
أيام زمان الجزء ٧٤ - المسحرچي

المسحرچي صوت السحور وذاكرة رمضان
أبو طبيلة.. حين كان رمضان يطرق الأبواب
كان لرمضان في العراق زمانٌ آخر، طعمٌ آخر، ورائحةٌ أخرى، بل حتى الليل نفسه كان يبدو مختلفاً.
لم تكن هناك هواتف ذكية توقظنا، ولا ساعات إلكترونية تصرخ في آذاننا، ولا تطبيقات تقول لنا: «حان وقت السحور». كان هناك شيء أبسط وأجمل كان هناك أبو طبيلة.
ذلك الرجل الذي كان يخرج في آخر الليل، والمدينة غارقة في النوم، يحمل طبلته ويمشي في الأزقة، يضرب عليها ضربات متتابعة، وينادي بصوته الذي كان يصل إلى أبعد بيت:
دُم... دُم... دُم...
سحور... سحور... يا صائمين...
سحور... سحور... سحوووور!
وأحياناً كان ينادي:
اصحَ يا صايم، وحّد الدايم!
كان صوته جزءاً من رمضان، مثل صوت المؤذن، ورائحة الخبز الحار، و«قليان» البصل في مطبخ الأم، وصوت الصحون وهي تتحرك استعداداً للسحور.

كانت إشراقات وقت السحور، ونداءاته التي تشق سكون الليل، وتلك الطقوس الرمضانية الخالدة، تضفي على ليالي الشهر الكريم نكهة خاصة وجمالية قلّ نظيرها. فلم يكن رمضان في الذاكرة الشعبية مجرد شهر للصيام والعبادة، بل كان موسماً تتفتح فيه أبواب الحياة الاجتماعية والثقافية والفنية، وتختلط فيه أصوات الناس بروائح الطعام، وأنوار الفوانيس، ونداءات المساجد، لتصنع جميعها مشهداً تراثياً لا يزال يسكن الذاكرة.
وقد امتدت تأثيرات هذه الأجواء إلى المجالات الفكرية والثقافية بصورة عامة، وإلى الفنون بصورة خاصة، فألهمت كثيراً من الفنانين والمبدعين لإنجاز أعمال فنية استمدوا موضوعاتها وتكويناتها من قبسات هذا الشهر وأجوائه الروحية والاجتماعية. فجسّد الفنانون في لوحاتهم ومشاهدهم ملامح المجتمع العربي، وعاداته وتقاليده الشعبية، ومن بينها طقس السحور وشخصية المسحرچي، تلك الشخصية التي أصبحت واحدة من أبرز الرموز الشعبية المرتبطة بليالي رمضان.
المسحرچي.. أيقونة من ذاكرة رمضان
المسحرچي ليس مجرد رجل يحمل طبلة ويجوب الأزقة في ساعات الليل المتأخرة، بل هو شخصية فلكلورية ارتبط حضورها بذاكرة أجيال كاملة.
فحين كانت المدن تنام مبكراً، وكانت الأزقة أكثر هدوء، والشوارع أقل ازدحاماً، كان المسحرچي يبدأ جولته قبيل الفجر، يشق ظلمة الليل بخطواته الهادئة، ويحمل طبلته التي أصبحت جزءاً من هويته.
يضرب عليها بإيقاع يعرفه أهل المحلة
دُم... دُم... دُم...
ثم يرتفع صوته منادياً الصائمين:
قوموا للسحور... قوموا لذكر الله...
اصحَ يا صايم، وحّد الدايم!
فتتحرك البيوت من الداخل، وتفتح الأمهات أبواب المطابخ، ويستيقظ الرجال والأطفال، ويبدأ
الاستعداد لتلك الوجبة التي كانت تجمع أفراد العائلة حول مائدة واحدة.
وهكذا كان صوت المسحرچي أشبه بساعة المدينة الشعبية؛ لا تحتاج إلى كهرباء ولا بطاريات، وإنما تحتاج إلى رجل يعرف شوارعها وأهلها، ويعرف أن مهمته تبدأ عندما يكون الآخرون غارقين في النوم.
حين كان الزقاق يعرف أهله
في مدننا القديمة، كان المسحرچي يعرف البيوت وأصحابها، ويعرف الأزقة والدروب التي يسلكها كل ليلة. كان يمر من هذا الزقاق، ثم ينعطف عند ذلك البيت، ويتوقف لحظات أمام منزل أحد كبار السن، ثم يتابع سيره. وكان الأطفال ينتظرونه بشغف، فيطلون من النوافذ أو يقفون عند الأبواب لمشاهدة الرجل وهو يواصل جولته. وفي بعض المناطق، كان الأطفال يسيرون خلفه لمسافة، وكأنهم في موكب صغير، ثم يعودون إلى بيوتهم عندما يقترب موعد الأذان.
كانت تلك التفاصيل البسيطة تصنع فرحاً لا يحتاج إلى كثير من المال، ولا إلى وسائل الترفيه الحديثة.
من الطبل إلى اللوحة
ولأن الفن ابن البيئة، لم يكن غريباً أن تتحول شخصية المسحرچي إلى موضوع محبب للفنانين التشكيليين.
فهي شخصية غنية بالتفاصيل البصرية:
رجل يسير في عتمة الليل، يحمل طبلته، يرفع يده، يتحرك بين الأزقة الضيقة، وخلفه بيوت قديمة وشبابيك مضاءة، بينما تتسلل من بعض البيوت أضواء خافتة توحي بأن العائلات بدأت تستعد للسحور.
إنها صورة تحمل في داخلها الحكاية، واللون، والحركة، والضوء. ولهذا أصبحت شخصية المسحرچي واحدة من الثيمات الشعبية التي استلهم منها الفنانون أعمالاً تستحضر رمضان في بعده الاجتماعي والتراثي، وتحفظ مشهداً كان يمكن أن يختفي مع تغير الزمن.
فالفنان لا يرسم رجلاً يحمل طبلة فقط؛ إنه يرسم ذاكرة مجتمع.
صوت المسحرچي والمئذنة
ولعل أجمل ما في تلك اللحظات هو ذلك الحوار غير المكتوب بين صوت المسحرچي وصوت المئذنة.
كان صوت الطبلة يأتي من آخر الزقاق:
دُم... دُم... دُم...
ثم يأتي صوت المسحرچي:
يا صائمين... قوموا للسحور...
وبعدها يعلو صوت المؤذن من المئذنة معلناً اقتراب الفجر.
فتلتقي الأصوات في فضاء واحد، في مشهد روحاني واجتماعي يصعب وصف جماله لمن لم يعشه.
كان الليل آنذاك له طقوسه، والسحور له طقوسه، وحتى الاستيقاظ نفسه كان له طعم خاص.
مهنة تنتقل من جيل إلى جيل
ومع مرور السنين، لم يعد المسحرچي مجرد فرد يقوم بهذه المهمة، بل تحولت المهنة في بعض البيئات إلى تقليد تتوارثه بعض العائلات، فيحمل الابن طبلة أبيه، ويواصل المسيرة في الأزقة نفسها
التي كان الأب يجوبها. وهكذا تنتقل الحكاية من جيل إلى جيل. الطبلة نفسها ربما تتغير، والصوت ربما يضعف مع تقدم العمر، لكن الطقس يبقى. وكأن العائلة تقول للمدينة:
ما زلنا هنا... وما زال رمضان هنا.
عندما دخل المنبّه إلى بيوتنا
ثم تغير كل شيء. دخل الراديو إلى البيوت، ثم التلفزيون، ثم الساعة المنبهة، وأخيراً الهاتف المحمول.
وأصبح الإنسان قادراً على ضبط هاتفه على موعد السحور، فيوقظه الجهاز بنغمة أو موسيقى أو صوت يختاره. وهكذا تراجع دور المسحرچي شيئاً فشيئاً.
لكن التكنولوجيا، مهما تقدمت، لم تستطع أن تمنحنا ذلك الإحساس الذي كان يصنعه صوت رجل يمشي في الزقاق في آخر الليل.
فالمنبّه يوقظ الإنسان فقط.
أما المسحرچي فكان يوقظ الحي كله.
المسحرچي في ذاكرة العراقيين

وفي العراق، حيث كانت للأحياء القديمة خصوصيتها، وللأزقة حكاياتها، وللجيران علاقة تتجاوز مجرد معرفة الأسماء، كان للمسحرچي حضور خاص في الذاكرة الشعبية. كان جزءاً من المشهد الرمضاني الذي عاشه الآباء والأجداد.
وحين نتحدث اليوم عن «رمضان أيام زمان»، لا نستطيع أن نتجاهل ذلك الرجل الذي كان يسير في منتصف الليل، يحمل طبلته، ويوقظ الناس للسحور.
لقد أصبح المسحرچي جزءاً من الذاكرة، مثل بائع العرقچين، وبائع الحليب، وجراخ السكاكين، وبائع الحطب، وغيرهم من أصحاب المهن والشخصيات التي كانت تضفي على الحي القديم حياة وحركة.
تراث لا ينبغي أن ينام
إن اختفاء بعض هذه المظاهر من حياتنا لا يعني أنها فقدت قيمتها. فالمجتمعات لا تحافظ على تاريخها بالكتب وحدها، وإنما تحفظه أيضاً بالحكايات والصور والفنون والأغاني والأمثال والعادات الشعبية. والمسحرچي واحد من هذه الرموز التي تختزن في داخلها جانباً من تاريخ المجتمع العربي والإسلامي، بما يحمله من عادات وتقاليد وطقوس ارتبطت بشهر رمضان.
ولهذا فإن استحضار شخصيته في الفن والأدب والصورة ليس مجرد استعادة للماضي، بل هو محاولة لحفظ جزء من الذاكرة الشعبية من النسيان.
دُم... دُم... وما زال الصوت في الذاكرة
ربما لم يعد المسحرچي يجوب كل الأزقة كما كان في الماضي، وربما أصبح وجوده في بعض المدن جزءاً من الفولكلور والاحتفالات التراثية. لكن صوته لم يختفِ تماماً. إنه ما زال يعيش في ذاكرة الذين سمعوه ذات ليلة، وهم أطفال، وهم يفتحون أعينهم على صوت الطبلة:
دُم... دُم... دُم...
ثم صوت الرجل القادم من بعيد:
قوموا للسحور... تسحروا... قوموا لذكر الله...
صوتٌ كان يعبر الأزقة، ويدخل البيوت، ويوقظ النائمين، لكنه بقي بعد مرور السنين يوقظ شيئاً آخر في داخلنا:
أجره كان من القلب
لم يكن أبو طبيلة في كثير من الأحيان ينتظر أجراً كبيراً. كان يقوم بهذه المهمة بوصفها تقليداً من تقاليد رمضان وخدمة لأهل المحلة، وفي نهاية الشهر كان أهل المنطقة يكرمونه بما يستطيعون من نقود أو طعام أو هدايا. وكان يعرف أن أهل المحلة يعرفونه ويقدرون ما يقوم به.
واليوم، عندما نتذكر تلك الأيام، ندرك أن الرجل لم يكن يوقظ الناس من النوم فقط، بل كان يؤدي دوراً اجتماعياً صغيراً لكنه جميل.
كان يعرف الناس، وهم يعرفونه.
كانت مهمة المسحرجي في كثير من المناطق عملاً تطوعياً، وكان بعض من يمارسونها يعدّونها خدمة لأهل المنطقة وطقساً من طقوس رمضان أكثر من كونها مهنة للحصول على المال. وتشير روايات عراقية إلى أن المكافأة كانت أحياناً تؤجل إلى نهاية الشهر أو إلى أيام العيد، فيقدم له أهل المحلة المال والطعام والحلوى تقديراً لما قام به طوال ليالي رمضان.
الحنين إلى زمن كانت فيه الحياة أبسط، والجيرة أقرب، والليالي أطول، ورمضان أكثر حضوراً في تفاصيل حياتنا. فالمسحرچي لم يكن مجرد رجل يحمل طبلة...كان صوتاً من أصوات رمضان، وشخصية من شخصيات الذاكرة الشعبية، وفصلاً من كتاب التراث الذي لا ينبغي أن نسمح له بأن يُغلق إلى الأبد.
طبلة واحدة كانت تكفي لإيقاظ حي كامل
الأطفال كانوا ينتظرونه أكثر من الكبار
كان واحداً من أولئك الذين جعلوا للزمن صوتاً... وللذكريات نبضاً.
يمارس الأطفال التقليد البغدادي والعراقي العريق في ليالي شهر رمضان (وتحديداً في منتصف الشهر)؛ حيث يتجولون في الأزقة ويطرقون أبواب البيوت وهم يحملون أكياساً وفوانيس لتجميع الحلوى والمكسرات من الأهالي.
ومن أجمل ما ارتبط بهذه العادة نداء منتصف رمضان، حين كان المسحرجي يردد:
ما جينه يا ما جينه
حِلّي الكيس وأعطينا
تعطونا لو نعطيكم
لبيت مكة نوديكم
ربي العالي يخليكم.
او
ماجينه يا ماجينه.. حلي الچيس وانطينه
حلي الچيس للطالب.. وانطي للذي راغب
جينالك تره انطالب.. والطالب انت اتعينه
يا اهل السطوح تنطونه لو نروح؟
تنطونه لو ننطيكم.. لبيت مكة انوديكم
ربي العالي يخليكم.. تنطونه من مال الله
يخلي الكم عبد الله!
ملاحظة:
«أبو طبيلة» و«أبو طبل» التسميتان صحيحتان، لكن هما الأكثر توثيقاً في المصادر التي اطلعت عليها عن العراق.
أبو طبل: تسمية شعبية تُطلق على المسحرجي، وقد وردت في الحديث عن بغداد ومحافظات عراقية أخرى.
أبو طبيلة: تسمية معروفة خصوصاً في جنوب العراق، ومنها البصرة، كما تذكرها مصادر تراثية عن الحلة.
المسحرجي: التسمية العراقية الشائعة لهذه الشخصية الرمضانية.
أبو الدمام: تسمية أخرى وردت في بعض المصادر العراقي
أما كلمة طبيلة، فهي تصغير شعبي لكلمة «طبلة»، ومنها جاءت الكنية «أبو طبيلة»، نسبةً إلى الطبل الذي كان يحمله ويقرع عليه لإيقاظ الناس للسحور.
الأجمل أن نختم المقال بسؤال يلامس القارئ:
ترى هل افتقدنا المسحرجي لأنه كان يوقظنا من النوم، أم لأننا افتقدنا ذلك الزمن الذي كان فيه صوت رجل بسيط قادراً على أن يجمع الحارة كلها حول ذكرى واحدة؟
للراغبين الأطلاغ على الجزء السابق:
https://algardenia.com/mochtaratt/73290-2026-09-22-16-06-05.html

825 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع