
نزار جاف
كيف يطمح إلى قيادة الأمة... وهو يعادي شعبه؟
ليس ثمة تناقض أشد فجاجة من أن يرفع نظام سياسي راية الدفاع عن الأمة الإسلامية، بينما يجعل شعبه أول ضحايا سياساته. فهذا هو المشهد الذي يطبع تجربة النظام الإيراني منذ قيامه قبل سبعة وأربعين عاما؛ إذ لم يتوقف عن تقديم نفسه باعتباره المرجعية السياسية والدينية للعالم الإسلامي، في الوقت الذي لم يكف فيه عن ممارسة القمع بحق الإيرانيين، ومصادرة حقوقهم، وتحويل بلادهم إلى ساحة مفتوحة للخوف والإعدامات والسجون والأزمات المعيشية.
إن أي مشروع يدعي قيادة الآخرين يفترض، قبل كل شيء، أن يقدم نموذجا ناجحا في إدارة وطنه. فالقيادة ليست لقبا يمنح، ولا شعارا يرفع، وإنما هي ثمرة العدالة وحسن الإدارة واحترام الإنسان. ولذلك، فإن أول امتحان لأي سلطة يبدأ من علاقتها بشعبها، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ومن يعجز عن تحقيق العدل في الداخل، لن يستطيع أن يكون عنوانا للعدل خارج حدوده.
وليس من قبيل المصادفة أن يجعل القرآن الكريم إقامة العدل أساس الحكم، وأن يربط بين الإيمان والعمل الصالح، وأن يقدم رعاية الأقربين والقيام بحقوقهم على الادعاءات الكبرى. فمنطق الإسلام يبدأ من الإنسان، ومن الأسرة، ومن المجتمع، قبل أن يمتد إلى الأمة جمعاء. أما أن يتحول الحديث عن الأمة إلى وسيلة لتبرير إهمال حقوق الشعب، فإن ذلك يقلب الأولويات رأسا على عقب، ويجعل الشعارات الدينية مجرد أدوات لتغطية مشروع سياسي لا أكثر.
وفي إيران، تبدو هذه المفارقة بأوضح صورها. فبينما لا يكاد يخلو خطاب رسمي من الحديث عن نصرة المسلمين والدفاع عن قضاياهم، يعيش ملايين الإيرانيين تحت ضغط الفقر والبطالة والتضخم وانهيار القدرة الشرائية، فيما تتواصل حملات الاعتقال والإعدام بحق المعارضين والناشطين، وتفرض قيود مشددة على الحريات العامة، ويعامل المجتمع بعقلية أمنية لا ترى في المواطن شريكا في الوطن، بل مشروع خصم ينبغي إخضاعه.
والأخطر من ذلك أن النظام لم يعد يكتفي باستخدام الدين لتبرير سلطته في الداخل، بل يسعى إلى توظيفه لإضفاء الشرعية على مشروعه الإقليمي. غير أن الشعوب الإسلامية، شأنها شأن أي شعب آخر، لا تقيس أهلية القيادة بحجم الشعارات، بل بمدى احترام الحاكم لحقوق مواطنيه. فلا يمكن لمن يملأ سجونه بأبناء وطنه أن يقنع الآخرين بأنه حامل لرسالة العدل والرحمة، ولا لمن يواجه المطالب الشعبية بالقمع أن يقدم نفسه نموذجا للحكم الإسلامي.
ومن هنا، فإن الأزمة الحقيقية التي تواجه النظام الإيراني ليست أزمة ضغوط خارجية أو عقوبات اقتصادية فحسب، بل أزمة شرعية داخلية أخذت تتعمق عاما بعد آخر. فالاحتجاجات المتكررة، واتساع الهوة بين المجتمع والسلطة، واستمرار رفض شرائح واسعة من الإيرانيين لنهج الحكم القائم، كلها مؤشرات على أن الرواية الرسمية فقدت كثيرا من قدرتها على الإقناع، وأن الشعارات التي كانت تستخدم لتعبئة الجماهير لم تعد قادرة على حجب واقع يتسم بالأزمات المتلاحقة.
وفي المقابل، برزت المقاومة الإيرانية المنظمة بوصفها أحد أبرز التعبيرات السياسية عن رفض هذا الواقع، مستندة إلى رؤية تدعو إلى إقامة دولة ديمقراطية تقوم على سيادة الشعب، والتعددية السياسية، والفصل بين الدين والدولة، واحترام حقوق الإنسان. ومهما اختلفت المواقف السياسية تجاهها، فإن استمرار حضورها رغم عقود من القمع يعكس أن المجتمع الإيراني لم يتخل عن تطلعه إلى بديل سياسي يطوي صفحة الاستبداد.
إن من يريد قيادة الأمة الإسلامية، عليه أولا أن يكسب ثقة شعبه. ومن يطالب باحترام المسلمين له، عليه أن يحترم مواطنيه قبل غيرهم. أما الاستمرار في الجمع بين خطاب ديني عابر للحدود وسياسات قمعية داخل الحدود، فهو تناقض لا يمكن أن يصمد طويلا أمام وعي الشعوب.
لقد أثبت التاريخ أن الدول لا تقاس بما ترفعه من شعارات، بل بما تحققه من عدالة. والنظام الذي يقف اليوم في مواجهة شعبه، ويجعل من المطالبة بالحرية جريمة، ومن الاختلاف السياسي سببا للاعتقال أو الإعدام، لا يواجه أزمة صورة فحسب، بل أزمة مشروعية. ولهذا، فإن السؤال لم يعد: كيف يطمح هذا النظام إلى قيادة الأمة الإسلامية؟ بل كيف يمكنه أن يقنع شعبه نفسه بأنه ما زال يمتلك الشرعية الأخلاقية والسياسية لقيادته؟

772 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع