خـرق الدسـتور: الجريمـة الصامتة فـي بغـداد

 روبيرت ملحم – كاتب وصحفي

 خـرق الدستور: الجريمة الصامتة فـي بغـداد

منذ إقرار دستور جمهورية العراق، دخل العراق مرحلة جديدة قيل إنها ستؤسس لدولة القانون والمؤسسات بعد عقود من الحكم الفردي في عهد صدام حسين. كان الدستور بمثابة عقد اجتماعي جديد، يفترض أن ينظم العلاقة بين السلطات، ويكفل الحقوق والحريات، ويضع أسس التداول السلمي للسلطة. لكن التجربة العملية خلال السنوات الماضية كشفت فجوة واسعة بين النص والتطبيق، حتى بات الحديث عن سمو الدستور أقرب إلى الشعار منه إلى الواقع.
في الأزمات السياسية المتكررة، جرى التعامل مع الدستور بمرونة مفرطة. المدد الزمنية المحددة لتشكيل الحكومات عطلت أكثر من مرة، والاستحقاقات الانتخابية خضعت لحسابات التوافقات الحزبية، فيما طغت التفاهمات السياسية على النصوص الملزمة. وبدلا من أن تكون الكتل السياسية خاضعة لإطار دستوري واضح، بدا في كثير من الأحيان أن النصوص هي التي تعاد صياغة قراءتها لتلائم موازين القوى.
جوهر المشكلة لا يكمن في وجود نصوص خلافية فحسب، بل في غياب الإرادة الجادة لتطبيقها بروحها ومقاصدها. فالدستور نص صراحة على مبدأ الفصل بين السلطات، وعلى استقلال القضاء، وعلى ضمان الحقوق الأساسية للمواطنين. لكن حين تتحول المؤسسات إلى ساحات صراع نفوذ، ويتداخل السياسي بالقضائي، يصبح الفصل بين السلطات نظريا أكثر منه عمليا.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه أي نظام دستوري هو تحويل الاستثناء إلى قاعدة حين يتم تجاوز نص دستوري بذريعة الضرورة السياسية، ثم يعاد تكرار ذلك في كل أزمة، فإن هيبة الدستور تتآكل تدريجيا ومع كل تجاوز، تتراجع ثقة المواطن بأن هناك مرجعية عليا تحكم الجميع بلا استثناء.
لا يعني هذا أن الدستور كامل أو غير قابل للنقد. فقد وضع في ظروف استثنائية عام 2005، وسط بيئة سياسية وأمنية مضطربة لكن معالجة ثغراته يجب أن تتم عبر الآليات التي نصّ عليها هو نفسه: التعديل الدستوري وفق إجراءات واضحة وإرادة شعبية صريحة، لا عبر الالتفاف عليه أو تجميده عمليا.
اليوم يقف العراق أمام مفترق طرق دستوري حقيقي فإما أن يعاد الاعتبار للنص بوصفه المرجعية العليا التي تسمو على المصالح الحزبية، أو يستمر التعامل معه كوثيقة تفاوض سياسي الخيار الأول يتطلب شجاعة سياسية، وإصلاحا مؤسسيا، وتعزيزاً فعليا لاستقلال القضاء، وتكريس مبدأ المساءلة دون انتقائية أما الخيار الثاني، فسيبقي الدولة في دائرة الأزمات الدورية، ويعمق فجوة الثقة بين المواطن والنظام السياسي.
الدستور ليس مجرد وثيقة تحفظ في الأدراج، بل هو ضمانة الاستقرار ووحدة الدولة وحين يخرق العقد بين الحاكم والمحكوم، لا يتضرر النص وحده، بل تتضرر فكرة الدولة نفسها ويبقى السؤال الأهم: هل تملك الطبقة السياسية الإرادة لإعادة الاعتبار للدستور كمرجعية عليا، أم أن السياسة ستظل أقوى من النص.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

787 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع