بين المِطرقَةِ والسندان ( عِراقياً )

                                                    

                         الدكـتور رعـد البيدر

الخدمةُ بِعَدَدِ سنواتها لا تعني ولا تساوي حصيلة الخبرة وفق معايير ومقاييس المنطق إلا لمن يمتلكها واقعاً وحقيقةً ، وبموجبه فقد تكون خبرة شخص خدَمَ  (10) سنوات في تخصص ما أفضل بكثير من خبرة شخص آخر خدم (20) سنة بنفس التخصص ، اعتماداً على المهارات الفردية وحُب التخصص والتقييم العادل حين يأخذ كُل ذي حق حقه ؛ فيُبدع البعض ويتأخر البعض الآخر حتى يُنهي خدمته دون أن لا يترك في ماضيه الوظيفي الا بصمات الانتقاد ،  بمعنى أن الموضوع في هذا المجال من التقييم والوصف هو نسبي وليس مطلق .

برغم الخلفية الوظيفية من خدمتي كضابط لأكثر من ثلاثة عقود زمنية -  تنوَّع فيها شكل الخدمة بين مُتعلم ومُعلم ، سِلماً وحَرباً ، مُنقاداً وقائداً ، وكأكاديمي – دَرَسْتُ ودَرَّستُ في أرقى المؤسسات العسكرية بالشرق الأوسط " جامعة البكر للدراسات العسكرية العليا " ، مُضافاً لها تخصصي الآخر " دكتوراه في العلاقات الدولية ؛ مع ذلك لا أحَسبُ نفسي من بين المحللين والخبراء الاستراتيجيين أو الأمنيين - الذين تعُجُ ( بهذيانهم ) فضائيات أصحاب السحت والمال الحرام  في ( الدكاكين والأكشاك الاعلامية ) لا سيما في ارتباك وعتمة الظروف التي يُمر بها العراق وما يجاوره من بلدان الإقليم .
 قد أُسَمي نفسي مُهتَماً – مُتابعاً ؛ لأن بلدي مَذبوحاً ويَنزِفُ دونَ ضمادٍ حقيقي أو معالجة شافية . لذا فإن المتابعة من ضرورات الاطلاع على المستجدات في الساحتين الاقليمية والدولية – تماشياً مع رغبة ذاتية ، وأُخرى أكاديمية كوني مُتواصلاً مع مهمة التدريس الجامعي لطلاب الدراسات الاعلامية ومنها ما يتَّصِلُ بإدارة الصراعات والأزمات الداخلية والخارجية ، وبذلك أحسبُ مُتابعة ما يجري جزءًا حيوياً من متطلبات الثقافة العامة للأستاذ الجامعي .

 ظهيرة يوم أمس كنت في زيارةِ أخٍ عزيز تربطني به وشائج أخوَّة  الشعور وليس أخوَّة النسب - التي نشأت وتغذَّت من أيام خدمتنا في المؤسسة العسكرية ، وللأمانة التقييمية فان صاحبي ممن يُشار له ببنان الكفاءة والتمَّكُن من قِبَلِ أهل الضمير حين يُظهرون ، ومن فاقدي الضمير وهم يعلمون ويُضمرون .
تَقَسمَت جلستنا بين إجاباته على نداءات هاتفية مرتبطة بعمله الخاص ، وبين جد الحديث وهزله على ما آلت إليه الأمور في بلدنا ( المُحَرَر من الدكتاتورية والتطهير العرقي ) ، ومشاهدة برامج التلفاز ؛ فإذا بصاحبي يسألني عن مُستضاف ظَهَرَ على أحدى الفضائيات  أُستُضيفَ كمحلل عسكري واستراتيجي – قائلاً هل تعرف هذا ؟.

 بِقدر ما " يتهمني " البعض من قدرتي على التَذَكُر – استرجعت على عُجالة شريط الذكريات ؛ فلم أجد لصورة ( المحلل العسكري الاستراتيجي) مكاناً في مخزون ذاكرتي ؛ فأجبته على الفور " لا - لا أعرفه " . قال : كيف لا تعرفه أنه ضابط الرواتب في المكان الفلاني ، وأكدت له أن الرجُل لم يُصادفني خلال فترة خدمتي .

من أسلوب الإجابات على اسئلة المُضَيِّف وبُعد التخصص عن المُستضاف قيَّمتُ مستوى الاستضافة . في تلك اللحظة وّجَبَ أن أترحم على أموات رواد " النظرية الثقافية في الإعلام "التي تنطلق من كون وسائل الإعلام ماهي إلا وسيلة في يد السلطة للسيطرة على المجتمع ، من أجل تعزيز الوضع القائم سواء من خلال الإعلام ، أو من خلال نشر ثقافة امتثالية.
حينئذ تذكرتُ سؤالاً من أحد اختباراتي القريبة لطلابي بمادة نظريات الإعلام المعاصرة - أوردته للطلبة بالصيغة التالية : ماهي السُبل التي تستند عليها النظرية النقدية في رصد علاقة وسائل الاعلام بالمجتمع ؟.
كان من بين أجابات الطلبة - النص التالي:
رغم أن السُبُل مُتعددة لكنني سأوجز ثلاثة منها - هي :
1.يميل محتوى وسائل الإعلام إلى الترويج لأفكار وتصورات القوى السياسية الحاكمة .
2.وسائل الإعلام هي أداة للصراع الاجتماعي وميدانه الفعلي في ظروف الحداثة والتقدم التقني وامتلاك معظم الأفراد وسيلة استقبال للرسالة الاتصالية عِبرَ وسائل الإعلام ؛ لذا فإن من يسيطر على وسائل الإعلام يستطيع أن يتحكم ويسيطر على السلطة.
3.أن وسائل الإعلام تمتلك وتمارس سلطة ونفوذ كبيرين على المجتمع ، ومن خلالهما تستطيع أن تقوم بدور تضليلي في المجتمع عندما تتمكن من إخفاء مسببات التناقض الحقيقي بين مصالح الفئات الاجتماعية.

ضَرَبتُ الكَفَ بالكَفِ ، وقُلتُ لنفسي ، وأسمعتها لصاحبي :
إذا كانت النقاط الثلاث أعلاه إجابة طالب دراسة أولية في الجامعة ، وهي ليست من اجتهاده وإنما مُستندة على مُقرر دراسي مُدوَّن ومتداول في الكُتُب والمصادر؛ فهل يجهَلها أهل ( الدكاكين ) الإعلامية ، أمْ يتجاهلونها ؟ !!! .
 عندها ضَحَكتُ كثيراً رغم جُروح قلبي المُتأسي على بلدٍ يتخَبَطُ فيهِ كُل مَنْ فيهِ .

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

613 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع