أيام زمان الجزء ٧٢ كسار الخشب والحطاب

 أيام زمان الجزء ٧٢ كسار الخشب والحطاب

تعريف: الحطّاب هو الشخص الذي يعمل في قطع الأشجار الحية، أو جمع الأخشاب من الغابات والجبال، بينما كسّار الخشب هو من يقتصر عمله على تقطيع جذع الشجرة الجاهز، أو فلقه وتكسيره إلى قطع أصغر(أعواد حطب) لتناسب أفران الطهي أو مواقد التدفئة.

مهنة كسّار الخشب او الحطاب: بين جذور التاريخ وتحديات العصر

تحت قوس الجسر القديم، كان الضوء يتسلّل كقطعة خشب قديمة يُفرزها الزمن، باهت ومخطّط. جلس الحطاب على كتلةٍ مشققة كأنه جزء من ذات المشهد، فأسه موطّدٌ بجانبه كرفيق لا يغادر؛ رائحة الرطوبة والنشارة تلتصق بملابسه، وصدى خطوات نهر بعيد يضرب وقعًا يُشبه نبض صدره. يده، الصلبة من سنوات، تجرّب حبلًا مهترئًا وتعيد ترتيبها كما لو كانت ترتّب أفكارها؛ عينيه تحملان حكايةً طويلة عن أشجار سقطت وعن بيوت دُفنت تحت طبقات أخرى من الزمن. حين يبتسم، يبدّد البرد عن الأيدي كما يبدّد الغبار عن سطح دولاب قديم، وصوته، حين يتكلم، مسموعٌ كهمس الخشب قبل أن يُشقّ. السماء فوق الجسر رمادية لكنّها لا تُطفئ دفءَ الضوء الذي يصنعه الرجل، ضوءٌ صغير لكنه كافٍ ليحفظ له مكانًا في ذاكرة الطريق.
كان الحطّاب يمشي بين الأشجار كما لو كان واحدًا منها؛ جذعٌ بشريٌّ صقلته الرياح، وعلّمته الفصول كيف يقف ثابتًا مهما اشتدّ البرد أو انكسرت السماء مطرًا. وجهه مسفوحٌ بلون التراب، تتخلّله خطوط دقيقة تشبه شقوق الخشب حين ييبس، وكل خطّ منها يحكي عامًا من التعب، أو درسًا من دروس الطبيعة التي لا تُدرَّس في المدارس.
يداه قويتان، لكن قوّتهما ليست صاخبة؛ قوة هادئة، مثل جذع شجرة يعرف تمامًا متى ينحني ومتى يقاوم. أصابعه مشقّقة، تحمل رائحة الخشب أينما ذهب، وكأنها شهادة ميلاد جديدة له، تُثبت أنه ابن الغابة أكثر مما هو ابن البشر.
ثيابه بسيطة، مرقّعة في أماكن كثيرة، لكنها نظيفة بطريقة غريبة؛ نظافة رجل لا يملك شيئًا يخسره سوى كرامته. وعلى كتفه دائمًا فأسه، لا كأداة عمل فقط، بل كرفيقٍ قديم يعرف أسراره ويشاركه صمته الطويل.
عيناه هما الجزء الأكثر حياة فيه؛ فيهما بريق يشبه شرارة النار الأولى حين تُشعل الحطب. نظرة تجمع بين الحكمة والهدوء، وبين حزنٍ خفيف لا يعرف مصدره أحد. ربما هو حزن الشجر حين يُقطع، أو حزن الإنسان حين يرى العالم يركض ولا ينتبه للذين يعيشون في أطرافه.
كان الحطّاب إذا وقف أمام شجرة، لا يراها مجرد خشبٍ سيُقطع، بل يراها كائنًا عاش قبله بسنوات طويلة، وسمع قصصًا لم يسمعها أحد. لذلك كان يلمس الجذع قبل أن يضربه، كأنه يعتذر، أو كأنه يطلب الإذن.
وفي نهاية اليوم، حين يعود محمّلًا بالحطب، يمشي بخطوات ثابتة، لا يشتكي، ولا يتباهى. رجلٌ يعيش من قوّة ذراعه، لكنه يحمل قلبًا ليّنًا مثل نشارة الخشب حين تتناثر تحت الفأس.
هذا هو الحطّاب: إنسانٌ بسيط، لكنه يحمل في داخله غابة كاملة.
في العراق، ارتبطت هذه المهنة بالريف والبادية والأطراف الزراعية، حيث كان الحطب مصدرًا أساسيًا للطاقة قبل انتشار النفط والغاز والكهرباء. وكان الحطّاب يجمع الأغصان اليابسة من البساتين وضفاف الأنهار والمناطق البرية، ويبيعها إلى البيوت والمخابز والحمّامات الشعبية.
ولم يكن الحطّاب يقطع الأشجار الخضراء دائمًا؛ فالحطّاب الخبير يعرف أن الأغصان اليابسة أفضل للاستعمال، وأن ترك الأشجار الحية يساعد على استمرار الرزق وحماية البيئة. لذلك كانت المهنة تتطلب معرفة بالأرض والمواسم وأنواع الأشجار، وليس مجرد حمل الفأس وقطع الخشب.
تعود أصول المهنة إلى عصور ما قبل التاريخ، حيث استخدم الإنسان أدوات حجرية ثم عظمية وخشبية لقطع الأخشاب للصيد والمأوى والوقود. في العصر الحجري الحديث (حوالي 7000-3000 ق.م)، ظهرت الفؤوس الحجرية المصقولة والمطارق لتقسيم الأخشاب. وفي مصر القديمة، منذ الأسرة الأولى (حوالي 3100 ق.م)، استخدم النحاس والبرونز في الفؤوس والمناشير لقطع الأشجار المحلية والمستوردة (مثل الأرز من لبنان)، كما وثقت مشاهد المقابر عمليات القطع والتقليم. كانت الأخشاب أساسية في البناء والأثاث والسفن والأدوات اليومية.
في الحضارات القديمة والوسطى، كان الحطابون يعملون في الغابات الكثيفة، غالباً في معسكرات موسمية، مستخدمين الفأس والمنشار اليدوي (مثل منشار القوش). في أوروبا وآسيا وأمريكا، ساهموا في بناء المدن، والأساطيل، والوقود للتدفئة، والصناعة. في السياق العربي والإسلامي، لعبت الأخشاب دوراً حيوياً في العمارة والسفن والأثاث، مع رقابة على الغابات في عصور مثل المملوكي لمنع الاستنزاف، خاصة مع الحاجة إلى الأساطيل والحروب. كانت المهنة شاقة وتنقلية، تعتمد على القوة البدنية والمعرفة بالغابات.
كسّار الخشب في الثقافة الشعبية
لم يكن كسّار الخشب مجرد عامل يبيع الحطب، بل كان شخصية مألوفة في الحياة اليومية للمدن العراقية، ولا سيما بغداد القديمة. كان يجوب الأزقة والأحياء، فيشتري الناس جذوع النخل وسيقان التوت وبقايا الأشجار، ثم يطلبون تكسيرها إلى قطع صغيرة يسهل نقلها وتجفيفها واستعمالها في مواقد الطبخ والتنور
وكان عمله يكمّل عمل الحطّاب؛ فالحطّاب يجمع الخشب وينقله، بينما يتولى كسّار الخشب تقطيعه وتجزئته وتهيئته للاستعمال. ولهذا عُرف من خلال عدته الخاصة وصوته الذي يعلن به عن وصوله إلى الحي، حتى أصبح نداؤه جزءًا من أصوات الشارع القديمة، مثل نداء بائع اللبن وبائع الكاز ومبيّض القدور
صورة اجتماعية
ارتبط كسّار الخشب في الذاكرة الشعبية بصورة الرجل القوي الصبور، الذي يعمل في الحر والغبار ويحمل أدواته من بيت إلى آخر. ولم تكن مهنته سهلة؛ إذ كان يتعامل مع جذوع قاسية وأخشاب ملتوية، ويحتاج إلى خبرة في اختيار موضع الضربة حتى ينقسم الخشب من دون أن يتطاير أو يؤذي أحدًا.
وتشير بعض الروايات الشعبية البغدادية إلى أن عددًا كبيرًا من العاملين بهذه المهنة كانوا من الأكراد، وكانوا يتنقلون بين الأحياء وينادون بصوت مرتفع معلنين عن خدمتهم. وهذه المعلومة تنتمي إلى رواية تراثية محلية، ولذلك ينبغي التعامل معها بوصفها وصفًا لذاكرة اجتماعية، لا إحصاءً تاريخيًا دقيقًا.
الخشب والبيت العراقي
كان الحطب جزءًا من اقتصاد البيت قبل انتشار مواقد الغاز والنفط، ولذلك كان لكسّار الخشب دور عملي في الحياة المنزلية. فالخشب المكسّر يُستخدم في:
• إشعال التنور وخَبز الخبز.
• الطبخ على المواقد التقليدية.
• التدفئة في فصل الشتاء.
• تشغيل بعض الأفران والمخابز.
• إعداد الفحم في بعض البيئات.
ومن هنا كان كسّار الخشب يدخل في دورة معيشية كاملة تبدأ من الشجرة أو جذع النخلة وتنتهي برغيف الخبز أو قدر الطعام. وقد ارتبط الخشب عمومًا في الثقافة الشعبية بمعاني الحماية والاستقرار، كما تظهر في عادات مثل لمس الخشب أو الطرق عليه دفعًا للحسد أو طلبًا للحظ، وهي عادة عُرفت بأشكال مختلفة في ثقافات متعددة.
النداء الشعبي
كان النداء من أهم وسائل الإعلان عن المهنة. فكسّار الخشب لا يملك متجرًا ثابتًا بالضرورة، بل يحمل عدته ويتنقل، ويجعل صوته بمثابة لافتة معلّقة في الهواء. وكان أهل الحي يعرفون قربه من نبرة النداء قبل أن يظهر في رأس الزقاق، فتخرج النساء أو أصحاب البيوت لطلب الخدمة.
وهذه النداءات لم تكن إعلانًا تجاريًا فحسب؛ فقد حفظت أسماء المهن في الذاكرة، ومنحت الأزقة إيقاعها الخاص. لذلك فإن اختفاء نداء كسّار الخشب يعني اختفاء جزء من “موسيقى الشارع” القديمة.
أدواته ومهارته
كان كسّار الخشب يعتمد على أدوات يدوية مخصصة للتكسير والتقطيع، إلى جانب الفأس أو البلطة والمنشار والحبال. وكانت المهارة تظهر في سرعة إنجاز العمل، وفي جعل القطع متقاربة الحجم، بحيث تجف بسرعة وتحترق بصورة أفضل.
ولم تكن قيمة العامل في قوته وحدها، بل في معرفته بالخشب أيضًا: يعرف الخشب اليابس من الرطب، والقطعة الصالحة للتنور من القطعة التي تصلح للتدفئة، ويدرك كيف يتعامل مع جذع النخلة أو ساق التوت من دون هدر كبير.
انحسار المهنة
تراجعت مهنة كسّار الخشب مع انتشار الغاز والنفط والكهرباء، وتغيرت طرق الطبخ والتدفئة، واختفاء كثير من المواقد والتنانير المنزلية. وبقيت آثارها في القرى وبعض الأحياء الشعبية، وفي الذاكرة الشفوية التي تتذكر أصوات أصحاب المهن المتجولين.
ومن الناحية الثقافية، تمثل المهنة انتقالًا من زمن كانت فيه الطاقة تُحضّر باليد، إلى زمن أصبحت فيه تصل إلى البيت عبر أنبوب أو أسطوانة أو شبكة كهرباء. ولهذا يمكن النظر إلى كسّار الخشب بوصفه شاهدًا على تاريخ العمل اليومي، وعلى علاقة الإنسان العراقي بالنخلة، والريف، والسوق، والبيت.
بحسب ما تذكره الروايات المتداولة عن نداءات الباعة في بغداد القديمة، كان كسّار الخشب ينادي بصوت ممدود ومُنغَّم:
كسّار خشب… كسّار!
وكان يكررها وهو يتنقل بين الأزقة، مع مدّ كلمة كسّار حتى يسمعه أهل البيوت، فيخرج من لديه
جذوع النخل أو سيقان الأشجار ليطلب منه تكسيرها.
ولا يبدو أن هناك صيغة واحدة ثابتة موثقة لندائه في جميع أحياء بغداد؛ فنداءات الباعة الجوالين كانت تختلف في اللحن وطريقة المدّ من شخص إلى آخر. لذلك يمكن تمثيل النداء باللهجة البغدادية على النحو الآتي:
كَسّار خشب… كَسّار!
خشب للتكسير… كسّار!
أما الحطّاب، وهو مهنة قريبة لكنها مختلفة، فكان يمكن أن يعلن عن بضاعته بعبارات مثل:
حطّاب… حطب زيتون!
حطب بلوط… حطب ما يطفئ جمره!
وكانت قيمة هذه النداءات تتجاوز الإعلان؛ فقد كانت جزءًا من الأصوات اليومية التي تمنح أزقة بغداد القديمة إيقاعها وذاكرتها، مثل نداء شحّاذ السكاكين وبائع الثلج وبائع الكاز. وقد وثّق باحثون عراقيون نداءات الباعة وأصحاب الحرف بوصفها لونًا من التراث الشفهي المرتبط بالمهن التي اندثر كثير منها. مهنة كسّار الخشب (أو الحطّاب/قاطع الأخشاب) تجمع بين جذور تاريخية عميقة وتحديات معاصرة معقدة. هي من أقدم الحرف الإنسانية، تعتمد على قطع الأشجار وتكسير الخشب لاستخدامه في الوقود والبناء والأدوات والصناعات، وقد تطورت من العمل اليدوي البسيط إلى صناعة آلية مع الحفاظ على مخاطرها وصعوبتها.

للراغبين الأطلاع على الجزء السابق:

https://algardenia.com/mochtaratt/72494-2026-07-18-16-10-54.html

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

741 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع