الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - رواية - حفل رئاسي - الموت اغتصابا

رواية - حفل رئاسي - الموت اغتصابا

       

                 الموت اغتصابا

   

   

جلس سرمد مع رفاق الزنزانة، يحكي قصة الموت، التي حدثت بين يديه في الأمس، فهو أكثر من غيره دراية بقصص الموت، والطرق المتبعة للإماتة، في هذا القاطع الرهيب من سجن أبو غريب، بحكم وظيفته في المطبخ الخاص بالخفراء وتنظيف مهاجعهم. استهل القصة بالقول أن منعم هادي الذي مات قبل أسبوعين، أعطيَّ حبة جديدة تم تجريبها أول مرة، ومات علي جعفر ظهر أمس، الذي يعد اليوم الأخير من شهر تموز 1980 بنفس الطريقة، قال عنه يوماً مشؤوماً، مات في آخر ساعاته عبد النافع حميدي بطريقة أخرى، لاحظ هو بعض مشاهدها، وروى أخرى كريم عندما أعاده الى القاطع في آخر النهار... مشاهد تقشعر لها الأبدان. 

وما الفرق بين هذه الطريقة وتلك؟، قال عزام.
أجابه أن الفرق يا سيدي بالألم الحاصل، وباللحظات التي تمر ثقيلة بانتظار الموت.
الحبوب الجديدة، يقول عنها كريم، تحدث صداعاً في الرأس، لا يتحمله الإنسان، وألم بالمفاصل كذلك لا يطاق، واضطراب في نبض القلب يتلف عضلاته، يتوقف بعدها عمل الأعضاء الهامة في الجسم بالتدريج، فتزيد شدة الألم، ومع هذا قال، أن ألم الموت بالنسبة الى عبد النافع، أشد ايلاماً من كل أشكال الموت، سأرويه لكم كما رأيته بنفسي، وكما روى لي كريم بعض من تفاصيله، عندما قال:
لقد جاءنا تلفون من لامع مع بداية الصباح، طلب إحضار عبد النافع الى الجهاز على الفور، لم نجد لباساً يغطي جسمه الذي أصبح هيكلاً عظمياً، يكسوه جلد ناشف، سوى بدلة سفاري، رثة لونها كلون التراب من كثر الاستعمال، رائحتها أقرب الى عفن البصل، تُشم من بعيد.
لقد التهمته البدلة في جوفها الواسع، جعلته أقرب الى مهرج في سيرك فاشل منه الى انسان.
دخل حليم على الخط مقاطعاً بقوله، أسفي على عبد النافع، الضابط المتفوق في الدورات العسكرية جميعها، الذي أشاد به وحيداً من باقي الضباط الموفدين، وزير الدفاع السوفياتي، يوم حضر توزيع شهادات التقدير لخريجي أكاديمية فرونزا، إذ قال عبارته المشهورة "تفتخر وتعتز كلية الاركان السوفيتية العليا، أن يكون أحد تلامذتها، الرائد الركن عبد النافع حميدي، لقد كان تلميذاً متميزاً حقاً، وليس هو الوحيد الذي أستفاد من الكلية، إنما كلية الاركان السوفيتية العليا هي الأخرى قد أستفادت، من الآراء التي كان يطرحها اثناء المناقشات".
توقف طارق عند العبارة المذكورة للوزير السوفيتي، التفت الى حليم الذي يجلس الى جانبه من دون وعي منه قائلاً، أن عبد النافع لم يكن هو المسجون الوحيد في مجموعتنا، الذي حل أولاً في الدورات الخارجية، كان سرمد هو الآخر جاء أولاً في دورة الاركان المشتركة بكامبرلي، وأنت كذلك كنت من الأوائل، ألم يكن هذا غريباً؟.
استجاب حليم الى هذا السؤال، وكأنه أفاق من غفوة عابرة، فسأل عن القصد؟.
ان القصد، هو أنهم اختاروا النخبة في كل شيء، وضعوهم في السجن ليميتوهم عمداً أو ليوقعوهم في بحور الجنون> قالها طارق بألم.
توقفوا جميعاً عن الكلام عند مقطع النخبة، والاختيار والاماتة، كأنهم متفقون لاعطاء المجال الى سرمد ليكمل حديثه، فقال:
لقد سار عبد النافع ويداه على السروال، يحاول تثبيته على الخصر، بعد كل مرة ينزل فيها دون استئذان، نظر الى السيارة المضللة من الباب الخارجية للقاطع، التي فتحت تواً، والى حراس جدد فاقشعر جلده المتيبس من الرعب، كأنها سيارة موتى خصصت لنقل المجهولين.
ابتلعته السيارة بثوان معدودات، ظن وهو يهم بالصعود اليها، أنه منقول الى ساحة إعدام لا محالة، ولما لفضته خارجاً من جوفها المعتم، وسط بناية مكتظة بالعسكر والمدنيين، ظن أن الموت قريباً لا محالة.
أدخله كريم الى الغرفة المطلوبة، بعد أن طلب منه، الابقاء على حياته واعياُ حتى اكتمال المشهد المرسوم. كانت الغرفة مزججة تشرف على أخرى أوسع منها بقليل، دُفع عبد النافع الى وسطها مصحوباً بسيل من السباب، رأى من خلف الزجاج شابة تجلس على سرير حديدي، رأسها قد أختفى بين يديها، وتكور على بطنها، بوضعية طفل داخل رحم أم، تقاوم آلام الولادة قبل الأوان.
حملقَ بها، شاهد أحد يقترب منها، رفعت يديها في محاولة منها أن تستر شيئا من حالها، ومن جانبه أقترب هو من الزجاج، وضع كلتا عينيه بين كفيه الملتصقتين بالزجاج، لم يصدق ما يراه، كأنه يعرفها، هي تلك السمراء الجميلة، بطولها الفارع وعينيها الواسعتين الساحرتين، تذكر كيف كان يُشبههما في أوقات اللقاء معها، بعيني المها الأصيلة.
حاول التأكد من شخصها، فرك عينيه ثم أعاد فركها من جديد، هي ذاتها سمية التي أحبها عشقاً شبهه الاصدقاء بعشق مجنون الى ليلى، الخطيبة التي لم يودعها قبل الحشر في واقعة المؤامرة من أشهر مضت.
سأل نفسه، ما الذي أتى بها الى هنا؟، وهل يعقل أنها، متهمة بالمشاركة في المؤامرة أيضا؟. فأجاب نفسه مرعوباً، لا يعقل هذا، فالمتهمون ضباط حزبيون برتب عالية، وسياسيون بدرجات وظيفية وحزبية متقدمة، مطلوب تدجينهم، أما هي فقد تركها مجرد مؤيدة في الحزب، مبتدئة لا تستهويها السياسة.
عاد الى الوراء خطوة، سعياً منه لاستعادة قدرته على التركيز.
اقترب من الزجاج ثانية، التصق به، ضربه بشدة، كمن يريد أثارة الانتباه. فشل في تحقيق الغاية لأن الزجاج من النوع السميك المضاد للكسر. بقيت هي على جلستها المكورة، في محاولة منها المحافظة على عذريتها المهددة، أو إنها هكذا تعيش صدمة الحبس، وذهول التعامل الفض منذ خطفها، وهي في الطريق الى جامعة بغداد، التي تعمل فيها معيدة، بعد تخرجها الاولى في قسم الفيزياء.
يدخله الفشل في دوامة الأسى واللوم والتسبيب.
وهو غاط في هذه الدوامة، تنبه الى شخصين دخلا يكلمانها بحركات توحي، وكأن كلامهما تهديد.
لا يسمع شيئا من هذا التهديد.
لا يفهم من الايماءات الحاصلة الا التهديد.
وأخيراً تحولت الايماءات الى حركات، أبدت فيها مقاومة لشيء ما.
إنها تقاوم وهم مستمرون في محاولة مدها على السرير، زادت المقاومة شراسة، فزاد تعاونهما على تمزيق قميصها الحريري الابيض، ولما تمزق تماماً، تحرك جسمها الطري بغير انتظام معبراً عن خليط بين التوسل والاحتجاج. سحب أحدهما حمالة الصدر، المطرزة باللون الاسود بشراسة ذئب جائع، فجاءت بيديه المكسيتان بالشعر الكث، تاركة خطوط حمراء على الكتفين الممتلئتين، جعلاها تهوى من على السرير، وعندما نهضت ساعية الى الهروب، وجدت نفسها ملتصقة بالحائط المدهون باللون البنفسجي، تغطي صدرها العاري بيديها الناعمتين.
تركت دموعها تنزل متوسلة بالتوقف عند هذا الحد، وتركوا هم لأنفسهم التمتع بدموعها ومقاومتها التي ضعفت بالتدريج، وعند التأكد من حصول حالة الضعف الواهن، هجما معاً على النصف الثاني من الجسم المغطى "بتنورة" رصاصية.
حاولت حماية نفسها بالدخول تحت السرير، لم يغيثها السرير، ولم ينفعها الصراخ في غرفة معزول عنها الصوت.
أخرجاها عارية الا من لباس داخلي.
ترتجف من شدة الحياء.
تصرخ من خدش الحياء.
وقعت بطولها على البلاط، ضربته بكلتا يديها الناعمتين، كأنها تتوسل الارض التي تحته أملاً في ابتلاعها.
لكن هذه البقعة من الارض ملوثة بآثام الانسان، لا تبتلع من يستغيث بها، ولم تبتلع من مر عليها من قبل.
حملاها بلا لباس داخلي، باتت عارية تماماً تتخبط في محاولاتها لتغطية الجسم، ومن شدة تخبطها، أخذت تضع يديها مرة على صدرها، ومرة هنا وأخرى هناك، ولما أحست عدم جدوى الستر، شدت شعرها، لطمت وجهها الذي تورم من تدفق الدم اليه، ومن شدة البكاء.
سِترها الوحيد عقل توقف عن التفكير، بإغماءة أفقدتها الوعي. وخطوتهم فيما بعده، ممارسة الجنس مع جثة مسجاة على الأرض، هامدة بلا حراك.
في الغرفة الثانية بات عبد النافع يتحرك، مثل شخص مجنون، يهيم في شوارع تعوي فيها الكلاب، يتألم مثلها من عض الكلاب، يقلد حركاتها، يضرب رأسه بالحائط مثلها، فترك أثراً من الدم، حتى أصبح الحائط مكسواً، ببقع منه حمراء مسودة.
حملاها الى السرير جسداً بلا روح، كررا ممارسة الرذيلة، واحداً بعد الآخر مع ذلك الجسد المنزوع الروح.
صرخ عبد النافع في مكانه، بكي بألم، ضحك باستهتار، تحول احتجاجه الى كلام غير مترابط، كأنه هو الآخر فقد العقل الذي أشاد به الروس عبقرياً من سنوات.
أعيد الى زنزانته في أبو غريب، جسم يتحرك بلا إحساس، كأنه شبح انسان، تيبست بقايا دماء على شعر كساه الشيب مبكراً، بات يردد كلمات، ومصطلحات عسكرية لا علاقة لها بالحال.
لقد أعادوه مساءً، قال سرمد وعيناه تذرفان الدمع وأكمل، كنت ساعتها أنظف غرفة الخفر، فكلفني كريم ايصاله الى الزنزانة، سألته عن غيابه، فذكر بعض من اللقطات التي شاهدها حية، وقليل مما جرى بشكل غير مترابط.
قال إنها غابت ميتة، لم يذكرها بالاسم، ثم وبعد قليل مما ذكره قال أنه قد التقى أباه، فقلت له لكن أباك توفي قبل سنة من دخولك السجن، وأنا حضرت فاتحته، فاتهمني بالكذب وعدم الدراية بما يجري في هذه الدنيا، وأتهمني أيضاً، بأني الشخص الذي أوشى به، وتسبب في مجيئه الى هذا المكان، دخل في نوبة بكاء شديد، أعقبها بأخرى ضحك باهت.
أحسست لحظتها بجرح في داخلي ملتهب.
حرارة امتدت من عينيَّ نزولاً الى أخمص القدمين، صَعَدت ثانية الى القلب المتورم وهو يتفحص هذا الصديق الذي جن.
ألقيت عليه النظرة الأخيرة متيقناً، من موته بعد ساعات، تأسفت على نهاية صداقة دامت منذ الكلية العسكرية، التي كنا فيها طالبان يتنافسان على المركز الأول، وكيف ظفر هذا الصديق المتفوق بالمركز الأول، وباركت له ظفره باعتزاز.
في ذلك الوقت من الليل عدت الى كريم، متوسلاً بقائي معه في الزنزانة، لأنه يحتضر، فعدت اليه، وبقيت عنده، لم يعد عارفاً بيّ، ولا حتى بنفسه، لقد مات عقله أولاً من هول الصدمة التي تسببها أغتصاب خطيبته الميتة، ومن بعدها، وقبل خمسة دقائق من أنتصاف الليل أسلم الروح، فأكتمل العدد المطلوب إماتتهم لهذا الشهر ثلاثة مطلوبين.

للراغبين الأطلاع على الحلقة السابقة:

https://algardenia.com/2014-04-04-19-52-20/thaqafawaadab/39366-2019-03-14-07-35-14.html

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

632 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع