عالم مع متاعب أقل

                                           

                       نزار السامرائي

عالم مع متاعب أقل

مع كل سنة يقطعها الإنسان من عمره يُودع هموماً ليستقبل هموماً من طراز جديد، تلعب به عوامل تطور الوعي أو زيادة العمر، مع دخول عوامل جديدة على حياته لترسم معالم شخصيته وسلوكه وتُرمم ما تصدع منها، وخاصة ما يتعلق بالعواطف الإنسانية، لكن مثل هذه التبدلات بقدر ما تشعر الإنسان بالانتقال من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشباب والرجولة، فإنها تتركه يسبح في عالم ملئ بالخيال ويحلق في عوالم بعيدة.

بعد شفائي التام من حادثة انقلاب السيارة، وبعد وفاة جدتي لأمي رحمها الله ومغادرة أم عوف للمستشفى، فوجئنا بمجيء أمي إلى بغداد وقد جلبت أخي مأمون الذي لم أكن قد رأيته من قبل، وهو في حالة صحية رديئة جدا، وتجددت مخاوفها من أن يلتحق مأمون وهو الضيف بعد أربع فتيات بالسابقين، حمدت الله أنني لم أكن معهم في سامراء وأنه ليس بعدي بتسلسل الولادات بل بعد أربع أخوات واحدة منهن رحلت ولم تتجه الأنظار إلي ولم تشر إلي أصابع الاتهام، فشقيقتي ميعاد رحمها الله التي توفيت خلال وجودي في طويبة، جاءت إلى الدنيا بعد شقيقتين، لكن أحدا لم يفكر باستعمال سلاح البيض في طرد الشؤم من العائلة.
بمجرد وصول أمي ومأمون وفَحَصه عمي شامل أمرْ بنقله إلى المستشفى فورا لأن حالته على غير ما يرام، هذا القرار أفزع أمي كثيرا وراحت تتساءل مع نفسها عن عدد القرابين التي كُتب عليها أن تقدمها كي يذهب النحس عن ذريتها أي كسر سبع بيضات في جبين أحد الأبناء، هذه المعتقدات التي طبعت سلوك الكثيرين من العراقيين وخاصة القرويين منهم سيطرت على مدارك أمي نتيجة تكرار الحديث فيها، ربما كنت آخر من استخدم ضده هذا السلاح الفتاك، أو بلغة العقود الأخيرة سلاح التدمير الشامل، ترى كم نحن بحاجة أن نتفوق على أنفسنا وتقاليدنا التي لا تمت إلى الإسلام بصلة.
نقلنا مأمون إلى مستشفى دار السلام التي كانت من المستشفيات الأهلية الراقية، ومن فورهم أمر الأطباء بوضعه في حجرة زجاجية مشبعة بالأوكسجين لأن مأمون كان يعاني من مشاكل حادة في الجهاز التنفسي، وأخطر ما في المشهد أن الأطباء منعونا بمن فيهم أمي من البقاء في المستشفى، فعاشت أجواء قاتلة من القلق مع حزمة غير نهائية من الأسئلة كانت تطرحها أمي بلا توقف، هل نسوه في هذا الصندوق؟ وماذا سيأكل وهل يقدمون له "الممة"؟ ومتى يسمحون لها برؤيته، كان وجودها معنا مثار قلق لنا أيضا وطالما رأيتها توصل ليلها بنهارها وهي تدعو بشفائه، وهي في هذه الحال أخذني الفضول لأسألها، "يوم" هكذا كنا نطلق على أمهاتنا قبل اختراع كلمة ماما أو بابا، هل كنتِ قلقة علي بنفس درجة قلقك على مأمون عندما كنت في مستشفى الكاظمية؟ لم تجب لكنها قالت "نزار ما تبطل سوالفك" لا أدري لِمَ لَمْ اتحرر من عقد الماضي؟ كان عمي شامل يتابع أخبار مأمون باستمرار، وكان في كل يوم يأتي لها بأخبار مطمئنة ولكن من دون أن تشعر براحة حقيقية، قالت لي اريد الذهاب إلى المستشفى، وقالت بيأس لو كنت أعرف طريقها ما وجدني أحد هنا ومأمون فيها، وأخذتني إلى المستشفى معها ولما لم يسمحوا لها برؤية مأمون ازداد قلقها وتوسلت بهم أن تراه عن بُعد ولكنهم رفضوا طلبها أيضا مما فاقم من قلقها، عندما عدنا إلى المنزل وعلم عمي شامل بذهابنا انزعج وقال لها "أم نزار انتبهي هذه أفضل مستشفى في بغداد وهم وحدهم الذين يقررون إجراءات زيارة المرضى، ولا يستطيع أحد أن يؤثر عليهم".
كان عمي شامل بعد أن أنهى خدمته العسكرية كضابط احتياط في مستشفى الرشيد العسكري، تحول إلى طبيب في وزارة الصحة وتم تنسيبه إلى مستشفى الكاظمية الملكي، وبعدها نُقلت خدماته إلى وظيفة مدرس في دار المعلمين العالية "كلية التربية" فيما بعد، ولهذا لم يتمكن من مواكبة الحالة الصحية لمأمون وكنت أراه قلقا بقدر قلق أمي لأنه يعرف معاناتها السابقة، وبعد مدة اتصل بالمستشفى وأخبروه بأن مأمون قد شُفي ولكنه سيبقى بحاجة إلى تغذية خاصة مع أنواع متعددة من الأدوية لاستكمال العلاج في البيت، وقالوا إن العلاج يجب أن يترافق مع تناول البرتقال خاصة، كان الفصل صيفا ولا وجود للبرتقال في بغداد في ذلك الوقت باستثناء محل واحد في ساحة الملك فيصل في الصالحية ويحمل اسم الفراتي، كلفني عمي شامل بالذهاب إليه لشراء ما موجود هناك، أخذت "البايسكل" أي الدراجة الهوائية فلم أجد عنده إلا سبع برتقالات ثمنها 350 فلسا، وأعرف أن صاحب هذا المحل إن ساومه أحدّ فإنه يرفع السعر، ولهذا سألته بكم البرتقالة " كان البرتقال يباع في العراق بالعدد وليس بالوزن، قال لي بثمانين فلسا، ولأنك لم تعامل فسأحسبها لك بسبعين، فاشتريتها وشعرت أنني قد حققت انجازا تجاريا نادرا، والآن هل بإمكان أحد أن يتصور ما هي قيمة البرتقالة الواحدة في صيف عام 1955 مقارنة بالوقت الحاضر، أو حتى عام 1970 عندما كانت البرتقالة الواحدة بعشرة فلوس، عام 1971 على ما أظن صدر أمر ببيع الفواكه بالوزن شأنها شأن الخضار؟.
مرت الأيام وبدأ استملاك العقارات الواقعة على الجهة اليسرى من الشارع الرابط بين جسر الملكة عالية ومعسكر الوشاش، وكان بيتنا من بين البيوت التي تم استملاكها إذ شُملت "بالكص" أي القص ومعناه تهديم الدور لفتح طريق أوسع، فانتقلنا إلى البيت الجديد في كرادة مريم أيضا وهو أقرب إلى البلاط الملكي من بيتنا القديم، الذي شعرت بحزن لفراقه، ففيه حديقة رائعة ولي فيه ذكريات حلوة ومرّة من غير الممكن نسيانها.
وودعنا عام 1955 بعد أن شُفي أخي مأمون من مرضه وعادت أمي به إلى سامراء، لا أدري لماذا تتجدد الأحزان عندما تألف عزيزا ثم تفارقه مرة أخرى؟ في كل مرة كنت فيها أرى أبي أو أمي أعيش بينهما وكأنني لم أفارقهما لحظة واحدة، وعندما أفارقهما تمطر فوق رأسي كل غيوم الأحزان وأبدأ صفحة من الصبر والتحمل والمطاولة، وأقول في نفسي "لماذا تأتيان أمن أجل تعذيبي؟"، كم تمنيت أن يكون لقاؤنا دائما وكذلك فراقنا أبديا، ولكن لا هذا ولا ذاك قد تحقق لي، ومع أنني اليوم أقترب من الثامنة والسبعين فإنني أشعر بأنني ما أخذت حقي من حبهما وحنانهما والعيش بينهما بسبب تعودي على العيش في بغداد وذلك عندما ابتنيت بيتا في حي العدل ببغداد ثم بعد ذلك عملت في المغرب ثلاث سنوات وأخيرا من أسر لعشرين سنة عندما عدت من الأسر عام 2002 كانا قد رحلا إلى رب غفور رحيم، وربما كان هذا الشعور الذي يدفعني بقوة للتفكير بأنني أعيش فراغا عاطفيا هائلا لم يتم ملؤه حتى اليوم، إذ كنت اتقلب من حب إلى آخر لزمن ليس بالقصير.
بسبب ما عانيته من اضطرابات عاطفية، بدأت أفكر بأنني لا يمكن أن استمر بمدرسة أهلية للبنين والبنات، بل شعرت بشيء من العيب من ذكر اسم مدرستي، إذ سيطر على عقلي هاجس بأن المدارس المختلطة هي للأطفال فقط وليست للكبار، حاولت إقناع أعمامي بما أريد، ولكنهم رفضوا بادئ الأمر مجرد التفكير بهذا الخيار، ولكن مع عنادي القديم وإصراري المكتسب لم يدع لأعمامي هامشا من الرفض، حينذاك كنت قد نجحت من الصف الخامس الابتدائي إلى الصف السادس، فذهبت إلى مدرسة كرادة مريم الابتدائية الأولى للبنين، وتقع على كورنيش غير نافذ على نهر دجلة في جانب الكرخ، وقريبة من دور عدد من السياسيين العراقيين مثل منزل كامل الجادرجي القديم ومنزل الدكتور محمد الجلبي وزير الصحة في حقبة عبد الكريم قاسم، وجاء مباشرة بعد استقالة الدكتور محمد صالح محمود من منصبه، وعلى مسافة من المدرسة منزل السيد عبد العزيز القصاب السياسي المعروف خلال العهد الملكي.
بدأت الدراسة في مدرسة كرادة مريم الرسمية الأولى للبنين، كان مديرها الحاج ناجي البزاز، ومعلم اللغة الانكليزية هو الاستاذ حامد أما معلم اللغة العربية فهو الاستاذ جابر وآسف لأنني لم أعد أذكر أسميهما بالكامل ولا أسماء بقية المعلمين فأنا لم أشعر بتعاطف مع هذه الأسرة التعليمية، منذ الأيام الأولى أحسست بغربة جديدة في هذا الوسط، ورأيت التلاميذ من مختلف الشرائح الاجتماعية وانسجمت مع عدد محدود جدا منهم، ولا أظن أنني شعرت بهذا الشعور لهذه العلة فقط، فأنا اتحمل جزءً كبيرا منها والباقي يقع على عاتق المعلمين وخاصة طريقة تعاملهم مع الطلبة وخاصة اللجوء إلى الشدة والعنف بما ذلك الضرب باليد والعصي والشتائم، أما زملائي التلاميذ فيتحملون شطرا مهما من أسلوب المعلمين، حتى بدأ المعلمون ينظرون نظرة واحدة إلى الجميع فيأخذون المقصر في واجبه مع المتفوق فالكل أمام المعلم سواء وهذا خلل تربوي لو قارنته بما كان يحصل في مدرسة دار السلام الأهلية، أو مدرسة عكاب "عُقاب" في طويبة لما حصلت مدرسة كرادة مريم على نقطة واحدة من الألف، بسبب هذه الأجواء التربوية الرديئة حكمتُ على نفسي بأنني راسب في الصف السادس لا محالة، فلا أنا اندمجت مع الأجواء الجديدة ولا الوسط التعليمي أو الطلابي استوعبني، نعم انشغلت بلعب كرة تنس الطاولة وأحببتها حتى أنستني دروسي وجلبت لي غضب الإدارة والمعلمين بسبب تأثيرها المؤكد على متابعة الدروس، وعلى الطلاب الذين كنت اكسب اللعب معهم، حتى صار التفوق في هذه اللعبة أهم عندي من الدروس والمعلمين، وعندما جاءت نتائج القبول في الدخول لامتحان البكالوريا للصف السادس الابتدائي، وجدت أنني حرمت من تأدية الامتحان الوزاري، وقطعا هذا الأمر يرتبط برغبة المعلمين في الظهور بمظهر الناجح في تدريسه، وهذا يعود إلى أن وزارة المعارف وفيما بعد وزارات التربية لا تنظر إلى عدد طلاب الصفوف المنتهية في المدرسة والذين لم يدخلوا البكالوريا لإعطاء درجات التقييم للمعلم، بل تحسب عدد الداخلين للامتحان الوزاري فقط وتحسب نسبة النجاح بينهم، ولو رجعتْ الوزارة إلى أرقام التلاميذ كلهم لوجدَ كثيرٌ من المعلمين أنفسهم خارج التقييم الإيجابي، كان المعلمون والمدرسون يحرصون على كتب الشكر التي تأتيهم من مديريات المعارف لتعلقها بدرجات الترقية أو احتمالات النقل إلى أماكن بعيدة عن سكناهم، ولهذا لا يجازفون بإدخال من يظنون أنه قد لا يجتاز الامتحان الوزاري، وهذا ما أراه خسارة جسيمة للطلبة وللاقتصاد الوطني أيضا.
عندما عرفتُ بالنتيجة التي لا أراها عادلة 100%، بل لعبت فيها المشاعر والعواطف الشخصية، كان عليّ أن انتظر عقوبةً أخرى في البيت قد تصل إلى استخدام الأيدي، ولكن أعنفه هو الملامة المؤكدة التي ستُصب على رأسي بسبب إصراري العجيب على ترك مدرسة دار السلام، المهم مرت السنة الدراسية 1956–1957 وكان علي أن انتفع من تجربتها المرة، فأمي وأبي ينتظران سماع أخباري الطيبة ونجاحي في كل سنة لأنهما يبنيان آمالا على سير ابنهما الكبير في حياته الدراسية، وإذا بهما يُصدمان بهذه النتيجة، أمي ذهبت إلى أسهل الحلول المتاحة، فعزتْ رسوبي إلى أنني ضُربتُ بالعين من أمهات كن ينزعجن بسبب تفوقي ونجاحي المستمر وإخفاق أولادهن، ربما وجدت في هذا التبرير سلوى مؤقتة لي من إعادة سنة كاملة، وفي نهاية حديثها قالت لي المهم أن تنجح في السنة المقبلة فتوكل على الله وشد حيلك واجتهد ولا تضع وقتك بالعبث فتضاعف من أحزاني، وعدتها بأن أكون عند حسن ظنها.
على مستوى البلد تواصلت فعاليات أسابيع الإعمار، إذ افتتح الملك فيصل الثاني مشروع الثرثار على نهر دجلة في سامراء في 2 نيسان 1956، وليحوَل مجرى المياه الزائدة من وادي دجلة إلى منخفض الثرثار عبر ناظم ثم إلى قناة يبلغ طولها نحو 65 كيلومترا ثم المنخفض الذي تبلغ مساحته 2710 كم2 ويختزن ما يقرب من 86 مليار متر مكعب من المياه العذبة فأصبح هذا المنخفض بحيرة هائلة وتحولت إلى أهم مراكز صيد الأسماك في العراق، لم يكن طريق بغداد سامراء قد أنجز عند اكتمال سد الثرثار الذي أنجزته والطريق الرابط بين بغداد وسامراء شركة زبلن الألمانية، فاضطر الملك ومرافقوه من الوزراء والضيوف إلى أخذ القطار في سفرة تزيد عن 120 كيلومترا، وبعد شهر واحد من افتتاح سد الثرثار أي يوم 2 أيار 1956 افتتح الملك فيصل رحمه الله محطة تلفزيون بغداد لتكون أول محطة تلفزيون في الشرق الأوسط والوطن العربي، وخلال سنة 1957 تم افتتاح جسر الملكة عالية من قبل الملك فيصل الثاني وذلك في 15 آذار من تلك السنة هذا المشروع الكبير كان قد وُضع له حجر الأساس عام 1954 وهذا العام شهد أعتى فيضان وعيناه لدجلة حتى أن السلطات أطلقت تحذيرات للمواطنين من الاقتراب من النهر الذي كان يُصدر صوتا مخيفا مع مرور الكميات الهائلة من المياه ومختلف المخلفات التي اقتلعها في مجراه من أشجار وبقايا منازل مهدمة وكثير من الغرقى، هنا سألت نفسي أهذا هو النهر التي عشقته وتعلقت به حد الموت؟.
تم كسر سدة ناظم باشا شرقي بغداد، مما أدى إلى طغيان الماء على أجزاء شاسعة من مناطق شرقي بغداد، حتى أننا عندما كنا نريد الذهاب إلى بغداد الجديدة لمراقبة المنازل التي هجرها أهلها والاطمئنان على محتوياتها ومنها منازل لكثير من أقاربنا كنا نستأجر قاربا للوصول إليها، وقد أدى الفيضان إلى تهجير الآلاف من السكان وتم اسكانهم على عجل غربي بغداد وتمت تسمية أحيائهم بأحياء منكوبي الفيضان حتى صارت مثلا يجري على ألسنة أهالي بغداد عندما يتحدثون عن شخص فقد كل شيء حتى حصل ذلك في التجارة يطلقون عليه وصف منكوب الفيضان، وعندما حصل هذا الفيضان الاستثنائي الذي لم يشهد له العراق مثيلا إلا بعد سنوات طويلة، أكد أهمية السدود لحماية المدن الرئيس الواقعة على حوض دجلة والفرات من كوارث الفيضان، ومن هنا يمكن أن نفهم مغزي كلمة نوري السعيد التي قال فيها "عندي مشكلتان الفيضان والشيوعية، الأول بدأنا بمعالجته أما الثانية فأشك في قدرتنا على معالجتها"، ويختزن منخفض الثرثار نحو 86 مليار مكعب، وبقيت تلك الكمية الهائلة من المياه خزينا ميتا إلى أن تم فتح ذراع الثرثار الفرات ثم ذراع الثرثار دجلة، وتبقى قيمته ناقصة ما لم يرتبط بقناة تدفع المياه من شمالي البحيرة إلى جنوبها كي لا تتعاظم الملوحة نتيجة التبخر، وهناك خطط لربط بحيرة سد الموصل ببحيرة الثرثار عن طريق ناظم وقناة لهذا الغرض.
لم يمر عام 1956 مرورا يسيرا على العراق، فقد وقع العدوان الثلاثي على مصر في تشرين الثاني 1956، فالتهبت الساحة العراقية دعما لمصر واستنكارا لتأييد الحكومة العراقية أو سكوتها عن هذا العدوان، إذ اندلعت التظاهرات الصاخبة وخاصة في بغداد والنجف، وأصدرت الحركات والقوى السياسية والشخصيات الوطنية بيانات ووجهت برقيات تأييد ومساندة للرئيس جمال عبد الناصر في مواجهة العدوان، وكان من بين البرقيات التي وجهها أساتذة الجامعة وبعض قيادات الأحزاب، وأدت البرقية التي وقع عليها الأستاذ عبد الرحمن البزاز رحمه الله عميد كلية الحقوق في حينه وعدد من أساتذة الكليات المختلفة في مقدمتهم عمي الدكتور شامل السامرائي رحمه الله وسياسيون معارضون آخرون، إلى فصل كل من وقّع على البرقية التي أرسلت عبر البريد الرسمي وأُذيعت عدة مرات من إذاعة القاهرة وصوت العرب، من الوظيفة، عاد عمي شامل إلى عيادته وهذا ما كان يتمناه أي التفرغ الحر لعمله من دون تقيد بالإجراءات الحكومية.
أعدتُ السنة الدراسية عاماً كاملاً من العمر في الصف السادس الابتدائي، التحق معي ابن عمتي سالم بعد أن تم نقل والده المرحوم عبد اللطيف سالم من وظيفة مدير شرطة لواء ديالى إلى وظيفة في مديرية التحقيقات الجنائية "مديرية الأمن العامة" وكذلك ضياء حسين مبارك، واظبت على الدراسة على قدر ما أستطيع، كان معي في الصف جعفر باقر وتوت الذي ستربطني به زمالة في مراحل دراسية أخرى، وصداقة شخصية عميقة خلال عملنا في المغرب، عندما كنت مستشارا صحفيا في السفارة العراقية في الرباط ومديرا للمركز الثقافي هناك، وكان جعفر مديرا لمحطة الخطوط الجوية العراقية في الدار البيضاء، واستمرت علاقتنا حتى على المستوى العائلي.
كان جعفر وتوت يلقي أمام الطلبة في بعض أيام الخميس قصيدة الشاعر المصري علي محمود طه "فلسطين" والتي مطلعها "أخي جاوز الظالمون المدى"، أو قصيدة الشاعر المصري حافظ إبراهيم "طمع ألقى عن الغرب اللثاما"، وللإنصاف كانت القصيدتان من الحماسة بحيث تثير فينا رغبة جامحة في مناهضة الاحتلال بكل أشكاله وخاصة الاحتلال الصهيوني لفلسطين.
دخلت الامتحان الوزاري للدراسة الابتدائية وأديت الامتحان بعد أن حضّرت للامتحان بشكل جيد، وبعد ذلك غادرت إلى سامراء لرؤية أهلي، ولم انتظر ظهور النتائج، ولكن اتصالا تلفونيا جاءني من بغداد ببشارة النجاح في الامتحان واجتياز عقدة دراسية كأداء، استقبلت أمي الحدث بهلهولة قوية وأقامت احتفالية عائلية صغيرة بهذه المناسبة دعت إليها بعض أقاربنا، الذين لم ينسوا أن يجلبوا لي هدايا على قدر الظروف المعاشية، فمنهم من جاءت "بكلة قند انكليزية" ومنهم من جاءت "بطشة جكليت وحامض حلو"، وكل تلك الهدايا لم يصبني منها شيء.
بعد أن أمضيتُ شهرا في سامراء، طلب أعمامي من أبي أن يعيدني إلى بغداد، فعلا يوم 13 تموز 1958 بدأت أحضر نفسي للسفر وأنا تنازعني مشاعر متصادمة، فهل علي أن أعيد الأحزان مرة أخرى؟ ولكنني استدرك فأتذكر أنني قد بلغت مبلغ الرجال ولا يصح أن اتصرف تصرفا صبيانا لا يليق بالرجال، هكذا كنت أعلل نفسي، يوم الاثنين 14 تموز ركبت سيارة أجرة في الطريق إلى بغداد، وعندما فتح السائق الراديو على إذاعة بغداد كان صوتا غريبا غير صوت المذيع يتحدث بمنتهى الحماسة والتي تصل أحيانا إلى مستوى الزعيق، يدعو العراقيين إلى الوقوف بجانب ثورتهم التي أطاحت بالنظام الملكي، ودعم الضباط الأحرار الذين ثاروا على الارتباط بالإنكليز الذين صادروا حرية الشعب والسيادة الوطنية، لم نكن نتوقع أن شيئا قد حصل في بغداد، فقد قال بعض الركاب إن الإذاعة المصرية قد شبكت على إذاعتنا ومررت هذه البيانات لإثارة الشغب في العراق، حصل سوء تفاهم بين الركاب بسبب هذه الأقوال، قال السائق إخوان أرجوكم أجلّوا اختلافكم لحين ما نعرف ما يجري فنحن في طريقنا إلى بغداد، وسنصلها بعد أقل من نصف ساعة بإذن الله، عندما وصلنا "مقهى السوامرة" قرب ساحة الشهداء في الكرخ، وجدت أن عالما آخر غير الذي ودعت بغداد فيه قبل نحو شهر، حاولت أن أحصل على سيارة أجرة لأنقل ما جلبته معي من هدايا من أبي لبيت عمي شامل، وخاصة كونية "الركي السامرائي الفاخر" والبطيخ، بدأت أسمع الناس يتحدثون عن تعليق أجساد بعض المسؤولين العراقيين السابقين، ولما ذهبت لأرى حقيقة ما يجري، كانت إحدى الجثث معلقة على بالكونة العمارة التي يقع فيها محل الحاج جواد الشكرجي وأولاده، لقد كان منظرا في غاية البشاعة ويعكس نفسية في غاية الوحشية لمن أتى بهذه الجثث سحلا بالشوارع ثم دفعته نزعة الشر إلى تعليق جثث لآناس قال الله فيهم "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا"، فلم يرعَ العراقيون عند سيطرة الغضب والثورة على عقولهم وقلوبهم، إنسانية الإنسان ولم تتحرك فيهم المشاعر الإسلامية النبيلة في منع التمثيل بالجثث، لقد عطلت نزعة الانتقام كل المشاعر الطيبة في أعماق الإنسان العراقي الذي يفقد كل إنسانيته عندما يدخل في مرحلة الغضب الجارف.
المهم عدت أدراجي إلى مقهى السوامرة بعد أن رأيت مناظر روعتني لأيام طويلة في أحلامي وتمكنتُ من الحصول على "ربل" أي عربة يجرها حصانان، وعندما سألته عن الأجرة قال لي الطرق مقطوعة ولن أقبل بأقل من 400 فلس، فإذا قبلت فاركبْ وإذا أبيت فمع السلامة، قرأت في لهجته حزما يتناسب مع الظرف الطارئ الذي تعيشه بغداد، لم أجد بداً من أخذ الربل وإن كان سعر أجرته في الظروف الاعتيادية لا يزيد على 150 فلسا.

   

 

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

500 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع