
العراق على شاشة واحدة ذاكرة التلفزيون الذي جمع الناس

لم يكن التلفزيون العراقي، في زمن القناة الواحدة، جهازاً في زاوية البيت فحسب؛ بل كان موعداً وطنياً تتشارك فيه المدن والأرياف، وتلتقي عنده الأسرة العراقية على اختلاف أعمارها وميولها. كانت الشاشة محدودة الإمكانات، بالأبيض والأسود أولاً ثم بالألوان، لكنها واسعة الأثر؛ تقدم الرياضة والمعرفة والفن والطفولة والدراما والتاريخ في إيقاع أسبوعي ثابت. لذلك بقيت أسماء البرامج وروادها جزءاً من ذاكرة الناس، لا بوصفها معلومات عن البث، بل بوصفها علامات على زمن كان فيه الموعد التلفزيوني يجمع الجيران والأقارب حول حديث واحد في اليوم التالي. وفي ما يأتي تصويب للأسماء والعناوين المتداولة، مع نبذة عن القيمة التي منحها كل برنامج لثقافة المشاهد العراقي.

كان برنامج «الرياضة في أسبوع» من أكثر تلك المواعيد رسوخاً. أعده وقدمه الأستاذ مؤيد البدري، وبدأ في 24 آذار 1963، وظل يُعرض مساء كل ثلاثاء على امتداد نحو ثلاثة عقود. لم يكن البرنامج مجرد نشرة نتائج أو تعليق على مباريات؛ فقد منح الرياضة لغة قريبة من الجمهور، وعرّف الناس بأندية العراق ولاعبيه ومبارياته العربية والدولية، وربط بين المتعة الرياضية والمعرفة بقواعد اللعب وأخلاق المنافسة. كانت طريقة مؤيد البدري في الحديث الهادئ والواثق، مع الصور واللقطات والتحليل، تجعل الحلقة حدثاً أسبوعياً منتظراً؛ حتى إن كثيراً من العائلات كانت ترتب أعمالها لتجلس أمام الشاشة في موعده. وبفضله صار المذيع الرياضي شخصية ثقافية مألوفة، لا ناقلاً للخبر فقط.

وفي مساء الأربعاء كان المشاهدون على موعد مع برنامج «العلم للجميع» الذي أعده وقدمه الأستاذ كامل الدباغ، الفيزيائي والمربّي العراقي. عُرضت حلقته الأولى في 28 أيلول 1960، واستمر البرنامج حتى 11 آذار 1994. هذه المدة الطويلة تفسر مكانته الاستثنائية في الذاكرة العراقية؛ إذ جعل التجربة العلمية مفهومة وقريبة من البيت والمدرسة، وفتح باب الأسئلة أمام الصغار والكبار. كان الدباغ يشرح الظواهر العلمية بلغة سهلة، ويعرض الاختراعات والتجارب، ويشجع على القراءة والابتكار، من غير أن يفقد البرنامج دقته أو احترامه لعقل المشاهد. ولم يكن نجاحه في تقديم معلومة عابرة، بل في صنع فضول علمي عام؛ فصار اسم البرنامج مرادفاً لفكرة أن المعرفة حق مشترك وليست حِكراً على المتخصصين.

أما برنامج «عدسة الفن» فارتبط في ذاكرة المشاهدين بالإعلامية خيرية حبيب، لا سيما في مرحلته الأوسع انتشاراً منذ أواخر الستينيات. كان البرنامج يُعرض مساء الخميس، ويأخذ الناس إلى عالم الغناء والمسرح والسينما والفنون التشكيلية، عبر أخبار الفنانين واللقاءات والمتابعات النقدية. وتدل الروايات الصحفية على أن البرنامج بدأ في ستينيات القرن العشرين بإعداد خالد ناجي، وقدمه في بداياته الفنان سامي السراج قبل أن تتولاه خيرية حبيب. ومع حضورها الهادئ وقراءتها الرشيقة للمادة الفنية، صار «عدسة الفن» نافذةً ثقافية لا تلاحق الشهرة وحدها، بل تشرح العمل الفني وتقرّب الجمهور من مبدعيه. حتى موسيقى المقدمة غدت جزءاً من ذاكرة الخميس العراقي.

ومن التصويبات المهمة أن برنامج «السينما والناس» لم يكن موعده الأسبوعي مساء الأربعاء؛ بل عُرض في سهرة كل يوم أحد. قدمته الإعلامية والفنانة اعتقال الطائي، وهي الصيغة الصحيحة للاسم، وأعده في مرحلة بارزة علي زين العابدين، بعد إسهامات مبكرة لخالد ناجي في البرنامج. كان البناء بسيطاً وجذاباً: عرض فيلم عالمي أو الحديث عنه، ثم مناقشة فكرته الفنية والإنسانية مع ضيف أو مهتم بالسينما. بهذه الطريقة أصبح البرنامج مدرسة مشاهدة؛ عرف من خلالها الجمهور أفلاماً كبيرة مثل «العراب» وأعمالاً عالمية أخرى، وتعلّم أن السينما ليست تسلية صامتة بل لغة تُقرأ وتُناقش. وقد ساعدت اعتقال الطائي، بخلفيتها الفنية ودراستها اللاحقة للسينما، في جعل الحديث عن الفيلم أقرب إلى الناس وأعمق من الدعاية له.

وليس «الحاج راضي» اسماً لمسلسل، بل هو الشخصية المحببة في مسلسل «تحت موس الحلاق». أدّى الدور الفنان الكبير سليم البصري، وشاركه حمودي الحارثي في شخصية عبوسي، مع نخبة من ممثلي الدراما العراقية. بدأ المسلسل سنة 1961، وكتبه سليم البصري وأخرجه عمانوئيل رسام. صور العمل حياً شعبياً بغدادياً، واتخذ من محل الحلاقة مكاناً تتقاطع فيه الحكايات والهموم والطرائف. كان ضحكه نابعاً من تفاصيل الناس: الأمية والتعليم، العمل والعلاقات الاجتماعية، والفوارق بين البساطة الشعبية والتعقيد الإداري. لذلك لم يبقَ «تحت موس الحلاق» عملاً كوميدياً فحسب، بل صار وثيقة درامية عن ملامح بغداد وأهلها في مرحلة مبكرة من التلفزيون العراقي.

وفي ذاكرة الطفولة يبرز برنامج «سينما الأطفال» الذي أعدته وقدمته الإعلامية نسرين جورج، المعروفة عند أجيال كثيرة باسم «ماما نسرين». كان يُعرض في موعد أسبوعي عصرًا، ويجمع الأطفال حول الفيلم والحوار والأسئلة والأغاني والفقرات التربوية. امتدت تجربته من السبعينيات إلى التسعينيات، وتركت أثراً واضحاً لأن نسرين جورج لم تكن تخاطب الطفل بلهجة الواعظ، بل تحاوره وتستخرج منه معنى الفيلم وما يثيره من أفكار. ولهذا صار البرنامج مساحةً للخيال والتذوق والتعبير، وساهم في بناء علاقة مبكرة بين الطفل العراقي والشاشة بوصفها وسيلة تعلم وبهجة في آن واحد.

والاسم الأكاديمي الصحيح لبرنامج «شيء من التاريخ» هو الأستاذ الدكتور محمد مظفر الأدهمي، لا «د. مظفر الأدهمي» فقط. قدم الأدهمي هذا البرنامج بوصفه مؤرخاً يروي التاريخ بلغة تلفزيونية، ويستند إلى الوثيقة والصورة والأرشيف والمقابلة. ركزت حلقاته على تاريخ العراق الحديث والمعاصر، ولا سيما مراحل تأسيس الدولة العراقية والحكم الملكي والتحولات السياسية الكبرى، واستضافت شخصيات وشهوداً وباحثين. ما ميّز البرنامج أنه نقل التاريخ من جفاف الكتاب المدرسي إلى حكاية موثقة يمكن للمشاهد أن يتابعها، من دون أن يفقد موضوعه جديته. ولهذا بقي أحد البرامج الثلاثة التي يتكرر ذكرها، إلى جانب «العلم للجميع» و«الرياضة في أسبوع»، كلما استعيد زمن تلفزيون العراق الجامع.

أما الفنان خليل الرفاعي فلا يصح اختزاله بعبارة «مسلسلات»؛ فهو ممثل واسع الحضور في المسرح والسينما والتلفزيون، وأسهم في تثبيت طابع الشخصية البغدادية في الدراما العراقية. من أبرز مشاركاته التلفزيونية ظهوره في «تحت موس الحلاق»، إلى جانب أعمال درامية وسهرات تمثيلية عديدة. كان يمتلك قدرة خاصة على الانتقال بين الجدية والكوميديا وعلى رسم الشخصيات اليومية من غير مبالغة. لذلك ارتبط اسمه لدى المشاهدين بنوعية الأداء الذي يجعل الشخصية قريبة من البيوت والحواري، ويمنح العمل التلفزيوني صدقه الاجتماعي.

وتأتي ثنائية الفنان محمد حسين عبد الرحيم والفنانة أمل طه في موضع أدق من وصفها بـ«المسلسلات» فقط. فقد شكلا ثنائياً كوميدياً محبوباً في برنامج «استراحة الظهيرة» الذي كان يُبث ظهر يوم الجمعة في مطلع الثمانينيات، ولا سيما في فقرة «يعجبني وما يعجبني». كانت الفقرة تقدّم مشاهد قصيرة ساخرة من ظواهر الحياة اليومية، فتضحك الناس وتنتقد عادات ومشكلات اجتماعية من دون خطاب مباشر. كما ترك كل منهما بصمته في الدراما: بدأ محمد حسين عبد الرحيم تلفزيونياً في «محطات الذاكرة» سنة 1979، ثم شارك في أعمال منها «حالات تعبان» و«أحلى الكلام» و«أيام الإجازة»، في حين كانت أمل طه واحدة من أبرز وجوه الكوميديا والدراما والمسرح في العراق. غير أن اجتماع الاثنين في «استراحة الظهيرة» هو ما حفظهما في ذاكرة برنامج عائلي كان يخفف من جدية الأسبوع ويمنح الضحك وظيفة اجتماعية ذكية.

وفي بند اكتشاف المواهب ينبغي الحذر من تثبيت معلومات لا يسندها أرشيف متاح. الاسم الصحيح هو «كنعان وصفي» لا «و كنعان وصقي»؛ وهو فنان عراقي عمل مطرباً وملحناً وممثلاً، وترأس قسم الموسيقى في وزارة الثقافة. أما تداول اسمي كمال عاكف وكنعان وصفي في سياق فقرات أو برامج اكتشاف المواهب فهو من الذاكرة الشفوية التي تحتاج إلى الرجوع إلى خرائط البث أو أرشيف الإذاعة والتلفزيون لتحديد اسم البرنامج ودور كل منهما على وجه الدقة. ومن الأمانة أن يُذكر هذا التحفظ في المقالة بدلاً من اختراع عنوان ثابت أو نسبة تقديم غير موثقة؛ فذاكرة التلفزيون غنية، لكنها تحتاج دائماً إلى سند أرشيفي يحفظ أسماء أصحابها.

ويكتمل المشهد باسم الفنان فخري الزبيدي، صاحب برنامج «صندوق السعادة». كان البرنامج من برامج المسابقات والطرافة التي تقوم على أسئلة متدرجة وجوائز مالية، مع حضور قوي لشخصية المقدم وخفة ظله. تذكر المصادر أن المتسابق كان يمر عبر أسئلة عدة، ويخاطر في السؤال الأخير بما جمعه من رصيد؛ وهي فكرة جعلت الحلقة مشوقة ومليئة بالتعليقات المرتجلة. لم يكن سر البرنامج في الجائزة وحدها، بل في فخري الزبيدي نفسه: في سرعة البديهة، واللطف البغدادي، والقدرة على تحويل التوتر إلى ضحكة. لذلك ارتبط اسمه في الوجدان الشعبي بالبهجة وبالبرنامج الذي أدخل روح اللعبة إلى البيوت العراقية.
إن استعادة هذه البرامج لا تعني الحنين إلى بساطة ماضية فقط، بل تذكير بقيمة التلفزيون حين يكون مؤسسة ثقافية عامة. في قناة واحدة اجتمعت الرياضة والعلم والفن والسينما والتاريخ والطفولة والدراما والكوميديا، ووجد كل فرد من أفراد الأسرة ما يخصه ثم ما يشاركه مع الآخرين. اختلفت الأزمنة وتعددت الشاشات، لكن أسماء مؤيد البدري وكامل الدباغ وخيرية حبيب واعتقال الطائي وسليم البصري ونسرين جورج ومحمد مظفر الأدهمي وخليل الرفاعي ومحمد حسين عبد الرحيم وأمل طه وفخري الزبيدي بقيت شاهداً على مرحلة صنعت جمهوراً مشتركاً. إنها ليست مجرد قائمة برامج، بل فصل من تاريخ اجتماعي عراقي، كان فيه التلفزيون يعلّم ويؤنس ويضحك، ويجمع البلد على شاشة واحدة.

814 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع