
إرم نيوز:تنقل واشنطن ضغوطها على الفصائل العراقية المرتبطة بطهران إلى مرحلة مالية وسياسية أكثر تركيزًا بعد اكتمال انسحاب القوات الأمريكية من العراق، مع اهتمام متزايد بالشركات والواجهات الاقتصادية ومسارات التمويل التابعة لفصائل تعمل ضمن الحشد الشعبي، فيما تواجه بغداد استحقاقًا مؤجلًا يتعلق بحصر السلاح وتنظيم وضع تشكيلات احتفظت باستقلال واسع رغم إدراجها رسميًا ضمن المؤسسات الأمنية.
وجاء التحول بعد مغادرة آخر القوات الأمريكية نهاية سبتمبر/ أيلول، فيما شددت وزارة الدفاع الأمريكية على أن مسؤولية التعامل مع الجماعات المرتبطة بإيران باتت تقع على الحكومة العراقية، بالتزامن مع اجتماع وزير الخزانة سكوت بيسنت بوزير الخارجية العراقي فؤاد حسين في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول، حيث ناقش الطرفان بصورة مباشرة "نزع الطابع العسكري عن الميليشيات الإيرانية" في العراق.
الضغط ينتقل إلى المال
وتفيد معلومات لـ"إرم نيوز" من مصدر دبلوماسي أمريكي في وزارة الخارجية بأن العمل الحالي يركز على ثلاثة مسارات مترابطة تشمل الشركات التي توفر للفصائل عقودًا وإيرادات، والشخصيات التي تدير حركة الأموال بين الكيانات العسكرية والتجارية، والمصارف أو الوسطاء الذين يسمحون بوصول هذه الشبكات إلى النظام المالي العراقي.
وتشمل الملفات التي تحظى باهتمام أمريكي شبكات مرتبطة بكتائب حزب الله وعصائب أهل الحق وحركة النجباء، إلى جانب النشاط الاقتصادي لشركات مرتبطة بهيئة الحشد، ومن بينها شركة المهندس العامة التي توسعت خلال السنوات الماضية في قطاعات العقارات والزراعة والصناعة والمشروعات الحكومية.
وتعتبر وزارة الخزانة الأمريكية كتائب حزب الله من أكثر التشكيلات نفوذًا داخل الحشد، كما سبق أن ربطت شركة المهندس وواجهات اقتصادية أخرى بتوسع نفوذ الجماعات الموالية لطهران داخل الاقتصاد العراقي، فيما وسعت واشنطن خلال سبتمبر/ أيلول عملية "المنبوذ الاقتصادي" لاستهداف شبكات التمويل التابعة للحرس الثوري وأذرعه الإقليمية.
في حين يغير خروج القوات الأمريكية طبيعة المواجهة مع الفصائل، إذ فقدت هذه الجماعات الذريعة التي استخدمتها طوال سنوات لربط سلاحها بوجود عسكري أجنبي، بينما بقيت مصادر قوتها الاقتصادية والسياسية قائمة، لذلك تنتقل المسألة من ذريعة الوجود الأمريكي إلى قدرة الدولة العراقية على ضبط تشكيلات تمتلك رواتب رسمية ونفوذًا سياسيًا وأذرعًا اقتصادية مستقلة.
بغداد تبحث صيغة الاحتواء
بينما تفيد مصادر سياسية عراقية لـ"إرم نيوز" بأن أطرافًا داخل الإطار التنسيقي تبحث صيغة تقوم على إعادة تنظيم بعض التشكيلات ودمج مقاتلين ووحدات بصورة أوضح داخل هياكل الدولة، مع فصل النشاط السياسي والاقتصادي عن الأجنحة المسلحة تدريجيًا، بدل إطلاق مواجهة حكومية مباشرة مع الفصائل الكبرى.
وتركز الاتصالات على الموقف من كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق والنجباء، فيما يشارك قياديون في الإطار في محاولة التوصل إلى جدول يربط استمرار التمويل الرسمي بدرجة الالتزام بأوامر القيادة الحكومية وبإعادة ترتيب الأسلحة الثقيلة والمقار والمنافذ الاقتصادية.
وتأتي هذه التحركات بعدما حددت الحكومة العراقية 30 يونيو/ حزيران 2027 موعدًا جديدًا لمعالجة ملف السلاح، في حين رفضت كتائب حزب الله الحديث عن تفاهم على نزع السلاح بعد اكتمال الانسحاب الأمريكي، ورفعت فصائل قريبة من طهران سقف شروطها إلى المطالبة بإنهاء ما تصفه بالنفوذ الأمريكي على عائدات النفط العراقية المودعة عبر الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
ويكشف انتقال المطالب من خروج القوات إلى النظام المالي حجم المشكلة أمام بغداد، فالفصائل تستطيع إنتاج شرط جديد كلما سقط شرط سابق، وهو ما يحوّل ملف السلاح إلى وسيلة لحماية نفوذ سياسي واقتصادي تراكم منذ الحرب على تنظيم داعش، ويمنح طهران أدوات داخل العراق تتجاوز العلاقة العسكرية المباشرة.
عقوبات أكثر دقة
وبحسب المصدر الأمريكي، تبحث واشنطن توسيع الضغط ليطال مسؤولين وواجهات اقتصادية تُسهّل استفادة الفصائل من العقود الحكومية أو التحويلات التجارية، مع تركيز خاص على منع نقل الأموال بين الكيانات الخاضعة للعقوبات وشركات عراقية تعمل بأسماء مدنية.
وتأخذ الإدارة الأمريكية في حسابها تأثير أي إجراءات على المصارف العراقية وسوق الدولار، لذلك تميل الأدوات الحالية إلى الاستهداف الفردي والمؤسسي المحدد بدل إجراءات واسعة تصيب النظام المالي بأكمله، مع ربط استمرار التعاون الاقتصادي مع بغداد بتقدم يمكن قياسه في ملف الجماعات المرتبطة بإيران.
وفي بغداد، تتحول نهاية الوجود الأمريكي إلى بداية اختبار أكثر صعوبة، لأن الحكومة أصبحت مطالبة بإثبات قدرتها على فرض سلسلة قيادة واحدة على تشكيلات تتلقى تمويلًا حكوميًا وتحافظ في الوقت نفسه على علاقات سياسية وعسكرية مع طهران، فيما تمنح العقوبات الأمريكية المقبلة هذا الملف بعدًا ماليًا يجعل كلفة تأجيله أعلى على الدولة العراقية نفسها.

975 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع