البسطرمة وحديث الذكريات: الجزء الثالث

الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط
أستاذ مُتمرِّس/ جامعة الموصل

 

البسطرمة وحديث الذكريات: الجزء الثالث

في سنة 1971 كانت كارثة الحنطة المسمومة من الكوارث التي أصابت العراقيين نتيجة لقيام بعض الفلاحين ومربي الأغنام بتناول حنطة وشعير مُستورد من قبل وزارة الزراعة من المكسيك والولايات المتحدة الامريكية ومعالج بالزئبق العضوي (Methyl Mercury) وذلك لحفظها من الإصابة الفطرية.

لقد كانت تلك الحنطة بنوعية ممتازة بكافة المواصفات، ونتيجة لحالة الجفاف وانقطاع المطر للسنتين السابقتين، فقد قام العديد من المواطنين باستعمال الحنطة المسمومة بالخبز، كما قام البعض الآخر بتقديم الشعير المسموم علف للماشية، كما باع البعض لآخر قسما منها في الأسواق واستهلكها الناس.

واستمرت الاصابات حتى وصلت ذروتها في شهر الأول كانون الثاني واستمر الحال حتى الشهر الخامس أيار لسنة 1972 وساد الذعر بين الناس وقاطعوا لحوم الأغنام والأبقار وتفننوا بإيجاد البدائل، وغابت البسطرمة قسريا عن موائد العراقيين.

لم تعلن الجهات المختصة عن الاعداد الحقيقية للوفيات، وقد أعلنت الجهات الرسمية أن عدد الإصابات بحالات التسمم بالحنطة المسمومة بلغ 5000 إصابة، كما بلغ عدد الوفيات 459 وفاة. ويُعتقد أن الأعداد الحقيقية أكثر من ذلك. وقد مُنع؛ وبشكل مُشدد؛ الحديث عن هذه القضية بين الناس ولم يتم تداولها في وسائل الإعلام.

المفارقة أنه قبيل كارثة الحنطة المسمومة بفترة قصيرة، اشترى أحد أصدقاء المرحوم والدي، واسمه عبد النافع، اشترى قطيع كبير من الأغنام بسعر مناسب ووضع الأغنام في خان في أطراف بغداد، وبعد حدوث كارثة الحنطة المسمومة تم حجز تلك الأغنام للمسؤولين في بغداد لأنها لم تُزود بشعير مستورد، وتم شرائها منه، وكانت صفقة رابحة لصاحب الأغنام الذي باعها بسعر مضاعف؛ وكما يقول المَثَل (مصائبُ قومٍ عند قومٍ فوائدُ).

بسطرمة العسكرية:
في العام 1975 أنهيتُ دراستي الجامعة الأولية، وتم سوقنا إلى معسكر (أبو غريب) في بغداد للخدمة العسكرية. ثم تمَّ فرز الخريجين إلى مجموعتين: مجموعة تم اختيارهم ليكونوا ضباطا وبقوا في معسكر أبو غريب، ومجموعة تضم الباقين ليُبقوا جنودا؛ وكنتُ منهم، ونقلونا إلى معسكر (المحاويل) في الحلة.

وفي معسكر المحاويل تعرفتُ بعدد من الإخوان من المحافظات الجنوبية الذين كانوا يجلبون تمور كلما يرجعون من الإجازة لنأكلها سوية.

جاء الشتاء وقررتُ أن آخذ بسطرمة من الموصل عند الإجازة لدعوة زملائي بالمعسكر عليها. وفعلا أخذتُ البسطرمة من البيت وأدخلتها إلى المعسكر ووضعتها في نافذة (شُبّاك) القاعة الذي يقع تماما خلف سريري، وعليه ستارة زرقاء اللون.

من المصادفات الغريبة أنني ومَن جاورني في السرير كنا نتحدث عن عالم الجن الغريب وبعض القصص الشعبية عنه. ثم جاء الليل وشعرتُ وأنا نائم بأشياء غريبة تتحرك فوق البطانية، فأخفيتُ رأسي بالبطانية. ثم زادت الحركة، فأخرجتُ رأسي ونظرتُ إلى الشُبّاك الذي أمامي، فإذا بالعديد من القطط (البزازين) تصول وتجول هناك.

نهضتُ بهدوء من السرير ومددتُ يدي إلى داخل الشُبّاك لأُبعد البزازين، فإذا بها تكخ عليَّ وتصيح بقوة مييييوووو!! نهض زملائي النائمين بقربي مرعوبين وهم يصيحون.. ها هذا شنو.. أش صار!! أما أنا فقد أخفيتُ رأسي بالبطانية وعملتُ نفسي نائم. وبعد هدوء الحالة أخذتُ البسطرمة ورميتها بعيدا للتكون من قسمة القطط، وكل شيء قسمة ونصيب.

بسطرمة انكلترا:
بعد خدمة عسكرية أساسية دامت ستة أشهر، تم انتدابي إلى جامعة الموصل وبقيتُ هناك حتى سنة 1980.

في سنة 1980 سافرتُ إلى إنكلترا لإكمال دراساتي العليا في جامعة ويلز/ أبرسوث. وبالنظر لعدم وجود لحم حلال مذبوح على الطريقة الإسلامية في تلك المدينة الصغيرة، فقد قمتُ بتحويل دراستي إلى جامعة مانشستر، حيث توجد جالية إسلامية كبيرة هناك.

سكنتُ في مانشستر في قسم داخلي يقع على شارع أوكسفورد بين رئاسة جامعة مانشستر ونادي مانشستر ستي. وفي الجهة المقابلة من الشارع، كان هناك محل لبيع المواد الغذائية يديره رجل كبير السن اسمه (عزير) ويوجد بجواره عدد من القصابين الباكستانيين يبيعون لحم حلال Halal meat.

لخصوصيات مانشستر، كان يزورني أصدقاء عراقيون من مدن أخرى. وأذكر في العام 1983، وأثناء سكني في القسم الداخلي في جامعة مانشستر، قررتُ أن أعمل بسطرمة بعد أن غابت عني عدة سنين، وفعلا قمتُ بعملها ووضعتها بكيس من الكتّان لعدم توفر الشرادين. ثم قمتُ بتعليق البسطرمة بشباك مطبخ القسم الداخلي في الطابق الأخير على الهواء الطلق، ولم يلتفت أحد إلى البسطرمة أول الأمر.

بعد عدة أيام بدأت رائحة البسطرمة تفوح، وفي اليوم التالي صعدتُ الى المطبخ فلم أجد البسطرمة في الشباك!! فتشتُ عن كيس البسطرمة فوجدتُه قد سقط من الشُباك إلى الأرض خارج البناية!!

نزلتُ إلى الأرض وجلبتُ كيس البسطرمة وأعدته إلى الشُباك. وبعد ساعات قليلة تكرر المشهد وسقط كيس البسطرمة.. ثم علمتُ بأن كيس البسطرمة لم يسقط بل تم رميه من قبل الطلبة الإنكليز لأنهم لم يألفوا رائحة البسطرمة المثيرة!!!

ذكرياتٌ عبرتْ أفقَ خيالي ... بارق يلمعُ في جنحِ الليالي
نبَّهتْ قلبِيَ من غفوتِهِ ... وجَلَتْ لي سِتْرَ أيامي الخَوالي
كيفَ أنساها وقلبي ... لمْ يزلْ يسكُنُ جنبي

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1326 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع