
رمزي ميركاني
من كوردستان إلى الصين.. اللغة الكوردية تعبر الحدود
لم تعد اللغة الكوردية حاضرة في محيطها الجغرافي وحده، بل بدأت تجد طريقها إلى فضاءات أكاديمية بعيدة. ومن الخطوات التي تستحق الاهتمام افتتاح قسم خاص باللغة الكوردية في جامعة بكين للدراسات الأجنبية، بالتعاون مع جامعة صلاح الدين في أربيل، مع بدء استقبال الطلبة في العام الدراسي 2026–2027. وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تفتح أمام اللغة والثقافة الكورديتين فرصة جديدة للوصول إلى مجتمع أكاديمي مختلف، والتعريف بتاريخ الكورد وأدبهم وتراثهم.
اللغة طريق للتعارف بين الشعوب
حين يتعلم الإنسان لغة شعب آخر، فإنه لا يتعلم كلمات وقواعد فحسب، بل يقترب من طريقة تفكيره وحياته، ويتعرف إلى جانب من تاريخه وتجاربه. ومن هذا المنطلق، فإن تدريس اللغة الكوردية في جامعة صينية يمنح الطلبة فرصة للتعرف إلى ثقافة قد لا تكون حاضرة بما يكفي في المناهج والبرامج التعليمية خارج المنطقة.
وتزداد أهمية المبادرة لأن جامعة بكين للدراسات الأجنبية تهتم بتدريس اللغات والتعريف بثقافات الشعوب. ووجود اللغة الكوردية ضمن برامجها يعني أن هذه اللغة أصبحت موضوعًا للدراسة الأكاديمية في الصين، وهو أمر يمكن أن يساعد على توسيع الاهتمام بها وتشجيع البحث في تاريخها وأدبها.
وبحسب البرنامج المعلن، تستمر الدراسة أربع سنوات، يتعلم الطلبة خلالها اللهجة السورانية في السنوات الثلاث الأولى، ثم ينتقلون إلى اللهجة الكرمانجية في السنة الرابعة. وقد بدأ القسم بقبول 11 طالبًا صينيًا، في خطوة أولى يُنتظر أن تتوسع في الأعوام المقبلة.
تعاون بين أربيل وبكين
لا تقل أهمية التعاون بين جامعة صلاح الدين وجامعة بكين للدراسات الأجنبية عن أهمية افتتاح القسم نفسه. فالمشروع يقوم على تبادل الخبرات الأكاديمية، وإرسال أساتذة متخصصين في اللغة الكوردية إلى الصين، وتوفير الكتب والمصادر اللازمة للتدريس والبحث.
ومن المنتظر أيضًا أن يتيح التعاون فرصًا أمام الطلبة الصينيين لزيارة إقليم كوردستان، والتواصل مع الناطقين باللغة الكوردية. وهذه التجربة مهمة؛ لأن معرفة اللغة من الكتب وحدها لا تكفي لفهم تفاصيلها اليومية، فالحياة بين أهلها تمنح المتعلم فرصة للتعرف إلى تعبيراتهم وعاداتهم وطريقة تواصلهم.
وفي المقابل، فإن تجربة جامعة صلاح الدين في تدريس اللغة الصينية توفر أساسًا لتبادل المعرفة بين الجانبين. وإذا استمر هذا التعاون وتطور، فقد يفتح المجال أمام برامج مشتركة للترجمة والبحث العلمي، ويمنح الطلبة فرصًا أوسع للتعرف إلى لغات وثقافات مختلفة.
بداية تحتاج إلى متابعة
لكن افتتاح القسم، مهما كانت أهميته، لن يحقق أهدافه بمجرد انطلاق الدراسة. فالمطلوب هو الاستمرار في دعم البرنامج، وتحديث مناهجه، وتوفير المراجع والمعاجم، وتشجيع الطلبة على البحث والترجمة. كما أن إعداد مدرسين ومتخصصين قادرين على نقل اللغة والثقافة الكورديتين إلى الآخرين يحتاج إلى وقت وجهد وتخطيط طويل الأمد.
ومن المهم كذلك ألا يقتصر الاهتمام على تدريس اللغة، بل أن يشمل الأدب الكوردي والشعر والرواية والتاريخ والتراث الشعبي. فهذه الجوانب هي التي تمنح الطالب صورة أوسع عن المجتمع الكوردي، وتساعده على فهم اللغة في سياقها الثقافي والإنساني.
إن وصول اللغة الكوردية إلى جامعة في بكين خطوة تستحق التقدير، لأنها تفتح أمامها بابًا جديدًا للتعريف بنفسها بعيدًا عن حدودها الجغرافية. وقد يبدأ الأمر بـ11 طالبًا يجلسون في قاعة دراسية لتعلم لغة جديدة، لكنه يمكن أن يتطور مع مرور السنوات إلى جسر للتواصل بين شعبين تفصل بينهما مسافات بعيدة.
من كوردستان إلى الصين، لا تعبر اللغة الكوردية حدود البلدان فحسب، بل تحمل معها حكايات شعب وتاريخه وذاكرته. وإذا وجدت هذه المبادرة الدعم والاستمرار، فقد يصبح هؤلاء الطلبة سفراء لثقافة يتعرفون إليها اليوم من خلال الحروف والكلمات، وربما ينقلونها غدًا إلى قراء وباحثين آخرين. وهكذا، تستطيع اللغة أن تفعل ما لا تفعله المسافات: أن تقرّب الشعوب بعضها من بعض، وتمنح ثقافاتها فرصة للقاء والتعارف.

784 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع