
أيام زمان الجزء٧٣ الحراثة والحصاد
الحصاد أيام زمان... حين كانت السنابل تغني
كان للحراثة ولحصاد في العراق أيام زمان حكاية لا تشبه حكايات اليوم
رحلة الحصاد التراثية: من الحراثة والبذار إلى نضوج المحصول
تبدأ قصة رغيف الخبز والخير الوفير قبل الحصاد بأشهر طويلة، حيث يترقب الفلاح مواسم المطر، ويهيئ أرضه بأدواته التقليدية البسيطة في دورة زراعية متكاملة تشهدها مناطق شمال العراق (كالموصل ونواحيها).
تبدأ العملية الزراعية في نهاية فصل الخريف ويُسمى شعبياً بفصل الصَّفْرِي، وتحديداً في شهر تشرين الأول أو تشرين الثاني.
• ترقب البِلّة: يحرص الفلاح على حراثة الأرض مبكراً قبل سقوط "البِلّة" وهي أول قطرة غيث تنزل في الموسم لتبل التربة.
• الحكمة التراثية: يتناقل الفلاحون مثلاً شعبياً يقول: طش غباري وأول المي لا تنساها، وهي دعوة صريحة لجر الأرض ونثر الغبار بالحراثة المبكرة وعدم تفويت موعد المطر الأول.
مراحل نمو المحصول ونضوجه
بعد هطول الأمطار، يمر نبات الحنطة (القمح) والشعير بمراحل نمو متتابعة:
• شباط (الشهر 2): ينشط الزرع وتبدأ البذور بالإنبات.
• آذار ونيسان (3 و4): يواصل المحصول نموه الأخضر بشكل جيد مستفيداً من أمطار الربيع.
• أيار (الشهر 5): ينضج المحصول تماماً ويجف، وهنا يبدأ حصاد الشعير في نهايات هذا الشهر على الأغلب.
• حزيران وتموز (6 و7): يبدأ حصاد القمح في منتصف حزيران أو مطلع تموز.
تحديات الطقس: في السنين الماطرة قد يمتد موسم المطر (المزن والرعود) حتى الشهر السابع، مما يعوق الحصاد؛ حيث تتبلل أكداس الزرع وينبعث منها رطوبة، فيضطر الفلاحون لنشرها مجدداً تحت الشمس لتجف.
أدوات وطريقة الحراثة التقليدية
تعتمد الحراثة على منظومة أدوات خشبية وحديدية محلية الصنع تُسمى العِدّة، وتتكون من:
• الفدان: أداة الحراثة الأساسية، وفي رأسها سكين حديدي كبير نسبياً لشق الأرض.
• الوصل: عمود خشبي يرتبط بسكين الفدان ويمتد للأمام.
• النير: عمود خشبي عرضي يوضع فوق رقاب الحيوانين اللذين يسحبان العدة، ويرتبط بالوصل.
• العِشّة والفتائل: تُحصر رقبة الحيوان من الطرفين بواسطة (العشة) وتُشد بحبال، ويرتكز النير فوق الرقاب على كتلة نسيج محشوة بـ (الفتائل) نصف الدائرية لحماية الحيوان من أذى الشد والسحب.
• الجباشة: عمود خشبي قائم يرتفع من العدة، يمسكه الفلاح بيده بقوة للتحكم في عمق الحراثة وتوجيهها.
يسير الفلاح خلف الحيوانين خطا خطا، ممسكاً بـ الجباشة، ويصيح مشجعاً حيواناته بصوت جهوري: خط.. خط!، لتسير بخط مستقيم وكأنها تفهم لغته. ويعيد الكرة تلو الكرة حتى يكتمل النهار معلناً إنجاز مساحة محددة (مثل: مطش وزنة أو نصف وزنة).
بعد اكتمال حرث الأرض وتجهيزها، يضع الفلاح بذور الحنطة أو الشعير في كيس قماشي متدلٍ من عنقه، ويبدأ بالسير في الحقل باسطاً كفه اليمنى، يبذر الأرض بما تجود به يده في كل رمية بنسق متناغم.
كان موسمًا تنتظره العائلة، ويعرف موعده الفلاح قبل أن تخبره التقويمات والنشرات الزراعية. كان ينظر إلى الحقل، يتأمل لون السنابل، يداعب الحبة بين أصابعه، ثم يقول كلمته التي يفهمها الجميع:
"يلا... باچر نبدأ الحصاد."
وهكذا تبدأ الحكاية.
في الصباح الباكر، قبل أن تشتد حرارة الشمس، يتحرك الرجال نحو الحقول، ومعهم المناجل، بينما تتوزع النساء والأطفال في الأعمال التي يستطيعون القيام بها.
كان الحقل يومها يبدو كأنه بساط ذهبي واسع، والسنابل تتمايل مع النسيم، وكأنها تعرف أن موعد الرحيل قد حان.
مرحلة الحصاد (شبراً بشبر)
يبدأ الموسم بالحصاد اليدوي باستخدام المنجل. في هذه المرحلة، يحني الفلاح ظهره لساعة أو ساعتين متواصلتين، يقطع الزرع شبراً بشبر. ولحماية أصابعه من النباتات الشائكة التي تتخلل الزرع، يرتدي الفلاح (الغوانيغ)؛ وهي واقيات حديدية تُصنع بحجم الإصبع الواحد لحمايتها من الأشواك.
خلف الحصاد، يأتي دور الأبناء والبنات؛ حيث يمشون خلف الأب خطوة بخطوة لجمع المحصول بانتظام (شملاً شملاً). يُرتب المحصول على شكل أكداس طولانية أو مستديرة.
ملاحظة من الذاكرة: كثيراً ما تتحول هذه الأكداس إلى أوكارٍ للأرانب البرية للاختباء، أو أعشاشٍ لطيور مثل الحجل الذي يبيض قرابة عشرين بيضة.
بعد انتهاء الحصاد، تبدأ مرحلة النقل بواسطة الشَّخْر)، ومفردها (شخرة)، وهي:
• ألواح خشبية متراكبة ومترابطة بإحكام عند الرأس.
• يُوضع الحصاد عليها من الطرفين، ثم يُشدّ بالحبال بواسطة الجازل والحضَّاني وهو الشخص المسؤول عن احتضان الحصاد وتثبيته.
• يُنقل المحصول على ظهور الحيوانات ذهاباً وإياباً.
وقد تستغرق هذه العملية من 5 إلى 10 أيام لأرضٍ تبلغ مساحتها فداناً أو فدانين، ويعتمد الوقت المستغرق على بُعد الأرض أو قربها من البيادر.
تُخصص كل قرية منطقة محددة تُعرف بـ البيادر، حيث يمتلك كل فلاح مكاناً سنوياً معروفاً لبيدره. بعد جمع المحصول وتكويمه في البيدر، تبدأ المرحلة الأخيرة وهي الدرس؛ حيث يُسحق المحصول عبر الدوران حول البيدر بشكل دائري باستخدام الجرجر.
بعد جمع المحصول ونقله إلى البيادر، تبدأ المراحل الأخيرة التي تتطلب دقة وتكافلاً اجتماعياً مميزاً، لتنتهي دورة العام وتبدأ الاستراحة المنتظرة.
مرحلة الدراس بـ "الجرجر"
بعد تكويم المحصول في البيدر، تبدأ عملية الدرس أو الدوس باستخدام الجرجر:
• الجرجر: هو آلة خشبية أو حديدية مخصصة لدوس المحصول وسحقه حتى النهاية.
• طريقة العمل: يجره حيوانان على الأغلب، ويدوران به حول البيدر بشكل دائري.
• الهدف: فصل البذور (الحبوب) والحصول على التبن الناعم.
بعد انتهاء الدوس، يُلم الناتج ويُجمع على شكل كدس كبير، لتأتي مرحلة التذرية باستخدام المذراة، والتي تختلف باختلاف المحصول:
• المذراة ذات الرأس الحديدي: تستخدم مع محصول الشعير.
• المذراة ذات الرأس الخشبي: تستخدم مع محصول القمح.
تستمر هذه العملية برفع المحصول في الهواء ليقوم النسيم بعزل الحبوب الثقيلة عن التبن الخفيف، حتى يتم الفصل بينهما تماماً.
نقل التبن: أهازيج وسهر في ليالي القرية
غالباً ما تتم عملية نقل التبن في الليل نظراً لهدوء الجو وهبوب نسمات الهواء العليلة. وتحمل هذه المرحلة طابعاً اجتماعياً بهيجاً:
• دور الشباب: يملؤون الأوعية والعباءات بالتبن.
• دور الفتيات: يجتمع أكبر عدد من فتيات القرية لينقلن التبن على ظهورهن بواسطة العباءة المصنوعة من الصوف.
من وحي الذاكرة: كانت هذه الليالي تعج بحياة اجتماعية فريدة، تتخللها الأهازيج، و"الهوسات"، والتنكيت، والملاطفات البريئة بين شباب القرية وبناتها.. "آه حقاً. كانت أياماً حلوة، ممتعة وجميلة!"
دورة الفلاح السنوية وحراسة الحقل
تستمر هذه الدورة الشاقة كل سنة، تبدأ من الحراثة وتنتهي بالحصاد والدراس، لدرجة يبدو فيها الفلاح مشغولاً طوال العام.
أما فترة الاستراحة الكاملة فتقع في فصل الربيع، ورغم ذلك، لا ينقطع الفلاح عن زيارة حقله بين حين وآخر لحمايته من:
• رعاة الأغنام الذين قد تتعدى مواشيهم على الزرع.
• أسراب الجراد.
• العصافير الكثيرة التي تحوم لتأكل المحصول الطازج.
طريقة طرد الطيور: كان الفلاح يهرع لطرد العصافير عبر النقر المتواصل على تنكة وهي صفيحة حديدية فارغة (مثل علب سمن الراعي أو صفائح البنزين القديمة) ليصدر صوتاً مرتفعاً يفزع الطيور ويبعدها عن رزقه.
كان للحصاد في عراق زمان طعمٌ آخر...
لم يكن مجرد موسم ينتهي بجمع الحنطة والشعير، بل كان موعدًا تنتظره القرى والأرياف، وتستعد له العوائل كما تستعد لمناسبة كبيرة.
كانت الأرض، بعد أشهر من الانتظار، تلبس ثوبها الذهبي. تمتد السنابل أمام العين حتى يبدو الحقل وكأنه بحرٌ من الذهب، تهزه الرياح فتتمايل السنابل ذات اليمين وذات الشمال، وكأنها تقول للفلاح: حان وقت الحصاد.
كان الفلاح يعرف موعد الحصاد من لون السنابل، ومن ملمس الحبة، ومن خبرة ورثها عن أبيه وجده. لم تكن هناك أجهزة حديثة ولا تطبيقات تخبره بموعد الحصاد... كانت عنده عيناه، ويداه، وخبرة السنين.
وكان المنجل سيد الموقف.
لم يكن الحصاد عملًا فرديًا.
كان الجار يساعد جاره، والقريب يقف إلى جانب قريبه، واليوم يكون الحصاد في حقل هذا، وغدًا في حقل ذاك. لم تكن هناك فواتير ولا أجور إضافية ولا عقود تعاون... كانت هناك كلمة واحدة تكفي:
نرى عراقًا قديمًا كان يحصد الحنطة، ويحصد معها الفرح، والجيرة، والطيبة، وذكريات لا تزال سنابلها قائمة في القلب.
ازرع خيرًا... تحصد محبة.
أما السنابل التي حصدها الزمن، فما زالت قائمة في الذاكرة... خضراء ...لا يطالها الذبول.
بدري نوئيل يوسف
للراغبين الأطلاع على الجزء السابق:
https://algardenia.com/mochtaratt/72922-2026-08-21-09-58-33.html

554 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع