جغرافيا الأمزجة: العراق بين نار المزاج وتراب الطبع

إبراهيم فاضل الناصري

جغرافيا الأمزجة: العراق بين نار المزاج وتراب الطبع

إذا كانت الجغرافيا ترسم حدود الدول، فإن المزاج يرسم مصائرها، وإذا كانت الدساتير تُكتب بالحبر فإن التاريخ يُكتب بطبائع البشر الذين يسكنونها. لكن الجغرافيا هنا ليست خطوطاً على خريطة فقط؛ إنها سهول مفتوحة بين نهري دجلة والفرات، موقعٌ وسيطٌ بين إمبراطوريات، أرض بلا حواجز طبيعية تحميها، مما جعلها عبر التاريخ مسرحاً للغزوات والفتوحات. هذه الجغرافيا المتعرّضة شكلت وعياً جمعياً قلقاً، متأهباً للصراع. وليست الأمم كتلًا متجانسة من البشر، بل كيانات نفسية–تاريخية–جغرافية لها مزاجها العميق وإيقاعها الخاص في الفرح والغضب، في الطاعة والتمرد، في البناء والهدم.
وحين نعجز عن تفسير سلوك أمةٍ ما بمنطق السياسة البارد وحده نكون أمام طبقة أعمق: طبقة المزاج الجمعي، تلك التي تتكوّن عبر قرون من الصدمات والانكسارات والانتصارات والتكيّف مع الجغرافيا والسلطة والزمن، بل وأيضاً مع تدخلات القوى الخارجية التي وجدت في هذه الأرض جسْراً أو غنيمة. وفي هذا الأفق يمكن استعادة قانون الطبائع الأربعة – الناري والترابي والهوائي والمائي – لا بوصفه علماً دقيقاً بل بوصفه استعارة تفسيرية كبرى، أشبه بعدسة نفسية–حضارية تساعدنا على قراءة أنماط السلوك الجمعي لا على مستوى الفرد بل على مستوى الأمة.
فالناري هو مزاج الاندفاع والكرامة والغضب المقدّس، مزاج الثورة والاحتجاج والرفض، لكنه أيضاً مزاج الاحتراق السريع والقرارات الانفعالية والتضحية بالاستقرار في سبيل المعنى. والترابي هو مزاج الثقل والاستمرارية، مزاج الدولة والمؤسسة والبقاء الطويل، مزاج يفضّل النظام القاسي على الفوضى الجميلة ويخشى القفز في المجهول. والهوائي هو مزاج الخطابة والحلم والتقلّب، سريع الاشتعال بالشعارات سريع الملل من الواقع يثور بالكلمات أكثر مما يثور بالبُنى. أما المائي فهو مزاج النجاة، مزاج الالتفاف والتكيّف والمرونة، يفضّل البقاء على البطولة والاستمرار على المجد. وبهذه العدسة الرمزية يمكن أن نقرأ الشرق الأوسط لا بوصفه مسرح صراعات سياسية فقط بل بوصفه فسيفساء من الأمزجة المتصادمة.
لكن العراق، في قلب هذه الفسيفساء، يبدو كجرح مفتوح في جسد التاريخ. العراق ليس دولة فقط بل حالة وجودية، ليس شعباً فقط بل مزاجاً مأزوماً. العراق أمة نارية–هوائية بامتياز، ناريّ في لحظات الغضب الكبرى من ثورة العشرين إلى انتفاضات الجنوب إلى ساحات تشرين، ناريّ في رفضه الفطري للذل وفي حساسيته المفرطة للمهانة وفي اندفاعه العاطفي حين تُمسّ كرامته. وهوائيّ في لحظات البناء في التنظيم وفي الإدارة وفي الالتزام طويل الأمد وفي القدرة على الصبر على مشروع دولة بطيء وثقيل. العراقي لا يثور لأن لديه برنامجاً سياسياً بل لأنه لا يحتمل الإهانة، ولا يسقط لأن لديه رؤية دولة بل لأنه لا يحتمل استمرار القبح، وهنا تكمن المأساة.
العراق أمة أخلاقية أكثر مما هي سياسية، أمة معنى أكثر مما هي مؤسسة. في كل مرة يثور فيها العراقيون يثورون كأنهم يكتبون قصيدة لا كأنهم يؤسسون دولة، يطلبون العدالة كاملة أو لا شيء، يطالبون بالكرامة دفعة واحدة لا بالتراكم البطيء. وحين يسقط الطاغية أو ينهار النظام يكتشفون أنهم أسقطوا السقف لكنهم لم يبنوا الجدران. العراقي سريع الاشتعال سريع الانقسام سريع الخيبة، يملك طاقة رمزية وأخلاقية هائلة لكنه يفتقر إلى مزاج التراب: إلى الصبر، إلى القبول بالحلول القبيحة، إلى تحمّل الدولة بوصفها شراً ضرورياً. ولهذا يتكرر في تاريخه نمط واحد: ثورة بلا دولة، تغيير بلا استقرار، انتصار أخلاقي بلا مكسب سياسي دائم. لقد شهد العراق لحظات كان يمكن أن تنقلب فيها المعادلة، بعد 1958 أو بعد 2003، حين بدت الفرصة سانحة لتحويل العصبية إلى عمران، لكن تلك اللحظات إما أُجهضت بالانقلابات أو غرقت في فوضى التدخل الخارجي والصراع الهوائي على الهوية، مما يطرح سؤالاً: هل هذا المزاج هو سبب جذب العواصف، أم هو نتيجة تراكمية لقرون من الغزوات والاحتلالات التي لم تسمح له بأن يستقر على حال؟
ولو كان ابن خلدون بيننا اليوم لقال إن العراق أمة عصبيتها عالية لكن عمرانها السياسي هشّ. والعصبية عنده ليست مجرد ثورة، بل هي روح الجماعة وقوتها الدافعة التي يمكن أن تتحول إلى "دولة" و"عمران" – أي حضارة مستقرة مؤسسة على القانون والعادة والروتين. العراق، بلغة ابن خلدون، يعيش أبداً في طور البداوة السياسية ولو كان يسكن أقدم المدن، لأن روح العصبية الثورية لم تتحول بعد إلى روح المؤسسة الترابية.
سوريا، على الضفة الأخرى، ترابية–نارية، دولة ثقيلة ذاكرة أمنية طويلة مجتمع محافظ بنية سلطوية عميقة، وحين ثارت لم تثُر بخفة العراق بل بثقل الجبال، وحين انكسرت لم تتشقق بل انهارت كتلة واحدة، والثورة السورية لم تكن حدثاً بل زلزالاً وجودياً لأن المجتمع الترابي حين ينفجر ينفجر ببطء لكن بدمار شامل.
إيران ترابية–مائية، دولة نفس طويل ذاكرة إمبراطورية صبر استراتيجي، لا تحارب لتنتصر اليوم بل لتربح بعد ثلاثين سنة، تتمدّد ببطء تتسلّل تلتف تصبر تنتظر، ولهذا تنتصر إيران حيث يفشل غيرها ليس لأنها الأقوى بل لأنها الأبرد.
مصر ترابية خالصة، دولة أقدم من الثورة، مجتمع يفضّل الاستقرار على الحرية، يعود دائماً إلى الدولة مهما كرهها. السعودية ترابية–مائية، دولة بقاء تمتص الأزمات تشتري الوقت تراكم القوة بهدوء. الكويت مائية بامتياز، دولة صغيرة عالية الذكاء الوجودي تعرف أن نجاتها في التوازن لا في البطولة. تركيا نارية–ترابية، خطاب ثوري مؤسسات محافظة اندفاع إقليمي دولة عميقة. الأردن ترابي–مائي، دولة صدمات تعيش لتبقى لا لتنتصر.
وسط هذه الخريطة تبدو مأساة العراق أكثر وضوحاً. نحن نعيش في إقليم تحكمه دول ترابية–مائية، دول نفسُها طويل ودول عمرها صبور، بينما نحن أمة تحترق أسرع مما تتعلم. نحن نكره الفوضى لكننا نكره الدولة أكثر، نكره الظلم لكننا نكره النظام الذي يمنع الظلم، نريد الحرية كاملة ولا نحتمل الطريق إليها، ولهذا فإن أزمتنا ليست سياسية فقط بل مزاجية–تاريخية.
لكن في أعماق هذا المزاج المضطرب، تكمن أيضاً بذور ترابية لم تُستثمر بعد: ذاكرة حضارية عريقة لبُناة الدولة من العباسيين إلى المماليك، وخبرة بيروقراطية عميقة، ومجتمع مديني متجذر في بغداد والبصرة والموصل يعرف معنى التعايش والروتين. ربما يحتاج العراق إلى ما يشبه التحول الخلدوني الكامل، أن تتحول عصبيته النارية من ثورة ضد الدولة إلى قوة بناء لها، كما حدث في تجارب تاريخية أخرى اضطرت لتحويل نيران ثوراتها إلى قوانين ومؤسسات، عبر مسيرة طويلة من التجربة والخطأ.
سيأتي يوم — إن لم نتعلّم التراب — نحترق فيه مرة أخرى باسم الكرامة، ونثور فيه مرة أخرى باسم العدالة، ونسقط فيه مرة أخرى باسم الشعب، ثم نفيق كما في كل مرة على دولة أضعف ومجتمع أرهق وحلم أنحف. سيأتي يوم نكتشف فيه متأخرين أن النار التي لم نُطفئها بالعقل أطفأتنا نحن، وأن الهواء الذي حمل شعاراتنا ذرّ مؤسساتنا في الريح، وأننا كنا — كما قال ابن خلدون بطريقته — نملك عصبية الثائرين ولا نملك صبر البنّائين، نملك حرارة البداوة ولا نملك ثقل العمران. سيأتي يوم نفهم فيه أن الدولة ليست نشيداً ولا ساحة ولا دماً يُراق، بل طابوراً طويلاً وملفات مملة وقوانين باردة وتسويات مُهينة وصبراً بلا مجد، وحينها فقط، إما أن نتعلّم التراب… أو نعود — إلى الأبد — أمةً ناريةً جميلة، تُجيد الاحتراق، ولا تُجيد البقاء.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1268 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع