الخروج من قصور آيات الله - ثالثا

                                                     

                              نزار السامرائي

الخروج من قصور آيات الله - ثالثا

بعد أن عبرنا الحدود، انتقلنا إلى الجانب الآخر من العالم، عالَم عَصَرنا الشوقُ إلى هوائه ومائه وترابه وناسه، فبدا لي الطريقُ طويلاً جدا وأطول من حقيقته بكثير، لأنني كنت أريد ترك هذا المكان القريب من إيران بأسرع وقت ممكن.

تسلّمنا أفرادٌ من الاستخبارات العسكرية العراقية والانضباط العسكري، عند نقطة الحد الفاصلة بين عالمين في معبر خسروي- المنذرية، بموجب قوائم تم تثبيت الأسماء فيها، كانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر قد جاءت بها للسلطات العراقية المسؤولة قبيل ساعات فقط، بعد حصر العدد والأسماء في قصر شيرين الإيرانية القريبة من الحدود.
بعد أن اكتمل عدد الأسرى جميعا عند باحةٍ قريبةٍ جدا من نقطةِ الحدودِ، ومحاطةٍ بسياجٍ معدني وحراسة مشددة من الجنود العراقيين الذين اشتقنا لرؤية ملابسهم الخاكية، تم نقلنا بحافلات أتعبها الحصارُ الاقتصادي الظالم الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية، عقوبات أملتها على الأسرة الدولية باسم مجلس الأمن الدولي على العراق، بحيث لم يعد لدى العراق فائض من الأموال بالعملة الصعبة عن الحاجة لاستيراد المواد الرئيسة التي لا يستغني عنها الإنسان والمجتمع العراقي، الذي تتصاعد شهيته للاقتناء في أوقات الأزمة، نعم لم يمكن هناك فائض لتحويله لاستيراد الأدوات الاحتياطية لوسائط النقل، على الرغم من أن النقل العام لم يعد ترفا شخصيا أو مجتمعيا بل أصبح أهم قطاع في تنشيط العملية الاقتصادية في كل بلدان العالم، وهكذا أصبح العراق ضحية لحرب مدمرة شنتها ثلاثون دولة في تحالف شرير لم يشهد العالم له مثيلا منذ الحرب العالمية الثانية، ثم حصار شاركت فيه كل دول العالم.
كما إن عدم حرص السواقين على تلك الحافلات أدى إلى تقصير عمرها، طالما أنها تضمن لهم مرتبّاً شهرياً مضموناً وثابتاً، فلا يُهم إن تعطلتْ أو ظلتْ جديدة نظيفة، وهذه صفة إنسانية، ربما لا تستطيع الحكومات مهما امتلكت من مهارات القيادة من خلق الحِرص على المال العام في نفوس أفرادٍ جُبلوا على الشغف بالملكية الخاصة، وعدم الاكتراث لقيمة الممتلكات العامة، ثم إن العراقيين توارثوا نهج الإضرار بأموال الحكومة، لأنهم تعودوا على العيش في كنف حكومات أجنبية لمئات السنين، فأصبح الإضرار بها عملا وطنيا مناهضا للأعداء.
على العموم تحركت بنا الحافلات من المنذرية إلى معسكر جلولاء في محافظة ديالى، ليس بعيدا عن الحدود العراقية الإيرانية التي تمنيت لو أن بين العراق وإيران بعد المشرقين، أو كما قال الفاروق رضي الله عنه وأرضاه (ليت بيني وبين فارس جبلا من نار)، وفي ليلة ممطرة وقارسة البرد أعدّت لنا آمريةُ المعسكر دعوةَ عشاءٍ بائسة لم نرَ فيها روحاً عراقية، تحت مطر ما زال غزيراً وفي حدائق المعسكر ليتحول البرد إلى مطرقة تضربنا بشدة، فيتسلل إلى أضلاع عانت من أسر ظالم طويل وطرق شاقة، بعد اضطرار من أراد تناول الطعام على الجلوس على الأرض.
كانت دعوة العشاء خالية من الذوق وحتى حسن الترتيب المعهود في معسكرات الجيش، وتتجافى مع طبائع الكرم العراقي المشهور، والذي عَبرَ صيتُه الحدودَ من دون استئذان أو جواز سفر وشاع في الآفاق، البخل ليس من تقاليد العراقيين في الشدة والرخاء أو في السعة والضيق، في الغنى والفقر، في استقبال رجال أعطوا وطنهم أغلى ما يملكون، أجمل سنوات عمرهم وأفنوها في معسكرات المعاقبين في إيران من دون رحمة أو إنسانية أو إسلام كما كانوا يزعمون، بل إنها افتقدت نكهة الكرم الذي يتميز به العرب عالميا، تذمّرنا بصمت حزين لهذه الطريقة المؤسفة في استقبال رجال ضحوا من أجل بلدهم وقدموا أثمن ما يملكون من أجله، ولكنهم قدّروا أن ظرف بلدهم لا يسمح له بأكثر مما قدم، لم يشعر أحدنا ذلك اليوم بالجوع، أبدا فالجوع والشبع لم يمر على خاطرنا منذ أن عرفنا أننا عائدون إلى العراق، كيف تجرأ الذين اعدوا الوليمة أن يفعلوا ذلك مع نخبة أضاعت سنوات عمر الشباب؟ وأضاع كثير منهم فرصة بناء أسرة ليصبح خلية نافعة فيه؟ على الرغم من أن أحدا لا يمّنُ على وطنه بتضحية مهما غلا وعلا شأنها، وعلى الرغم من أن الوليمة التي أعدت للأسرى العائدين لا يمكن أن ننظر إليها، ومع عدم حاجتنا إليها باعتبارها وسيلة مناسبة للترحيب بنا، لكننا كنا ننظر إليها على أنها رسالة لنا جعلتنا نتعرف على معاناة شعبنا، جراء العدوان الذي تعرض له وطننا والحصار الظالم الذي فُرض عليه، ولكننا بعد غربة بهذا الطول أملّنا أنفسنا أن تُرحب بنا الجهات الرسمية بطريقة أفضل مما حصل، ولما لم يكن لدى معظمنا رغبة في تناول العشاء على أنغام حفيف الأشجار العارية من الأوراق، وتساقط قطرات المطر على الأرض الغرينية التي حولتها إلى طينية موحلة موحشة، على الرغم من تغليفها بلوح طويل من النايلون، لم يكن أيُّ منّا يشعر بجوع، وكانت أدمغتنا تموج بأسئلة عن موعد السفر إلى بغداد، والرغبة بالوصول إلى مثابات التوزيع فيها على الأحياء السكنية.
أبلَغنا ضباطُ الموقع أن مقار حزب البعث العربي الاشتراكي، في مختلف المدن هي الأماكن التي اختيرت لتلتقي عندها جموع العراقيين لاستقبال أسراهم، وهذه خطوة ذكية ممن ابتدعها لأنها تربط علاقة بين المواطن غير الحزبي والحزب وتوفر فرصة التجمع في مكان واحد أو أماكن معروفة.
بعد أن انتهى القلة من الأسرى من تناول وجبة الدجاج، انتقلنا إلى قاعة فسيحة، فبدأت الإجراءات الإدارية من جانب ضباط الصف الكتبة المكلفين بإعداد القوائم الخاصة بالأسرى، قدّرنا أن الجهة التي استقبلتنا وهي الاستخبارات العسكرية العراقية، وهي التي يفترض أنها تمتلك قاعدة معلومات دقيقة عن معسكرات الأسر في إيران ونوعية نزلائها، حتى في حال تعذر توفر المعلومات عن كل أسير، ومع ذلك فقد قدّرنا أن الأسير العائد إلى وطنه يبقى عالماً مجهولاً تحيط به تساؤلات شتى لحين استكمال التحقيقات الأولية معه من قبل لجان مشتركة، ولكن بعد أن يتم التمييّز بين الخيط الأبيض والخيط الأسود.
الأسرى متلهفون للوصول إلى بيوتهم بأقرب وقت، ولا يتمنون إضافة يوم آخر لما يحملونه من حنين السنين السابقة، نودي على الجميع لتثبيت أسمائهم وعناوينهم ورتبهم ودرجاتهم الحزبية والمنظمات الحزبية التي كانوا يعملون فيها من المدنيين ممن كان منتميا لحزب البعث العربي الاشتراكي، هذا لا يخص العسكريين لأن الحزبي منهم له تنظيماته ضمن المكتب العسكري للحزب ولا يمتلك مكاتب داخل المدن، ومع ذلك فكان على العسكريين إعطاء عنوان المسكن والذي يقع في منطقة ترتبط بمقر حزبي مدني، وتوزع عدد كبير من ضباط الصف الكتبة على عدد من الغرف في المعسكر، وربما كان استعداد المعسكر لهذه المهمة هو الأفضل بين الخدمات التي تلقيناها فيه، وكانوا ينادون علينا تباعا من أجل تثبيت المعلومات ومقارنتها مع القوائم الواردة من الجانب الإيراني.
استعدتُ شيئا من مشاعر الطفولة والصبا والتي عشناها في ماضينا الجميل على مقاعد الدراسة الابتدائية، ومع كل ذكرياته التي لا تغيب شمسها، فقد كان مليئا بالمسرات والمتاعب القديمة والمحببة، كانت هذه المشاعر تتدافع وتدعو كلا منا لأن يتمنى إنجاز مهمة التسجيل لدى الكاتب بأسرع وقت ممكن، وكأنه إن سجل اسمه مبكرا فإنه سيصل بيته قبل غيره، كما أن الجنود كانوا هم أيضا يريدون الفراغ منها ليخلدوا إلى قليل من الراحة، عندما جاء دوري أعطيت المعلومات كاملة، اسمي ووظيفتي التي تركت العراق وأنا أشغلها، ومنطقة السكن التي كنت أقيم فيها وهي منطقة حي العدل في جانب الكرخ، فتم تحديد فرع أبو جعفر المنصور محطة التجمع لنا في بغداد.
بعد استكمال الإجراءات الروتينية في تثبيت أسماء العائدين وتدقيقها مع القوائم التي سلّمها الجانب الإيراني، وبعد أن انتهينا جميعا من تثبيت المعلومات بموجب استمارات ذات طابع أمني، وأن كانت في حقيقتها الأخرى تهدف إلى توزيعنا على مقار الحزب في بغداد، دعينا إلى القاعة الكبيرة حيث ارتقى ضابط كبير منضدة صغيرة كي يراه الجميع، وقدم نفسه قائلا (أنا اللواء حسن الدوري، أرحب بكم وأهنئكم على سلامة العودة إلى وطنكم، ولدي بعض الملاحظات التي أود تزويدكم بها، أولاً إنّ ما بحوزتكم من مال أو أشياء أو هدايا جلبتموها من إيران، فهي لكم وليس من حق أحد أنْ يأخذها منكم أو يأخذ أي شيء منها، تحت أية ذريعة كانت أو لأي سبب، وثانيا لقد أمر السيد الرئيس المهيب الركن صدام حسين بمنح كل أسير مكافأة العودة على النحو التالي، من جندي إلى نائب ضابط درجة أولى داخل، مليون دينار، والضباط من ملازم إلى رائد داخل مليون ونصف مليون دينار، ومن مقدم فأعلى مليوني دينار، أما المدنيّون وأيا كانت صفاتهم فلكل واحد منهم نصف مليون دينار، ولا أريد نقاشا بشأن هذا الموضوع، لأن الأمر لا يعود لي، وها هو القرار بتوقيع السيد الرئيس حفظه الله ورعاه) ثم عرض الأمر الرئاسي علينا.
لم أعد أذكر إن كان اللواء حسن ضابط ركن أم لا؟ كان الرجل بخيلاً جدا في مشاعر الترحيب التي ظننا أننا سنقابل بها حتى عندما قال أرحب وأهنئكم على سلامة العودة، كان وجهه يعبر عن مشاعر أخرى لا تتطابق مع الكلام، ربما ظننت في الماضي أن البخل لا يكون إلا في المال، ولكن تبين لي أن هناك بخلاً أسوأ وأكثر إيلاماً في المشاعر والأحاسيس والعواطف، وهذا أسوأ أنواع البخل، وهو بخلٌ مدّمرٌ للنفوس وليس للجيوب، لا أدري هل كان ذلك جزء من وجاهة الرتبة العسكرية الكبيرة التي كان اللواء الدوري يحملها، والتي لا تسمح له بكثير من الود الظاهر، مع أسرى متهمين بضعف الولاء للوطن، وربما عدم القتال دفاعا عنه حتى الموت، كما يجب عليهم أن يفعلوا بل فضلوا الأسر، على الرغم من أنه يعرف جيدا أن من بين الأسرى من هو أقدم منه في الرتبة العسكرية أو في الدرجة الحزبية، وأنهم ليسوا بحاجة إلى شهادته أو تزكية منه، وربما لو كان هو قد مرّ بتجربة الأسر ما كان ليصمد كما صمد هؤلاء الأسرى، لم نكن نريد منه قصائد المديح أو الهجاء أو يقف فيها على الأطلال، ولكننا كنا نريد منه إشعارنا أن وطننا يبادلنا الحب والشوق، أو أن يقول لنا إن القيادة تهنئكم على العودة بسلامٍ إلى وطنكم وأهلكم الذين افتقدوكم زمنا طويلا، ولكن الرجل لم يشأ فتح نقاش مع أناس يجيدون فن الجدل أفضل منه ومن لم يُحسنه في حياةِ ما قبل الأسر، فقد تعلمه خلال سنوات الأسر وأصبح جزء من شخصية الأسير، التي تجادل في كل شيء، ويبدو أن الضابط الكبير لم يشأ الخوض في قضايا لا يريد الخوض فيها، فهو ضابط كبير ولا يؤمن إلا بإصدار الأوامر والتعامل معها بالسمع والطاعة، على أية حال كنا متعبين جداً ولم يرغب كثير منا في الدخول بنقاش غير مجدٍ مع ضابط كبير.
ثم قال اللواء حسن الدوري بلهجة متعالية على أسرى كان ينظر إليهم بازدراء غير مفهوم الدواعي والأسباب، "منو عنده سؤال؟" رفعت يدي وربما ظن أنني أحمل مطالب شخصية لا حصر لها، ولهذا كان متحفزا إلى حدود بعيدة مع الجميع، لم أكن أول السائلين، هناك من طرح مطالب شخصية، لم يكن الوقت مناسبا لمثل هذه المطالب، غير أننا إذا أردنا إنصاف هؤلاء الرجال بسبب ما عانوه تحت سياط الظلم الإيراني، وسياط الإهمال من جانب وطنهم على ما يظن بعضهم، فقد كان كل منهم يظن أن له حقاً وعليه أن يتمسك به ويدافع عنه، وأن كل واحد منّا عليه أن ينتصف لنفسه مما لحق به من مآسٍ وما لحق بأسرته من معاناة، انتبه اللواء ليدي المرفوعة، فقال بلهجة جافة وآمرة كأي عسكري كبير تفضل، قلت هناك ضابط كان أسيرا معي برتبة نقيب من الدورة الخاصة الثانية اسمه حسين علي هيلان، وهو من تكريت وأظن أنه حديثي، ولكنه سُحب من بيننا منذ عام 1983 وانقطعت أخباره وسمعنا عنه أخبارا متضاربة ولكننا لم نره أبدا، لم يكلف اللواء حسن الدوري نفسه ليستوضح عن جلية الأمر ومعرفة تفاصيل أكثر، ولكنه قال بلهجة مؤسفة "عندنا المعلومات الكاملة عنه"، كنت متأكدا أنه غير دقيق في ما زعمه عن توفر المعلومات لديه، ومع ذلك لم تحبطني إجابته إذ طرحت سؤالا آخر، قلت "وكان معنا أيضا الرائد الركن غضبان مجيد فيصل الانصاري "الخزرجي" وهو من أبناء محافظة ديالى وقد قيل لنا إنه ابن أخ الفريق الركن إبراهيم فيصل الانصاري، وابن عم الفريق الركن نزار الخزرجي، وهو الآخر سُحب منا وانقطعت أخباره أيضا"، لم يجد اللواء حسن الدوري بأساً من أن يكرر جوابه السابق، ربما مع تغييرات طفيفة في نصوصه، أنا أعرف أن ضباط الجيش العراقي لا يفوتهم حمل دفتر وقلم، يسجلون فيه كل التوجيهات والتعليمات والملاحظات التي تمر بهم، وكم كان مقنعا وجميلا لو أنه سجل الاسمين، حتى لو لم يفعل ذلك فعلاً، ولكنه سيكون أكثر اقناعا لنا، أنا وغيري نعرف أن أسيرين من بين عشرات الآلاف من الأسرى العراقيين، لا يمكن أن يخطر على ذهن أي ضابط مهما كانت ذاكرته قوية، أو موقعه العسكري حساسا، وحتى إذا أراد استخراجهما من جهاز الكومبيوتر ربما سيحتاج إلى بضع دقائق، أما أن يكون الجواب حاضرا في ذهنه بهذه السرعة كما فعل اللواء الدوري، فذلك أمر غير قابل للتصديق، لا أدري إذا كان ينظر إلى الأسرى العائدين كقطيع لا يستحق التفرغ لهم بوجهه وكلماته وأجوبته، فلماذا ارتضى لنفسه القيام بمهمة أُولى مستلزماتها رحابة الصدر والقدرة على استيعاب كل ما يُطرح أمامه من وجهات نظر، وبعد هذه السنين ينبغي على عائلتي النقيب حسين علي هيلان والرائد الركن غضبان الخزرجي، متابعة قضيتهما مع اللواء حسن الدوري إن كان ما زال على قيد الحياة، ومطالبته بكشف ما لديه من معلومات عنهما، أو مراجعة دائرة الاستخبارات العسكرية التي تعود للجيش الوطني قبل الاحتلال، للتعرف على طبيعة المعلومات المتوفرة لديها عنهما، لاسيما ونحن وصلتنا أخبار عن استشهادهما تحت التعذيب الوحشي الذي تعرضا له بسبب وظيفتهما العسكرية.

للراغبين الأطلاع على الحلقة السابقة:

https://algardenia.com/maqalat/51143-2021-10-15-11-59-51.html

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

403 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع