جميل صدقي الزهاوي والحياة على الأرض – ١٢ –

                                                 

                            د.عبد يونس لافي

        

جميل صدقي الزهاوي والحياة على الأرض – ١٢ –

يقولُ شاعرُنا الزهاويُّ في وجود الحياة على الارض:

"وأعتقد أنَّ وجودَ الحياةِ على الارض، هو من طبيعة موادِّ الارض، فلم يأتِ إليها محمولًا على ظهر الرُّجُم من عوالمَ أُخَر كما قال احدهم.


والارض كما علمتَ من بعض نظرياتي، لم تكن قد انفصلت عن الشمس، وهي جذوةُ نارٍ حاميةٍ، بل هي في اصلها حجارةٌ باردةٌ كانت تطوف كغيرها حول الشمس منذ ربوات الملايين من السنين، فنمت في كنفها على تعاقب الدهور نموًّا كبيرًا، وأخذ الاثير يجري إلى بواطنها ويرتد في شكل حرارة، كما ألْمَعْنا اليه فيما تقدم، ولم تزلْ هذه الحرارة تزداد بازْدياد نموها لازْدياد جريان الاثير الى جواهرها.

الحياة على الارض، هي اقدم مما يقدِّرُه العلماء بل يلوح لي أنَّ ما نعدُّهُ جامدًا من المادة فوق الارض هو حيٌّ في شكل بسيط جدًّا جدًّا. الحيوان اذا مات يرجع الى الجماد، وذلك فيما يخال لي رجوعٌ الى الحياة الأكثر بساطة.

وما العناصر المختلفة غير تلك الأشكال، ولا جواهرها غير خلايا بسيطةٍ لها (بساطتها بالنسبة الى ما فوقها)، فاذا انهدمت هذه الجواهر، رجعت الى الكترونات هي ابسط من اشكال الجواهر التي اخالها احياء اولية، فهي للجواهر كالبروتبلاسما للخلايا في جسد الحيوان.

وكلما ترقّى الحيوان، كثُر فيه الانقسام في الأعمال. وما الامم إلّا حيوانات ضخمة خلايا اجسادها الأفراد، غير ان انقسام الأعمال في اعضاء هذه الحيوانات لم يزل في بداءته فهو لم يبلغْ بعدُ دقةَ الانقسام في جسد الحيوان الراقي.

والحياة صفةٌ لازمةٌ للمادةِ لا تفارقها إلّا أنَّها تكون في قسم منها بسيطةً وفي آخر مركبة، والمركبة تنحل الى البسيطة، والبسيطة تتركب، وكل ذلك من مفعولات المحيط."

انتهى ما قاله الزهاوي في مخطوطته (المجمل مما أرى).

نقول:
في هذا الطرح يقودنا الرجل الى موضوع شائكٍ تحدث فيه العلماء والفلاسفة منذ القديم ولا اجوبةَ قاطعة.

ان الجزمَ بأنَّ وجودَ الحياة على الارض يتعلق بطبيعة الارض، وأنَّ عناصرَ الحياة لم تأتِ محمولةً على ظهر الرُّجُمِ او الشُّهُبِ الساقطةِ من الفضاء الخارجي، فيه ما يخالف ما شاهده الباحثون في هذا المجال. فلقد عثر العلماء على مكونات أساسية مسؤولة وداخلة في بناء الحمض النووي، كانت تحتويها بعض قطع الشُّهُبِ الساقطةِ على الارض مما جعلهم يخلصون الى أنَّ ما تتطلبه الحياة العضوية من مركبات كيميائية بنائية اصله الفضاء الخارجي.

ومن خلال دراسة مستفيضة للشهب الساقطة في بلدان مختلفة، وجدت مكوناتٌ تدخل في اشكال الحياة المتعددة على الارض، لا بل ان هناك مكوناتٍ تدخل في وحداتٍ بنائيةٍ لا توجد على الارض، مما يجعلنا نعتقد ان هناك حياةً بشكلٍ معيَّنٍ في الفضاء الخارجي، ولسنا الوحيدين في هذا الكون. اذكر هذا اعتمادًا على الإستنباط العلميِّ المدعومِ بالفهم المستنير لمناظير الدين، والفهم اللغوي لبعض الصيغ القرآنية المتعلقة بمفهوم الخلق.

ان قول الزهاوي: ان الارضَ لم تنفصلْ عن الشمس قولٌ صحيحٌ لكنه يحتاج الى ايضاح لا اظن أنَّ الزهاويَّ كان محيطًا به او كان قد اطلع عليه، ولو كان كذلك لأشار اليه، ولا بأس ان نتعرض له هنا إكمالًا وإيضاحًا.

نقول ان هناك نظرياتٍ تحدثت عن نشأة الكواكب بما فيها الارض بعد زمن يقدر بملايين السنين من تكون النظام الشمسي، لكن الباحثين يعتمدون على نموذجين يعتبران الأشهر، احدهما يتعلق بنشاة الكواكب الصخرية ومنها الارض يسمى نموذج التراكم المركزي (The Core Accretion Model)، اما الثاني فيتعلق بنشاة الكواكب الغازية ويسمى:
نموذج عدم استقرارية القرص (The Disk Instability Model).

نموذج التراكم المركزي، وهو الذي يهمنا في هذا المقال لتعلقه بنشأة الأرض يقول انه بعد ان تكوَّن النظام الشمسي وبدأ بالدوران، عانت المواد الداخلة في تركيبه انهيارًا على بعضها البعض تحت تأثير الجاذبية، لتتكون الشمسُ مصحوبةً برياحٍ شمسيةٍ هائلةٍ إزاحت العناصر الخفيفة كالهليوم والهيدروجين بعيدا عنها، مخلِّفةً الموادَّ الصخريَّةَ الثقيلةَ في المناطق القريبة من الشمس حيث تجمعت بمرور الزمن فنشات الكواكب الصخرية ومنها الارض.

وحين يقول أنَّ الحياةَ صفةُ للموجودات، جميع الموجودات، ولكن بدرجات متفاوتة فإن ذلك يعتمد على مفهوم الحياة، فاذا كانت تعني الحركة في جميع اشكالها، فكلُّ موجودٍ هو كما وصفه الزهاوي فلا سكونَ مطلق. إن ما ورد في القرآن من تسبيح الأشياء، كل الأشياء ما يدعم ذلك "(تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا).

لكنا نقول اذا كانت هناك مشترَكاتٌ بين المادة الجامدة والمادة الحية، فإنه ليس كلُّ ما تتمتع به المادة الحية، تتمتع به المادة الجامدة وان وجدت عناصر تشابه بينهما، لكن عناصر الاختلاف تكاد تكون هي الغالبة.

فالمادة الجامدة يمكن اخضاعها للتجربة بحرية من حيث التلاعب بها وتحويلها وتحضيرها تبعًا لما تتطلبه التجربة، اما المادة الحية ففيها عنصر الحياة الذي يكون مرتبطًا ببقية الأجزاء في الجسم ككل، فلا تعطي الحرية للتصرف دون قيود، فاذا خضعت لتجربة ما، أُخِذَ في الاعتبار انها جزء من كل، ولا يمكن تجزئة الكل الحي عمومًا على عكس الجامد الميت الذي لا حباة فيه.

قولنا هذا لا يجعلنا نقول ألّا تشابهَ بين الجامد والحي، فكلاهما يشكلان موجودَيْن من موجودات العالم الملموس، وكلاهما يشغلان حيزًا فيه، وربما يتأثران بالمحيط بل ان بعض ما يحصل في الجسم الحي من عمليات، يمكن اعادة انتاجه مع المادة الجامدة. نخلص الى القول كم من جامد دخل لكي يصبح عنصرًا في بقاء الحي، لكن يبقى الجامد جامدًا، والحيُّ جامدًا تسري فيه الروح (رمز الحياة)، فاذا ما فقد الروح، عاد جامدًا بعد ان كان مادةً وروحًا، وصار مثله مثل بقية الجوامد.

يشبه الزهاوي العناصر الموجودة في الطبيعة وهي جامدة بخلايا حية، ولكن حياتَها بسيطةٌ، اما جواهر هذه العناصر فهي ابسط فاذا انْهدمت، ولم يقل كيف تنهدم، فانها تؤول الى الكترونات، وهذه الالكترونات هي خلايا حية اولية كالبروتبلاسيميا للخلايا الحية. هنا ننبه الى ان البروتبلاسيميا (protoplasm) هي الجزء الحي من الخلية الذي يحتوي على مواد عضوية واخرى غير عضوية ويكون مسؤولًا عن عمليات حيوية متعددة. يبدو ان الزهاوي لم يعرف ان للذرة نواةً فلم يذكرها ولم يصنفها كما صنف الذرة والكتروناتها ولم يعرج الى مصيرها بعد إنهدام الذرة!

يستخدم الزهاوي فيما كتبه تعبير الجوهر، وكما قلنا في حلقات سابقة، انه يعني الذرة وهو مصطلح استخدمه ديمقريطس (Democritus) احد فلاسفة القرن الخامس قبل الميلاد وهو فيلسوف يوناني حينما اعتبر الذرة جوهر كل موجود، وبنيته الاساسية.

فكرة الذرة فكرة فلسفية استخدمها فلاسفة اليونان، واعتبروها البنية الأساسية لعناصر الحقيقة، لكن نظن أنَّ مفهومهم العام لها ليس بالدقيق من الناحية العلمية. ربما كان الزهاوي قد قرأ للفلاسفة اليونان ممن تعاطى مفهوم الذرة فلسفيا.

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

683 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع