(سراب القومية)

 بقلم : جابر رسول الجابري

(سراب القومية)

المقدمة :

القومية هي هوية ثقافية لمجموعة من الناس تربطهم مشتركات ،

أما مفهوم القومية الحالي فهو إنتماء أيديولوجي سياسي اجتماعي يقوم على تعزيز مصالح فئة بشرية تهدف إلى مسك سلطة الحكم ،

لقد ظهر مفهوم القومية أول مرة كفكرة انتماء ثقافي أواخر القرن الثامن عشر الميلادي وتحديداً زمن الثورة الفرنسية لكنها ما لبثت ان تطورت من إنتماء ثقافي لتصبح حركة آيديولوجية سياسية في اوربا منتصف القرن التاسع عشر نتيجة ظهور صراعات سياسية دولية و فكرية أنذاك مثل

*صراع الخلافة العثمانية الدينية مع الأنظمة الأوربية

*الصراع الأيديولوجي بين الرأسمالية والشيوعية *صراع الأنظمة الملكية والأنظمة الجمهورية ،

برزت فكرة القومية كسلاح آيديولوجي سياسي مناهض لنظام الحكم الديني ثم تم استخدامه لإيقاف تمدد غزو الفكر الشيوعي وأيضا كوسيلة للإطاحة بالأنظمة الملكية وتحويلها إلى أنظمة جمهورية ،

القومية هي هوية شعبية تضم فئات متعددة متنوعة عرقاً ونسباً وديناً،

ومن أهم الروابط المشتركة عند القومية (اللغة ،الموروث الثقافي ،العادات والتقاليد) وهي تختلف عن الروابط المشتركة عند الأمة (فيها تعدد القوميات لكنها تشترك بعقيدة دينية أو فكرية تقود مسيرتها )،

مثال على مفهوم الأمة : الأمة الإسلامية(تعدد القوميات ، تعدد الثقافات )

بينما القومية العربية مثلا (متعددة الاديان لكنها ذات ثقافة وعادات مشتركة) ،

إذاً وصف القومية لا ينطبق مع وصف الأمة .

 

الموضوع :

منذ أن بدأ الإنسان برسم الحدود على الخرائط إتجه أيضا لرسم الحدود في دمه وجيناته فابتدع خرائط الجغرافيا البيولوجية ،

إستمر الإنسان يُنظّر وهماً حتى صدّق بما هو ذهب اليه بأن هناك حدودا وفواصل مرسومة داخل دمه وجسمه فتحولت القومية عنده من شعورٍ بالانتماء لفئة كهوية إلى إدعاء بوجود اختلافات وتقسيم عرقي وبيولوجي ، ولم يكتفي بهذا الحد فإنطلق إلى الفضاء لعله يعثر على إنسان آخر يعيش في كوكب غير الارض يختلف عنه جينيا فأدعى باطلاً وجود مخلوقات فضائية وهمية ،

القومية السياسية حالها حال الدين السياسي كلاهما إنتماء وهمي لسراب فكري يهدف إلى خندقة الناس في صفوف الصراعات السياسية للاستحواذ على سلطة الحكم وإن هما إلا وسيلة لتنفيذ أجندات سياسية وطموح غريزي للتسيد والنفوذ ،

ومن أهم الأمثلة على الوهم هو تقسيم جينات الإنسانية إلى جينات ملكية وأخرى مقدسة وجين نقي وجين أدنى وكل ذلك مجرد هرطقات فكرية شاذة لا تنتمي للحقيقة والواقع ،

١- الروايات الدينية وفق الكتب السماوية :

لقد ذكرت كل كتب الاديان السماوية والاديان الغير سماوية بأن البشر سلالة انحدرت من إنسان واحد (أب واحد وأم واحدة وهما آدم وحواء) ثم تكاثرت البشرية عبر الزمن وصولاً إلى حاضرنا أي أن جميع جينات البشر هي من سلالة واحدة مستنسخة طبق الأصل عن جين الإنسان الاول ،

الروايات الدينية تروي لنا بأن سام وحام وآرا ويافث هم أولاد نوح و هم أصل السلالة البشرية في حاضرنا ، فمنطقياً لا يمكن أن تختلف جينات البشر الحالي عن جينات نوح وأولاده إلا في وجود اختلاف في الطفرات الجينية وهذه تحدث عند الجميع و لا تقتصر على جين معين دون الآخر ولا تحدث في زمن محدد،بل هي طفرات مستمرة حتى بين الإبن وأبوه فهناك اختلاف في طفراتهما الجينية لذلك نجد بينهما الاختلاف سواء في اللون او الطول او مستوى الذكاء وكل ذلك بسبب نوع التغذية والظروف المحيطة.

٢- التجارب العلمية :

الاختلاف الجيني ليس في شكل وخارطة الجين نفسه أو حتى في محتوياته بل الإختلاف في الطفرات الجينية التي تحصل بسبب اختلاف البيئة أو نوع الغذاء أو الظروف المحيطة لحظة تلقيح البويضة في رحم المرأة مما يؤثّر على إكتساب فوارق ،

وقد اثبتت التجارب العلمية لمشروع الجينوم البشري للفترة من عام ١٩٩٠-٢٠٠١ واختيار عينات أخوة توأم متماثل(نتيجة انشطار بويضة إلى اثنين) و توأم غير متماثل (بويضتين ملقحتين في الرحم) اثبتت تلك التجارب بأن العينات لا تتطابق إلا بنسبة وأن تلك النسبة تكن أعلى في التوأم المتماثل من نسبة التوأم الغير متماثل بينما وجدوا أن تطابق عينات الاخوة غير التوأم لا تتجاوز نسبة ٥٠./. لكن هذه النسبة تنهار عند الابناء ثم تضمحل كليا عند الأحفاد ،

إذاً كيف تم تصنيف البشر وفق خرائط جينية وهمية إذا إنعدم التطابق الجيني بعد جيلين أو أكثر ،

وأيضاً وجدوا أن هناك عينات عربية وأوربية وأسيوية متطابقة بنسبة اكثر من نسبة تطابق جين عربي وعربي أو أوربي اوربي علما لا توجد هناك علاقة بين تلك العينات المختارة ،

اي ان الطفرة الجينية قد يتكرر استنساخها حتى لو لم تكن هناك صلة أو تواصل بين العينات عبر التاريخ ولذلك قالوا القدماء (يخلق من الشبه أربعين) .

٣- الوثائق التاريخية :

تؤكد المخطوطات سواء الحجريّة منها ام الوثائق بأن المجتمع البشري ما قبل التاريخ قد انشطر وتفرع إلى عدة مجتمعات (قبائل ) وبالتالي تلك القبائل تشعبت لشعوب ،

فإذاً…سلالة الشعوب الحالية هي نسخة من سلالة المجتمع القديم المنحدرة أصلا من الجين الأصل للإنسان القديم،

ومن خلال مراجعة هذه الحقائق نجد أن :

*وفق الموروث الديني :

أن المجتمع الإنساني الحاضر هم أحفاد الإنسان القديم الأول وهم كلهم يحملون نسخ مكررة من جينات آدم وحواء ،

*علميا أثبتت الدراسات أن الإنسان الحاضر هو نسخة مطورة لانسان العصر الحجري القديم قبل الاف السنين أي أن جميع البشر في حاضرنا هم سلالة واحدة قد انحدرت من سلالة الانسان القديم بعد فحص عينات من DNA لخلية إنسان النياندرتال ومقارنتها بعينات من الحاضر ،

كذلك دلت البحوث الجينية الى ان جين الفأر أقرب تطابقاً للجين البشري بنسبة ٩٩./. في حين ان جين القرود يتطابق مع الجين البشري بنسبة لا تتجاوز ٩٨./. فهل يعني ذلك أن السلالة البشرية تنحدر من قومية الفئران بدلاً من نظرية فرويد التي تقول ان السلالة البشرية منحدرة من قومية القرود ،

*وفق الوثائق التاريخية والموروث الاجتماعي :

أن الإنسان الحالي هو سليل البشر ما قبل التاريخ الذين ورّثوا جيناتهم إلى أقوام التاريخ الذين وثّقوا وجودهم وحضاراتهم بالكتابة مثل (السومرية،الأكدية،الفارسية ،الآرامية ،الكنعانية، والآشورية ، والسريان ، والرومان ، والإغريق ..الخ) كلهم حملوا نفس نسخة الإنسان الأصل ما قبل التاريخ

وكذلك العرب مثلاً

نجد أن العرب المستعربة مثلا ينسبون سلالاتهم وصولا لعدنان حفيد النبي إبراهيم الذي هو حفيد آرفشخذ بن سام بن نوح في حين أن سلالة العرب العاربة ينسبون سلالتهم الى قحطان او يقطان كما تذكره التوراة الذي يعود نسبه إلى سام بن نوح ، أما عرب التعريب فهم سلالات بشرية متنوعة الأسلاف سامية وغير سامية وحامية وآرية أي لا يمكن نسبها إلى سلالة بل ترتبط برابط اللغة العربية ،

فإذا كان الجميع ينتمون لسلالة واحدة فكيف تم رسم رموز جينية مختلفة وكيف تم فصل هذا عن ذاك إذا كانوا هم أصلا يحملون جين بشري واحد يعود لجين أصلي واحد ،

ان البشرية أينما وجدت على الكرة الأرضية هي من سلالة واحدة نسل ذلك الانسان الأول القديم ،

وان الجين الذي يحمله الانسان الاول القديم هو نفسه جين البشرية الحالية ، اما التغيرات والاختلافات فهي مجرد طفرات وتكيفات بيئية تحدث للجميع بلا تفريق ، لذلك ينسف الأساس البيولوجي القاعدة التي تحاول القومية المتطرفة أن تبني عليها وجود تفوّقاً أو تمايزاً بين بعض البشر ،

أن تلك الطفرات الجينية حدثت و ستحدث بشكل متكرر الآن و مستقبلا ، كما وثبت علمياً أن جين الاب لا يتطابق مع جين الابن إلا بنسبة لا تتجاوز ٥٠./. بعدها تتلاشى شيئا فشيئا عند الأحفاد فكيف إذاً تم تصنيف جيناتهم فجعل هذا قرشياً وذاك حبشياً وهذا فارسي وذاك روماني ،

لقد اثبت العلم ان كل البحوث الجينية هي لازالت مجرد نظريات ظنية لا ترتقي لحقيقة علمية انما اعتمدت وجود تغيرات بسبب التأثيرات الخارجية سواء نوع الطعام أو الظروف البيئية المحيطة ،

وبما أن الإنتماء الجيني وهم إذاً فالقومية هي مجرد نظرية وهمية ومجرد سراب لا حقيقة له لأن كل البشرية هي سلالة واحدة وما تم تداوله خلال القرنين الماضيين حول تصنيف موضوع القومية انما هو تنظير ايديولوجي سياسي الهدف منه تغيير سلطة الحكم وصنع كيان سياسي بديل ينفذ اجندات طالبي السلطة .

الخلاصة :

القومية بدأت كهوية ثم تحولت لتنفيذ اجندات سياسية وهي سراب وهمي تم ترسيخه في ظن الفرد وهو ليس كحقيقة مفروضة صنعتها الطبيعة ،

وبالرغم من انها تبدو كأنها هوية لكنها وفق التجارب العلمية والوثائق التاريخية اتضحت بأن القومية صناعة فكر سياسي بامتياز تهدف لخلق الصراعات والاستيلاء على السلطة ، هذا الوهم لم يصنعه الخالق ولم تصنعه الطبيعة إنما تم تصنيعه في خيال فلسفي، فالجينات لا تعترف ولا تقف عند حدود طبيعية أو حدود سياسية فهي موجودة عند كل البشر بينما القومية تعيش متقوقعة داخل حدود السراب الفكري حاله حال التعصب لوهم الدين السياسي أو وهم الطائفية أو العنصرية.

المصادر :

١- مشروع الجينوم البشري NIH

٢- بحوث التنوع الجيني البشري Wikipedia

٣- دليل MSD Manual

٤- تاريخ ما قبل التاريخ / عبد الله حسين

٥- القرآن ،الكتاب المقدس

٦- الأقوال المختارة لكونفوشيوس

٧- الذاكرة الكونية ما قبل تاريخ الانسان / رودلف شتاينر

———-

الثاني من شباط 2026

المملكة المتحدة

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1165 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع