الغضب المكبوت الموجّه نحو الذات: قراءة نفسية وتوعوية

د. نزار گزالي – دكتوراه في علم النفس
مدير مركز الاستشارات النفسية والاجتماعية في EPU

الغضب المكبوت الموجّه نحو الذات: قراءة نفسية وتوعوية

في ظل تعقيدات الحياة المعاصرة، وما تحمله من ضغوط اقتصادية واجتماعية ومهنية، أصبح الإنسان أكثر عرضة للتوتر والإنهاك النفسي. ومع تزايد هذه الضغوط، يبرز نمط صامت لكنه عميق الأثر، هو “الغضب المكبوت الموجّه نحو الذات”. وهي حالة نفسية يوجّه فيها الفرد مشاعر الغضب والرفض إلى داخله بدلاً من التعبير عنها تجاه الآخرين أو المواقف المسببة لها.

هذا النمط لا يظهر فجأة، بل غالبًا ما يكون نتيجة بيئة أسرية أو اجتماعية لا تسمح بالتعبير الحر عن الانفعالات، بل تجرّمه أو تعاقب عليه. الطفل الذي يُمنع من التعبير عن مشاعره قد يكبر وهو يعتقد أن الغضب عيب أو ضعف، فيلجأ إلى دفنه في داخله. كذلك فإن الشخصيات الكمالية أو الحساسة للنقد، وأصحاب التقدير المتدني للذات، يكونون أكثر عرضة لمعاقبة أنفسهم بدلًا من مواجهة الآخرين. ولا يمكن إغفال أثر الثقافة المجتمعية التي تفرض صورًا مثالية شبه مستحيلة، أو التجارب الصادمة المبكرة مثل الإساءة أو الفقدان، في تعميق هذا التوجّه الداخلي.

الانعكاسات النفسية لهذه الحالة مؤلمة. من الناحية العاطفية، يرتبط الغضب المكبوت بالاكتئاب، القلق المزمن، والشعور بالعزلة. جسديًا، يمكن أن يتحول إلى صداع متكرر، اضطرابات في الجهاز الهضمي، ضعف المناعة، أو حتى آلام مزمنة مبهمة. وعلى مستوى السلوك، قد يظهر في شكل إيذاء الذات، أو الإدمان، أو الدخول في علاقات غير متوازنة تتكرر فيها أنماط الفشل.

الآلية النفسية التي تفسّر هذه الظاهرة تقوم على الكبت والتضخيم والتعميم؛ إذ لا يكتفي الفرد بإخفاء مشاعره، بل يحمّل نفسه مسؤولية كل إخفاق، ويرى في أي خطأ صغير دليلاً على فشل كامل. ومع مرور الوقت، يدخل في دائرة مغلقة من جلد الذات والإحباط والعزلة.

من واقع عملي النفسي

من خلال خبرتي اليومية كمختص في علم النفس في أربيل، لاحظت تكرار هذا النمط في عدد كبير من الاستشارات، حتى بات يمثل ظاهرة واسعة الانتشار. وأشارك هنا بعض الأمثلة (الكيسات) التي تعكس معاناة شريحة من الناس في مجتمعنا، مع الحفاظ على خصوصية أصحابها، وأيضًا لتبيان العلاقة الوطيدة بين الغضب المكبوت الموجّه إلى الذات وبين بعض الاضطرابات النفسية الجسدية (Psychosomatic disorders):
• موظف حكومي من أربيل يراجعني باستمرار بسبب توتر وصداع مزمن. مشكلته بدأت مع تأخر الرواتب لعدة أشهر. كان يشعر بغضب عارم تجاه الوضع، لكنه لم يجرؤ على التعبير عنه خوفًا من فقدان عمله أو مواجهة العواقب. بدلاً من ذلك، بدأ يلوم نفسه لأنه “لم يخطط جيدًا”، وتحولت مشاعره إلى نقد داخلي متواصل جعله يفقد ثقته بنفسه.
• طالبة جامعية من السليمانية جاءتني وهي تشعر بأنها “فاشلة” لأنها لا تستطيع مجاراة زميلاتها. تربت منذ طفولتها على أن التعبير عن الغضب “عيب”، لذلك كلما تعرضت للنقد من أساتذتها، كبتت مشاعرها ووجهتها نحو ذاتها. بمرور الوقت، انعزلت اجتماعيًا وأصبحت أكثر عرضة للاكتئاب.
• شاب من أربيل يعمل في القطاع الخاص، يعيش في بيئة عشائرية، كان يعاني من أرق مزمن وفقدان شهية. عندما سألته عن السبب، اتضح أنه دخل في خلاف مع أحد أقاربه. لم يستطع التعبير عن غضبه لأن أي رد فعل قد يجرّ مشكلة عشائرية أكبر. كبت مشاعره نحو الداخل، وأصبح يجلد ذاته بلا توقف.
• امرأة عاملة من أربيل، تعمل في وظيفتين لإعالة أطفالها. كانت تخبرني أنها كلما تعرّضت للضغط أو الاستغلال في عملها، بدلاً من الدفاع عن نفسها، تبدأ بلوم ذاتها وتقول: “أنا السبب، أنا ضعيفة”. هذا الصراع انعكس على صحتها الجسدية فأصيبت بآلام مزمنة في المعدة والقولون العصبي.
• شابة من بغداد تعيش في أربيل، تواجه صعوبات في الاندماج مع بيئة العمل بسبب ضعف لغتها الكوردية وقلة الكفاءات العلمية لديها. بدلاً من أن توجه غضبها نحو الظروف الموضوعية، وجّهته نحو ذاتها، فباتت تصف نفسها بالفاشلة وغير الكفوءة، مما ضاعف من شعورها بالإحباط والانعزال، ورافق ذلك بعض المشكلات الجلدية.

هذه الكيسات ليست فردية، بل تمثل ظاهرة أوسع يعيشها كثيرون في مجتمعنا، حيث يعجز الفرد عن مواجهة العالم بغضبه، فيلجأ إلى توجيه هذا الغضب إلى ذاته، فيدفع ثمنًا نفسيًا وجسديًا باهظًا.

سبل التعامل والتعافي

العلاج النفسي يوفر أدوات فعالة لمساعدة الفرد على كسر هذه الدائرة. العلاج المعرفي السلوكي، مثلًا، يساهم في تصحيح الأفكار المشوهة وبناء تفسيرات أكثر واقعية. العلاج التحليلي يساعد في كشف الجذور المبكرة للمشكلة. كما أن ممارسات عملية مثل التأمل، الكتابة العلاجية، الفن، أو النشاط البدني، توفر متنفسًا صحيًا لتفريغ المشاعر.

ومع ذلك، فإن جوهر الحل يبدأ من إدراك أن الصحة النفسية لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية. كما نلجأ إلى الأطباء عند ظهور أعراض جسدية، فإن زيارة المختص النفسي عند الحاجة خطوة طبيعية وضرورية، تعكس وعيًا ومسؤولية تجاه الذات. التردد في طلب المساعدة قد يؤدي إلى تعقيد الحالة، بينما الدعم المهني قادر على إحداث فارق حقيقي في استعادة التوازن وجودة الحياة.

الغضب المكبوت الموجّه نحو الذات ليس مجرد انفعال عابر، بل رسالة من الداخل تطالب بالإنصات والفهم. والاستجابة لهذه الرسالة تبدأ من الوعي، ومنح النفس الحق في التعبير، والتوجّه نحو المختصين عند الحاجة. فالمشاعر، مهما كانت مؤلمة، ليست عدواً ينبغي كبته، بل لغة داخلية علينا أن نتعلم قراءتها.

المراجع
• Beck, Aaron T. Cognitive Therapy and the Emotional Disorders. New York: International Universities Press, 1976.
• Greenberg, Leslie S., and Robert Elliott. Emotion-Focused Therapy: Coaching Clients to Work Through Their Feelings. Washington, DC: American Psychological Association, 2012.
• Linehan, Marsha M. Cognitive-Behavioral Treatment of Borderline Personality Disorder. New York: Guilford Press, 1993.
• Van der Kolk, Bessel A. The Body Keeps the Score: Brain, Mind, and Body in the Healing of Trauma. New York: Viking, 2014.
• World Health Organization. Mental Health: Strengthening Our Response. Geneva: WHO, 2022.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1111 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تابعونا على الفيس بوك