السُّور

عِصْمَت شَاهِين الدُّوسْكِي

السُّور

* أكتبُ حتى صارَتْ كلماتي سورًا بيني وبين الناس .

* رغم العتمة ما زلتُ أترقّبُ فجرًا يحملُ الحبَّ والأملَ والحياة .

إنَّ الإِبْداعَ يُمْكِنُ أَنْ يُعَرَّفَ بِأَنَّهُ النَّشاطُ الَّذي يُؤَدِّي إِلى نِتاجٍ جَديدٍ وَقَيِّمٍ مِنْ أَجْلِ خِدْمَةِ المُجْتَمَعِ.. مِنْ أَجْلِ الإِنْسانيَّةِ وَكُلِّ أَديبٍ مُبْدِعٍ يُحاوِلُ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا جَديدًا... مُعْظَمُنا يَحْتاجُ إِلى الوِحْدَةِ وَالهُدوءِ لِكَي يُراجِعَ نَفْسَهُ... يُضِيءُ ذاتَهُ بِأَنْوارِ الإِحْساسِ المُرْهَفِ، وَيعيدَ شَريطِ أَيّامِهِ... وَيَسْتَخْلِصُ الخَيْرَ.. هَذا لا يَعْني أَنْ يَنْقَطِعَ عَنْ عالَمِهِ.. عَنْ هَذا المُحيطِ الَّذي يَدورُ حَوْلَهُ... خاصَّةً لَو عَلِمْنا.. أَنَّ كُلَّ أَهْدافِنا وَطُموحِنا وَأَحْلامِنا وَسَعادَتِنا وَوُجودِنا لا يَتَحَقَّقُ إِلَّا مَعَ النّاسِ.. صَحيحٌ في هَذا العَصْرِ، عَصْرِ الذَّرَّةِ، عَصْرِ السُّرْعَةِ.. غَدا بَعْضُ البَشَرِ مُنافِقينَ، دَجّالينَ، أَنانيّينَ، هَمُّهُمُ الوَحيدُ اسْتِغْلالُ أَيَّةِ فُرْصَةٍ تَتَجَلّى أَمامَهُمْ.. لِكَي يُسَيِّروها لِغايَاتِهِمْ وَدَنائِتِهِمْ وَشَهَواتِهِمْ.. وَكَثيرٌ مِنّا يَبْتَعِدُ عَنْ هَذا العالَمِ الدَّنيءِ... فَيَخْلُقُ لِنَفْسِهِ، لِرُوحِهِ، عالَمًا آخَرَ.. يَحْيا فيهِ كَما يَشاءُ.. أَنَّ هَذا الإِحْساسَ الرُّوحِيَّ فيهِ شَيْءٌ كَثيرٌ مِنَ " الأَنا " ، لَكِنَّهُ يُرْوِي الأَحْشاءَ الظّامِنةَ.. عَنْ هَذا الارْتِكازِ.. ننُطْلِقُ مَعَ الشّاعِرِ وَالقاصِّ "صَلاحِ شُوان"، وَقِصَّتِهِ القَصيرةِ جِدًّا ( السُّور)....

إنَّ الكاتبَ بأَفكارُهُ وَسُلوكُهُ وَشَخْصيَّتُهُ يَخْتَلِفُ عن الإِنْسانِ العاديِّ، لَهُ عالَمٌ خاصٌّ بِهِ، حَتّى لَو كانَ عالِمًا غَريباَ وَالكِتابةُ عالَمُهُ الرّوحِيُّ، الوِجْدانيُّ.. الَّذي يُفَكِّرُ أَمامَهُ بِحُرِّيَّةٍ دُونَ قَيْدٍ أَوْ شَرْطٍ، بعيدًا عَنِ الشَّرائِعِ الَّتي يَصوغها الإنسان، ثُمَّ يَنْحوها حَسَبَ أَهْوالِهِ وَرَغَباتِهِ، عِنْدَما يَرى الكاتبُ أَنَّ هَذا المُحيطَ الَّذي يَحْيا فيهِ لا يَروقُ لَهُ ككاتبٍ، ماذا يَفْعَلُ ..؟ هل يَحْيا فيهِ مَعَ هَؤُلاءِ البَشَرِ.. يَأْكُلُ مثلما يأَكَلُون وَيَشْرَبُ مثلما يشَرِبون وَيَلْبَسُ مثلما يلبسون.. أَمْ يَجذْ لَهُ عالَمًا آخَرَ وَيَنْطَوِيَ فيهِ.. مُحتملاَ كافَّةَ النّتائِجِ، يا تُرى ماذا يَقولُ الكاتبُ أَمامَ هَذِهِ التَّناقُضاتِ الدُّنْيوِيَّةِ ...؟.

[ قالَ الكاتبُ:

« كَفى لَقَدْ مَلِلْتُ مِنْ هَذا الوَضْعِ...» ]

إنَّ مُجَرَّدَ الشُّعورِ بِالمَلَلِ يَجْعَلُ الكاتبَ يَجِدُ لَهُ طَريقًا آخَرَ، حالة أُخْرى، وَمُحيطًا آخَرَ لِقَتْلِ هَذا المَلَلِ.

[أَلَنْ أَخْرُجَ بَعْدَ الآنِ،

أَنْ أَخْتَلِطَ بِهَؤُلاءِ النّاس ..؟؟].

اللَّهُ قَرارٌ مُؤْلِمٌ وَصَعْبٌ.. لَكِنَّهُ اتَّخَذَهُ بَعْدَ هَذا الصَّخَبِ الهائِلِ الَّذي شَعَرَ بِهِ وَالَّذي يُدْعى المَلَلَ. وَيَبدو أَنَّهُ قَرارٌ لا رَجْعَةَ فيهِ... وَلَكِنْ لِمَ لا يَخْتَلِطُ بِهَؤُلاءِ النّاسِ ..؟! أَلَا يُوجَدُ بَيْنَهُمْ مَنْ يُشارِكُهُ هُمومَهُ، أَفْكارَهُ، مَشاعِرَهُ ..؟!

[ إِنَّهُمْ مُنافِقونَ وَمُنْتَهِزو فُرَصٍ... فالكِتابَةِ أَفْضَلُ لِي، إِنَّها هِيَ الَّتي تُخَلِّدُني فِي النِّهايَةِ ].

إِذًا اتخذ الكِتابةُ أَوَّلًا، مَلاذًا وَحيدًا لروحه، لانطوائه، الكِتابةُ وَحْدَها فِي مِحْرابِ الكاتبِ.. بَدَلًا مِنَ الِاخْتِلاطِ بِالنّاسِ، إِنْ كانَ يَبتَعِدُّ عَنِ النّاسِ وَيَزْجُرُهُمْ.. وَيَزْدَرِيهِمْ فَلِمَ يَكْتُبُ ...؟ ألِكَيْ يُقَوِّمَهُمْ ..! يُصْلِحَ مِنْ حالِهِم ..! َأمْ لِكَيْ يُرْوِيَ فِكْرَهُ وَهَواجِسَهُ ..؟ فِي كِلْتَا الحالتَيْنِ، الكاتبُ يُقَدِّمُ شَيْئًا ما، قَدْ يَكونُ هَذا الشَّيءُ مُتَمَيِّزًا، وَما يَعانيهِ سَبَبُهُ هَذِهِ الوِحْدَةُ الَّتي اخْتارَها، بِإِرادَتِهِ لِكَيْ يَسْتَفيدَ مِنْها النّاسُ جيلًا بَعْدَ جيلٍ، صُورَةُ الواقِعِ تَقولُ: يَجِبُ أَنْ يَكونَ عِنْدَما يَكونُ الوَقْتُ لِلكِتابةِ فَقَطْ ، تَساءَلَ: كَيْفَ يَكونُ حالُ الكاتبِ فِي هَذِهِ الوِحْدَةِ ..؟ يَجِدُ لَنا الأَديبُ المُبْدِعُ "صْلاحُ شُوان" حالَ الكاتبِ بِصُورَةٍ مُبَسَّطَةٍ واضِحَةٍ، وَعَميقَةٍ فِكْريًّا،:

[ بَدَأَ يَكْتُبُ ].

إِنَّ الوُقوفَ أَمامَ هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ؛ يَعْني الكَثيرَ، وَفِي هاجِسٍ مُباشِرٍ؛ تَشْعُرُ بِأَنَّ الكاتبَ بَدَأَ يَكْتُبُ، وَلَنْ يَتَوَقَّفَ ..! الكِتابةُ هُنا هِيَ عَمَلِيَّةُ طَرْدٍ لِلأَفْكارِ السَّوداوِيَّةِ وَالهَواجِسِ المُخيفَةِ وَالشَّكِّ، وَخَلْقُ عالَمٍ جَديدٍ، بَديلاَ مِنَ العالَمِ الَّذي يُحيطُ بِهِ، إنَّ دَيْمومَةَ الكِتابةِ هِيَ لِتَحْطيمِ المَلَلِ الَّذي يَشْعُرُ بِهِ، وَتَحْطيمِ كُلِّ الصُّوَرِ الزائفة وَالمُتَخَلِّفَةِ النّي تَلْتَصِقُ بِالنّاسِ...

[ كانَ يَكْتُبُ بِسُرْعَةٍ عَجيبَةٍ، وَكَثيرًا ما كانَ لا يُصَدِّقُ نَفْسَهُ.. كَيْفَ يَأْتيهِ إِلْهامُ كُلِّ هَذِهِ الكِتابةِ ..؟! وَكَيْفَ تَرْتَفِعُ الكُتُبُ فَوْقَ بَعْضِها البَعْضَ أَمامَهُ هَكَذا ..؟! لِدَرَجَةِ كُلَّما كانَتْ تَزْدادُ عَدَدُ كُتُبِهِ؛ كانَ يَكْتُبُ بِسُرْعَةٍ أَكْبَرَ، وَيَكْتُبُ أَكْثَرَ ].

بَعْدَ هَذِهِ الكِتابةِ الكَثيفَةِ وَالكُتُبِ المُتَراكِمَةِ؛ ماذا بَعْدَ ..؟ كانَ لِسانُ حالِهِ يَقولُ: « أَشْعُرُ أَنَّ هَذا اللَّيْلَ سَيَنْجَلِي وَيُقْبِلُ الفَجْرُ الجَديدُ الَّذي يَحْمِلُ بَيْنَ طَيّاتِهِ الحُبَّ وَالأَمَلَ وَالحَياةَ، بَيْنَ هِمسّاتِهِ الوِئامَ وَالخَيْرَ وَالحَنانَ... يَحْمِلُ الإشْراقَةَ الَّتي تَنْتَظِرُها، وَمِنَ الطَّبيعيِّ أَنْ الفَرْد لا يَصِل إِلى ابْتِكاراتِهِ وَأَعْمالِهِ العَقْلِيَّةِ؛ إِلَّا بِمِقْدارِ ما يَحْتَلُّ مَكانًا فِي تَفاعُلِ الجَماعاتِ؛ وَبِالتالي فِي إِطارِ المُجْتَمَعِ كَكُلٍّ، إِنَّ العَبَراتِ الَّتي تَتَساقَطُ عَلى أَرْضٍ جَرْداءَ؛ لا ينمو عَلَيْها شَيْءٌ، وَلا هُناكَ مَنْ يَشْعُرُ بِها ..! ها هُوَ الكاتبُ أَمامَهُ كِتابًا فَوْقَ كتاب مَنْ يَقْرَؤُها ..؟! إِنَّهُ تَرَكَ النّاسَ فِي دُرُوبِهِمْ وَاخْتارَ دَرْبًا يراه مُخْتَلِفًا، وَضَعَ سِتارًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النّاسِ، سُورًا مِنَ الأَوْراقِ أَبْعَدَهُ عَنِ الحَياةِ..! حَجَبَ عَنْهُ نَظَراتِ النّاسِ وَنَبَضاتِ قُلُوبِهِمْ وَمَشاعِرِهِمْ، هكَذا هُوَ الأَمَلُ؛ الَّذي لَمْ يُخْرِجْهُ الكاتبُ مِنْ أَعْماقِه، عِنْدَما يَبْقى وَحيدًا، يَذْبُلُ وَيَدْخُلُ فِي عالَمِ الذِّكْرَى وَالأُمْنِيّاتِ، بَلْ وَحَتّى فِي عالَمِ النِّسْيانِ.

[ ارْتَفَعَتِ الكُتُبُ أَمامَهُ، كِتابًا فَوْقَ كِتابٍ -كَطابوقَةٍ فَوْقَ أُخْرى- حِينَما أَفاقَ؛ أَدْرَكَ أَنَّهُ قَدْ صَنَعَ سُورًا سَميكًا مِنَ الوَرَقِ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ النّاسِ، بَيْنَ نَفْسِهِ وَالعالَمِ، بَيْنَ نَفْسِهِ وَالحَياة ..].

إنَّ الكاتبَ حينَما يَشْعُرُ أَنَّ الَّذي كَتَبَهُ لَمْ ولن يَصِلُ لِلنّاسِ؛ َيكونُ فِي حالَةٍ رهيبة مِنَ القَلَقِ وَالخِبْرَةِ وَالشَّكِّ، وَكُلُّ كاتبٍ يَحْمِلُ رِسالَةً يُريدُ إِيصالَها، وَعِنْدَما لا تَصِلُ هذِهِ الرِّسالَةُ كَما يُريدُ يَصطَلي فِي غُرْبَةٍ رُوحِيَّةٍ مُؤْلِمَةٍ، إِلى أَنْ يَنْتَهِيَ، وَمَهْما كانَتْ صَرْخَاتُهُ عالِيَةً،مُدَوِّيَةً؛ فَلا يَسْمَعُها سِواهُ، بِسَبَبِ السُّورِ الَّذي خَلَقَهُ لِنَفْسِهِ.

[ انْتَفَضَ مُسْتَجِدًّا صارِخًا، دُونَ أَدْنى نَتيجَةٍ، كانَ السُّورُ أَكْثَرَ سُمْكًا بِحَيْثُ حالَ دُونَ وُصولِ صَوْتِهِ إِلى النّاسِ، وَمِنْ سُرْعَتِها لَمْ يَسْمَعْ أَحَدٌ أَيَّ نبأ مِنْ أَخْبارِ ذلِكَ الكاتبِ .[

إِنَّ هذِهِ النِّهايَةَ المُؤْلِمَةَ.. هِيَ دَعْوَةٌ لِجَميعِ الكُتّابِ أَلّا يَجْنُوا على أنفسهم، أَلّا يبنوا سُور هَذا الكاتبِ ، إِنَّ الأَديبَ "صْلاحَ شُوان" ضَمَّنَ قِصَّتَهُ -القَصيرةَ جِدًّا- صُوَرًا تَعْبيرِيَّةً كَثيفَةً صاغَها بِمُفْرَداتٍ قَليلَةٍ جِدًّا،

وَلَكِنَّها شُمولِيَّةٌ، ذاتُ فِكْرَةٍ مُتَأَلِّقَةٍ، تَمْتَزِجُ بِرُوحِ كاتِبِها الشّاعِريَّةِ، يَقولُ – جان كوكتو –: « الكِتابةُ لَيْسَتْ سَجّادَةً يَسيرُ فَوْقَها الكاتبُ، الكاتبُ كُلَّما طارَدَهُ الصَّيّادونَ؛ كَتَبَ أَفْضَلَ وَأَفْضَلَ ».
15/9/1992
عِصْمَت شَاهِين الدُّوسْكِي

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1119 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع