الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - المس بيل وأيامها الأخيرة في بغداد

المس بيل وأيامها الأخيرة في بغداد

         

      المس بيل وأيامها الأخيرة في بغداد

كتب الكثير عن حياة المس بيل، الشخصية البريطانية الشهيرة التي لعبت دوراً كبيراً في الحياة السياسية العراقية منذ الاحتلال البريطاني حتى وفاتها عام 1926 وهذا الدور لايستطيع أحد أن ينكره بل لا يستطيع أحد أن ينسى أن المس بيل أحد الذين وضعوا مستقبل العراق بعد انتهاء العهد العثماني.

ويبدو من رسائلها أن السنة الأخيرة في حياتها شهدت تراجعها التام عن النشاط السياسي، فأكثرت من سفراتها داخل العراق، وبخاصة سفراتها المتكررة لمزرعة الملك في خانقين وهي التي قامت مع زوجة الدكتور سندرسن طبيب العائلة المالكة بتأثيث البيت الملكي في خانقين، وكان اعجابها كبيراً بهذه المزرعة حتى أنها نشرت مقالاً عنها في جريدة الأوقات البغدادية ولم ينقطع اهتمامها بالعشائر وتاريخها، ولعلها وجدت فرصة طيبة لإقامة الشيخ سالم الخيون في بغداد فكانت تقضي بعض اوقاتها تحادث الشيخ عن تاريخ عشيرته وتاريخ منطقته وكان بيت الشيخ سالم الخيون يقع في الكرخ مقابلاً لبناية المجلس النيابي الأولى"مستشفى الغرباء سابقاً"كما أن امتع ساعات يومها كانت تقضيها في دار صبيح نشأت في الاعظمية وكانت تذهب اليها في أيام الحر الشديد، إذ كانت مطلة على دجلة ويقوم امامها شاطئ رملي، فتنزل الى النهر سابحة فيه.

ويبدو أنها ادركت أن فراقها للعراق شيء مستحيل، فقد تكيّفت حياتها مع الحياة في بلاد الرافدين فمنذ البدء أحست بشيء من الود تجاه العراق وأهله غير أن هذا الود تداخل مع الاخلاص لحكومتها وأطماعها في هذه الأرض، كتبت في 26 أيار 1917 تقول:

"إن سروري العظيم في هذه البلاد هو اني أحب الناس حباً جماً، ورغم كل هذا فإنها كانت تصرح لاصدقائها من الانكليز أنها تعد نفسها تلميذة مخلصة لأحد أعمدة الاستعمار في الشرق، اللورد كرومر".

سكنت المس بيل بيتاً بغدادياً مجاوراً لمقر المقيمية البريطانية في محلة السنك يعود للسيد موسى جلبي الباجة جي، أحد اصدقائها المقربين ببغداد، وإن لم تنعم بصداقتها له اذ توفي عام 1919. وقد ذكرت في احدى رسائلها أنه احد الذين تعتمد عليهم في معرفة اتجاهات الرأي العام في القضايا المختلفة كما انها اعتمدت على خادمها الجلبي (فتوحي) في جمع المعلومات من الشوارع والأسواق.
وقد بقيت المس بيل غير متزوجة حتى وفاتها ويبدو أن هذا الأمر مع غربتها الطويلة قد أثرا على صفو حياتها في السنين الاخيرة، وفي تموز 1925 سافرت الى لندن وهي في حالة اعياء تام وتوتر عصبي ونصحها الاطباء في لندن أن تعتني بصحتها وأن لا تعود الى بغداد غير انها أجابت وماذا أفعل في لندن؟ واقترح أهلها أن ترشح نفسها للانتخابات البرلمانية هناك غير أنها رفضت بشدة وأبدت كرهاً للعمل السياسي وعادت الى بغداد.
لقد أحست المس بيل في ايامها الأخيرة بتوتر عصبي وكسل واضح أدى الى عدم اهتمامها بأعمال وظيفتها السكرتير الشرفي للمندوب السامي. فزادت مع الايام من الزيارات الخاصة ولاسيما زيارة نساء العائلة المالكة اللواتي وصلن من عمان مع خدمهن بعد انتهاء الحكم الشريفي للحجاز.
قضت غيرترود بيل في العراق عشر سنوات كاملات لم تقطعها سوى ثلاث اجازات قصيرة في اوروبا وانكلترا، وبلغت الثامنة والخمسين من عمرها وهي في عمل دائب، وحركة لا تنقطع، مما استنفد رصيدها من القوة الجسمية، وكان الأطباء قد نصحوها بعدم قضاء صيف آخر في بغداد، ولكنها رفضت مغادرة العراق حتى تنتهي من تأسيس المتحف.

كتبت الى ذويها في 26/أيار 1926 تقول والذي افكر في عمله الآن هو أن ابقى مع المندوب السامي حتى يعود برتارد في الخريف وعند ذاك أقدم استقالتي وأطلب من الحكومة العراقية أن تستخدمني مديرة للآثار القديمة لمدة ستة أشهر أو ما يقرب من ذلك. وسوف لا ابقى اكثر من هذا بأي حال من الاحوال مع المندوب السامي، فالحقيقة هي أن شغلي قد انتهى. أضف الى هذا أن دائرة الآثار القديمة قد اصبحت ادارتها تستدعي مني اشتغالاً كاملاً في المكتب.
وفي مساء الأحد، 11 تموز (يوليو) آوت الى فراشها وطلبت الى خادمتها (ماري) أن توقظها في السادسة صباحاً. وكانت (ماري)، كسائر المحيطين بغيرترود، قلقة على صحتها، فتسللت الى غرفتها ليلاً لتطمئن عليها فوجدتها على ما يرام. ولكنها حين دخلت لايقاظها في السادسة صباحاً كانت غيرترود في رقدة أبدية. وعلم فيما بعد انها تناولت جرعة كبيرة من حبوب منومة تدعي Dial حسبما كتب الدكتور دنلوب مدير المستشفى الملكي في بغداد، في تقريره عن وفاتها. وكانت وفاتها قبل يومين من عيد ميلادها الثامن والخمسين.
جرى للمس بيل في اليوم التالي تشييع رسمي حضره الملك علي مندوباً عن أخيه الملك فيصل الأول، والمعتمد السامي البريطاني، ورئيس الوزراء عبد المحسن السعدون، والوزراء، ورئيس المجلس النيابي، وعدد كبير من الأعيان والنواب والوجهاء والمستشارين البريطانيين ودفنت في مقبرة المسيحيين الأرمن الكائنة في الجانب الشرقي من بغداد (ساحة الطيران الحالية).

             


تـبـنّـت الـمـس غيرتـرود بـيـل مـنـذ عـام 1923 مـشـروع تـأسـيـس مـتـحـف وطـني عـراقي لـحـفـظ الـمـجـمـوعـات الأثـريـة الّـتي تـراكـمـت عـامـاً بـعـد عـام في قـاعـات الـسّـراي الـقـديـمـة. وشُـيّـدت لـه بـنـايـة في مـنـطـقـة"عـلاوي الـحـلّـة".
وفـتـح الـمـتـحـف، الّـذي سـمّي بـالـمـتـحـف الـعـراقي، أبـوابـه لـلـزوّار في حـزيـران 1926.
قـد نـصـبـت في ذكـراهـا، في مـدخـل الـمـتـحـف الـعـراقي، لـوحـة مـن الـبـرونـز فـوقـهـا تـمـثـال نـصـفي لـهـا. وعـلى الـلـوحـة نـصّ بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة في نـصـفـهـا الأيـسـر، وتـرجـمـتـه إلى الـلـغـة الـعـربـيـة في الـنّـصـف الأيـمـن. والـتّـمـثـال الـبـرونـزي بـالـحـجـم الـطّـبـيـعي، لا نـعـرف اسـم نـحّـاتـه مـعـرفـة أكـيـدة. ونـعـرف مـن الّـنّـصّ الـمـنـقـوش عـلى الـلـوحـة الـبـرونـزيـة أنّ أصـدقـاء الـمـس بـيـل هـم الّـذيـن أقـامـوه"بـإذن مـن الـمـلـك والـحـكـومـة". ويـبـدو لـنـا مـنـطـقـيـاً أنّـهـم اخـتـاروا نـحّـاتـاً بـريـطـانـيـاً لـتـنـفّـيـذه.
ولـكـن يـذكـر الـبـعـض أنّ الـمـلـك فـيـصـل هـو الّـذي طـلـب نـحـتـه، وأنّـه كـلّـف بـهـذه الـمـهـمـة الـنّـحّـات الإيـطـالي بـيـتـرو كـانـونـيـكـاPietro CANONICA الّـذي نـفّـذ بـعـد ذلـك، في عـام 1933 تـمـثـالاً مـن الـصّـخـر لـلـمـلـك فـيـصـل بـالـمـلابـس الـعـربـيـة مـمـتـطـيـاً صـهـوة حـصـانـه، وتـمـثـالاً بـرونـزيـاً لـمـحـسـن الـسّــعـدون. وهـذا يـنـاقـض مـا جـاء في نـصّ الـلـوحـة الّـتي تـصـاحـب الـتّـمـثـال، كـمـا سـبـق أن رأيـنـا.
عـلى الـلـوحـة، كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا، نـصّ بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة في نـصـفـهـا الأيـسـر، وتـرجـمـتـه إلى الـلـغـة الـعـربـيـة في الـنّـصـف الأيـمـن.ونـقـرأ تـرجـمـتـه (الـتّـقـريـبـيـة) إلى الـعـربـيـة عـلى الـيـمـيـن :
“كـرتـرود بـيـل الـتي لـذكـرهـا عـنـد الـعـرب كـل إجـلال وعـطـف
أسـسـت هـذا الـمـتـحـف سـنـة 1923
بـصـفـتـهـا الـمـديـرة الـفـخـريـة لـلـعـاديـات في الـعـراق
وجـمـعـت الأشـيـاء الـثـمـيـنـة الـتي يـحـتـويـهـا
بـإخـلاص وعـلـم دقـيـق
واشـتـغـلـت بـهـا مـدى حـر الـصـيـف إلى يـوم وفـاتـهـا
في 12 تـمـوز سـنـة 1926
الـمـلـك فـيـصـل وحـكـومـة الـعـراق
قـد أمـرا لـهـا شـكـراً عـلى أعـمـالـهـا الـكـبـيـرة في هـذه الـبـلاد
بـأن يـكـون الـجـنـاح الـرئـيـسي بـاسـمـهـا وبـإذن مـنـهـمـا
قـد أقـام أصـدقـاؤهـا هـذه الـلـوحـة".

إعداد: ذاكرة عراقية

    

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

399 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع