وإياه.
صمتَ قليلا، وقلبه يحترق مثل قلبها أم لولد وحيد.  
حاوَلتْ أن تصرخ من فرط ألمها، فخرجت بدل الصرخة سيول من لعاب لزج، تنبئ عما في داخلها من غليان لا يحسه أحد غيرها.
صحتْ من نوبة الغليان، صرخت، صوتت بلغة الأم الثكلى، رفعت يديها الى السماء:
- لماذا كل هذا العذاب؟.
يسمع الجيران صرختها والانين، تجتمع النسوة حولها من كل الامكنة القريبة، وكانهن في انتظار الحدث، أو يترقبن حدوث مثله لكل عائلة تمتلك عسكريا في جبهة القتال.
لم تمزق ثيابها.
لم تلطم خدودها مثلما يجري في مصائب أهلها.
اتجهت مسرعة الى التنور، تناولت محراثه، مسكته بيدها اليمنى كمن يحمل سيفا في معارك القادسية الاولى، يسير جنبها كريم لا يريد معرفة قصدها ولا جهة المسير، خطواتها سريعة، مثل العسكر في رتل المسير.
تدندن بكلام مسموع:
- لعنة الله عليه هو السبب، لعنة الله على كل المسؤولين هم السبب، الله ينتقم منهم كانوا السبب، سأنتقم منهم، عسا أن يقتلوني مثل وليد.
تسير النسوة خلفها، مدفوعات بعضهن بالفضول لمعرفة الخطوة القادمة لهذه العجوز التي جمعت قوة لايمتلكها الشباب، وبعضهن محشورات في الموقف الهستيري حشر القطيع في حضائره المكتضة، وجهتها مركز الشرطة القريب من البيت.
يتعالى الصراخ بالتدريج، والجمع يزداد هو الاخر بالتدريج، حتى تجاوز الخمسين أمرأة، حملت بعضهن عصي وبعضهن الآخر سكاكين وفؤوس، وخلفهن عشرات الشباب، يهتفون بسقوط النظام.
يرتعب شرطي الحراسة الواقف أمام الباب في قراءته الغضب على وجوه القادمين ، شيبٌ وشباب.
يناديهم من قريب:
- الى أين أنتم متجهون؟. الا تعلمون أن الاقتراب من المركز ممنوع؟.
يهاجمه كريم قبل اضافة جملة أخرى لحديثه القصير، يأخذ بندقيته، يطلق منها عيارات نارية هي كل ما في مخزنها الملآن، يلوح بيده:
- ادخلوا.
يتشجع الجمع على الدخول، تعم المكان فوضى غير مسبوقة.
توجه الحاجة رضية بمحراثها الغليض أول ضربة على رأس ضابط قيل أنه آمر المركز، حضر مهرولا لمدارات الموقف، ومحاولة الخروج من المأزق، تكررها بوقع متسارع، فاصبح جسمه يهتز ارتعاشا مع كل ضربة تضربها الحاجة بقوة الغيض الذي سيطر على مشاعرها المتداعية.
تطاير الدم على وجهه المستدير، وبدلته الخاكية النظيفة.
رد بذهول المذبوح بلا ذنب:  
- خالتي أنا لست المسؤول، أذهبي الى بغداد، هناك يقيم المسؤولون.
تجيبه:
- لو يسمح لي القدر أن أصل بغداد، لما أخذَ أبني من بين يديّ برمشة عين.
تنهال عليه الضربات من كل مكان، ثقيلة متوالية، هدمت قوامه، وارخت ساقيه الطويلتين، فأخذ يتهاوى، منزلقا بجسمه الثقيل على الحائط الذي تناثرت عليه الدماء، وقبل ان يصل الارض، تلقى ضربة من شاب لم يبلغ السابعة عشرة، بسكين لقص السعف على رقبته العارية، قطعت شرايينها، أسقطته أرضا، يتلوى في بركة دماء يتصاعد منها البخار لفرط حرارتها.  
يصطف باقي أفراد الشرطة في الممر الواسع مذعورين يتوسلون، يؤكدون أنهم اصحاب أطفال، يهتف عريفهم المسلكي بسقوط الحزب.
يردد من بعده الآخرون ذات الهتاف، يسأله كريم:
- أين مفاتيح السجن.
- انها هناك معلقة في لوحة المفاتيح بغرفة ضابط الخفر.
يهرول اليها، يخرجها من مكانها، لا يكتفي بما قدمه.
يصيح:
- السجن من هنا.
يفتح بابه الحديدية، ينادي منها:
- اخرجوا انتهى النظام، ويلتفت صوب كريم قائلا:
- انا بخدمتكم، لا أريد الموت من أجل النظام.
يلهج المسجونون المحررون بالتحية لمن فك أسرهم، يتجه بعضهم نحو الخارج، يشق طريقا صوب المجهول، كمن ينتظر فرصة سنحت، لا مناص من اقتناصها وان كانت دهليزا للمجهول، لا ينتظر، لا يأمن موقف طارئ قد يتغير في الحال.
سالم إبن البصرة، المسجون بتهمة التهرب من الالتحاق بالجيش الشعبي، يقترب من كريم، يصافحه بقوة، يسأله:
- ماهي الخطوة القادمة؟؟.

  

سؤال جاء عفويا، مثل جندي يسأل آمره عن السبيل الى تنفيذ أوامره.
يرد عليه:
- التوجه الى المشجب لاخذ السلاح، وتوزيعه على الشباب.
يحمل كل واحد منهم رشاشا خفيفا على كتفه، يضع مسدسا في حزامه، يمسك بندقية كلاشنكوف في يده اليمنى، يفعل مثلهم آخرون من المساجين.
شباب من المتجمهرين المسلحين، يستولون على السيارة الخاصة بآمر المركز غنيمة كر ينطلقون بها نحو العشار دون هدف معلوم، سوى المناداة بموت الرئيس.   
يفرغ المشجب من سلاحه بثوان معدودات، وكذلك الاثاث وباقي موجودات استباحتها النسوة الغازيات، كل واحدة تأخذ ما تراه امامها، ومن كان ابنها أو ابنتها في القريب، يتشاركون في حمل دولاب أو كنبة، يخرجون بهتافات موحدة بموت الرئيس.
سيدتان تتشاجران على جهاز هاتف أرضي في الغرفة التي كان آمرها الضابط المقتول بطريقة الغدر الانفعالي، تتدخل ابنة السيدة نجية، المعروفة بوقاحتها، تدفع الاخرى جانبا، تأخذ الغنيمة بنشوة المنتصرين، لم يبق في المركز شيئ يذكر من الموجودات، كانت فرصة نهب كأن الجميع ينتظرها من زمان.
يتقدم رجل ملتحٍ لا يعرفه الشباب ملامحه ليست بصرية، يحمل قنينة نفط سكبها على اوراق تغطي أرضية الغرفة المخصصة لضابط الخفر، يولع بها من قداحة تبدو ثمينة، يخرج دون سؤال عن فعلته من أحد، ولم يقدم هو من جانبه تفسيرا لأحد.
تنتشر النار سريعا، يتصاعد الدخان من النوافذ المهشمة، ينذر بانتشار الحرائق في دوائر ومراكز أخرى حكومية.
يخرج الجمع الذي تضاعفت أعداده عشر مرات مدفوعين بقوة الغنيمة يدارون رغبتهم في الاقتناص بالمناداة عاليا ليسقط النظام.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

467 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع