الكوارث مستمرة في العراق المحتل

الاستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي


الكوارث مستمرة في العراق المحتل

تحت شعار ربما ضارة قد تكون نافعة يبدو ان ما اثاره السفيه الموتور سلوان موميكا من فعل غبي مثل صاحبه،بحرقه نسخة ورقية من القرآن ،رغم ان لا احد يستطيع ان يفسر قيام هذا المعتوه بهذا العمل الجبان وتحديدا في هذا الظرف،ولا نستبعد ان توقيت هذا الحدث المنرفز لمشاعر واحاسيس اكثر من مليار ونصف انسان مسلم في بقاع مختلفة من الكرة الارضية،ان يتوافق مع تمرير كثير من الاحداث المهمة ،دون ان يلتفت اليها احد سيما المتضررين من هذه الاحداث!.
على صعيد العراق،الذي تبارت اطراف عديدة في التعبير عن استنكارها ورفضها العاطفي الدعائي؟!لهذه الجريمة الاخلاقية النكراء،مع ملاحظة بعض الاطراف المعترضة الغاضبة امام السفارة السويدية ،سبق لها وان احرقت ودمرت المساجد والجوامع بما فيها نسخ كثيرة من القرآن الكريم داخل العراق،انها مفارقات غريبة عجيبة علما ان خلفية المجرم سلوان موميكا هي ذات الخلفية المليشياوية المنفلتة لبعض المحتجين.
يبدو واضحا ان الحادثة المثيرة التي قام بتنفيذها موميكا ،قد صبت لصالح تمرير صفقة كارثة الموازنة فلم يعد كثيرين ينتقدونها ،حيث كالعادة التهى الناس بما فعله سلوان وتركوا الحديث المهم عن الموازنة الكارثية ،فهل هذه صدفة ام صدفة؟؟...
وصف متخصصون في الاقتصاد، تسريبات نيابية حول حجم العجز بالموازنة المقبلة بـالكارثة، نظرا لبلوغها 269 تريليون دينار بعجز بلغ 121 تريليونا (نحو 85 مليار دولار)، وفيما اعتبروا الأمر سرقة وتسهيلا لعمل الفاسدين لا محاسبتهم، أشاروا إلى أن هذه الموازنة ستكبل البلد بالديون الخارجية لأجيال عدة، فضلا عن تهديدها البلد بـالإفلاس والتقسيم. إن الرقم المسرب عن العجز في موازنة 2023 كبير جدا ولا يمكن تغطيته، إذ يمثل كارثة، لاسيما مع الديون الداخلية والخارجية التي تصل إلى أكثر من 100 تريليون والآن يتم تكبيل الموازنة بهذا الرقم، فمن أين سيتم تسديده؟، أن المشكلة الأخرى تكمن في أن الأموال التي تم منحها أصبحت استحقاقا، وفي المستقبل لا يمكن تقليل المبالغ الموجودة بالموازنة، وأن هذا الرقم سيشرع الأبواب أمام الفساد بدلا عن محاربته.
والسؤال المهم هو عن البرامج التي تم تحديدها مع هكذا موازنات وعن المعايير التي اعتمدتها الحكومة لتفصيل هكذا موازنة، مع ملاحظة أن هذا العجز لا يمكن تغطيته حتى بالقروض، فلا يمكن لأي دولة ان تقرضنا أكثر من مليار أو ملياري دولار، وهي تنذر بالإفلاس والتقسيم بعدما أقرت الموازنة باعتماد هذه الارقام .
ان الارقام التي تضمنتها الموازنة تجسد حجم السرقات المخطط لها وليست العجز، فالإيرادات ليست حقيقية اذ يمكن أن تصل إلى مبالغ أعلى بكثير مما مذكور بهذه المسودة ولا احد يعرف بصراحة كيف يفكر القائمون على القرار العراقي، والى أين نحن ذاهبون، وبكل الأحوال سيتوجهون بتغطية هذا العجز بالقروض، لكن بالنتيجة فان العراق سيبقى مكبلا ،أن الموازنة بهذا الحجم غير منطقية لأنها ستكبل العراق وتحديدا المواطن البسيط لسنين طويلة، وكان الأولى التفكير بسداد الديون السابقة، بدلا من وضع عجز جديد بالموازنة علما ان العراق المحتل اعتمد سياسة الاقتراض غير المبرر بعد عام 2003، وبحسب وزير المالية السابق علي علاوي، بلغت ديون العراق 133.3 مليار دولار. .
ان السـمّات المالية للموازنة العامة في العراق وانخفاض مضامينها الاقتصادية والاجتماعية وفقا لدراسة اعدها مركز الدراسات الاستراتيجية بجامعة كربلاء،عبر السنوات الماضية ،شهدت تركيزا واضحا على الجوانب المالية وزيادة الطلب على الأموال دون تحقيق ارتباطها الوثيق بالاحتياجات التنموية ، حيث اتسـم سلوك اعداد وتنفيذ هذه الموازنات بالتصاعد المستمر في حجم التخصيصات المالية وانخفاض حصيلة المنجزات التنموية في نواحيها الاقتصادية والاجتماعية،حيث ازدادت هذه النفقات من (20,145,100) ترليون دينار في عام 2004 الى (105,569,687) ترليون دينار عام 2019. كما بلغت هذه التخصيصات أوجّها في موازنة عام 2013 بقيمة بلغت (138,424,608) ترليون دينار، في مرحلة ازدهار أسعار النفط التي تجاوزت (120) دولار للبرميل قبل حصول صدمة انخفاض هذه الأسعار في نهاية 2014 ، ممّا يشير الى مدى ارتباط التخصيصات المالية في الموازنات الاتحادية بالنفط وعوائده ومدى التركيز على الاعتبارات المالية في التخصيص والانفاق الحكومي غير الموجّه بالأهداف التنموية وبنتائج المنجزات الاقتصادية . وفي هذا المجال فانّ تضخم التخصيصات المالية في الموازنة واتساع عمليات الصرف مع شــحة المنجزات التنموية الناجمة عنها , من شأنه أن يلغي شـرطاً مهما من الشروط الواجب توفرها في مصطلح ( الموازنة العامة ) ويجعلها مجرد ورقة للايرادات والمصروفات المالية مع غياب فكرة ( الفوائض المالية ) مهما بلغت إيرادات النفط ، وعدم اللجوء الى عزل نسبة معيّنة من هذه الإيرادات ، ولاسيّما في مراحل ازدهار الأسعار وزيادة الطلب العالمي على النفط , واستثمارها في مجالات استثمارية تزيد من الإيرادات العامة وتنوّع مصادر الدخل والثروة , في ظل التوسّـع المالي غير المنضبط للموازنات الاتحادية واستيعاب المزيد من التخصيصات المالية دون مراعاة معايير الطاقة الاســتيعابية اللازمة لتنفيذ هذه التخصيصات والاعتبارات المتعلقة بنوعية وانتاجية النفقات الحكومية وفق مناهج وبرامج اقتصادية واجتماعية رصينة تنعكس على واقع التنمية والتنويع الاقتصادي , ممّا جعل هذه الموازنات مستودعاً واسعا لتخصيص المزيد من الأموال وصرفها دون أن تكون مستودعاً لمناهج ومشاريع تنمية حقيقية تُسهم في تنويع الاقتصاد والنهوض بواقع القطاعات الإنتاجية السلعية والبنى التحتية والخدمات الاجتماعية التي تحتاج اليها محافظات العراق .
يضاف الى ذلك التركيز في اعداد الموازنات على مفهوم ( العجز الافتراضي المخطط ) الذي يرتبط باتساع حجم التخصيصات المالية بشكل يفوق حصيلة الإيرادات المخططة . ونشير في هذا المجال الى انّ اعداد الموازنة وفق مبدأ العجز المخطط يُعد حالة مقبولة من أجل التحفظ من احتمال انخفاض حصيلة الإيرادات , وهو مبدأ متبع في معظم دول العالم , الاّ انّ زيادة التركيز والاهتمام بهذا الجانب قد أصبح عاملا مشجعا على التوسع في القروض ضمن الموازنات الاتحادية السنوية بذريعة تغطية هذا العجز , حيث تظهر خدمات هذه القروض في الموازنات السنوية اللاحقة بشكل تسديد أقساط وفوائد زادَ معدلها عن (10) ترليون دينار سنويا , في الوقت الذي نجد انّ مثل هذا الحجم من العجز المخطط لم يتحقق فعلياً الاّ في سنواتٍ معيّنة قليلة , أمّا في معظم السنوات فانّ الإيرادات الفعلية المتحققة كانت أكبر من النفقات المصروفة فعلا في نهاية السنة المالية .
ان اتساع حجم النفقات التشغيلية الجارية والتي تستحوذ على الجزء الأعظم من تخصيصات الموازنات السنوية ، جعل فقرة الرواتب والأجور تشكل الجانب الأكبر من هذا الاتساع بسبب الترهل المتزايد في الجهاز الإداري الوظيفي الحكومي ، وازدواجية وتضخم الكثير من عناصر هذه النفقات بشكلٍ غير حقيقي ، في ظل انخفاض معايير الإنتاجية والأداء لقلة فرص العمل خارج نطاق القطاع الحكومي , ممّا يشير الى وجود مشكلة حقيقية تتعلق بالنفقات التشغيلية الجارية التي زادّت نسـبتها عن 70% من اجمالي النفقات العامة . انّ هذا التوسـّع في النفقات التشغيلية قد ترافق مع اتساع حالة الترهل وزيادة اعداد الموظفين والعاملين في الجهاز الوظيفي الحكومي والملاحظ انّ التضخم الحاصل في النفقات التشغيلية الجارية لا يرتبط فقط بالتوسـّع الحاصل في فقرة الرواتب والأجور , وانّما الاسراف وعدم الرشادة في التخصيصات المالية للعديد من العناصر الأخرى المكوّنة لهذه النفقات . والمسـألة الأساسية في معضلة النفقات التشغيلية واتساعها في الموازنات الاتحادية , هي انّ هذا الاتساع هو على حساب النفقات الاستثمارية المتعلقة بتكوين موجودات من رؤوس أموال معوّضة عن استنزاف الاحتياطيات النفطية واحتمالات نضوبها المستقبلي ،فضلا عن انّ مثل هذا الاتسـاع في النفقات التشغيلية من شـأنه أن يحدَّ من الدور الذي ينبغي أن تمارســهُ الموازنة العامة في عملية التنمية والتنويع الاقتصادي.
انّ ما سار عليه العراق وعددٌ من الدول الأخرى , هو الاستمرار في تطبيق موازنة الرقابة والبنود التي تُعد من أقدم الموازنات ، والتي من سماتها انّها أكثر اهتماما بالتخصيصات المالية في ظل وجود علاقة ضعيفة تربط بين هذه التخصيصات والمنجزات التنموية والمنافع الاجتماعية التي يمكّن أن تنجم عنها ، الاّ أنّهُ مهما يكّن نوع الموازنة في العراق ، فانّ المسألة لا تتعلق بهذا الجانب فحسب، وانّما الجانب الأكثر أهمية هو مدى سـلامة وانضباط بيئة النفقات الحكومية وأعمال التنفيذ المتعلقة بهذه النفقات وخلوّها من ممارسـات الهدر والفســاد ، اذ انّ نتائج ومنجزات الموازنة ومخرجاتها التنموية والاجتماعية تبقى مرتبطة بالأساليب والآليات التي يتم من خلالها التصرف بالتخصيصات المالية سـواء ما يتعلق بالنفقات التشغيلية الجارية التي يكتنفها الكثير من مظاهر الهدر والاسـراف ،أو النفقات الاستثمارية المرتبطة بظروف ومشاكل تنفيذ المشاريع والعقود الحكومية، فضلا عن ضعف الاهتمام بدراسات الجدوى للمشاريع وتطبيق المواصفات النوعية وفق الاعتبارات والمعايير الاقتصادية المتعلقة بالتكلفة والمنفعة .
يبدو ان نصيب عملية الإصلاح الاقتصادي في موازنة 2023 ومابعدها تشير الى انّ الواقع السياسي والاقتصادي الراهن لا يسـمح بإعادة توصيف دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي وتعزيز المضامين التنموية للموازنة العامة كما انّ ما ستسيرعليه موازنة 2023 ، هو نفس المسارات التي تضمنتها الموازنات السابقة
واســتنادا لما تقدم فانّ اســتمرار وجود هذه الاشــكاليات في اعداد الموازنة وتنفيذها ،سيعطل جهود للإصلاح المالي والاقتصادي والاســتمرار في اضعاف دور الدولة وموازنتها العامة في عملية التنمية الاقتصادية ، فضلا عن تعطيل دور القطاع الخاص في تنمية وتطوير القطاعات الســلعية الإنتاجية ، واســـتمرار اعتماد الأســواق العراقية على السلع والمواد المســتوردة ويبدو واضحا ان هذا هو المطلوب .

  

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

778 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع