
إحدى محلات خان المدلل
محمد بركة /إرم نيوز:في قلب بغداد القديمة، يقف خان المدلل شاهدًا على عقود طويلة من التحولات التي مرت بها العاصمة العراقية، محتفظًا بين جدرانه بملامح مدينة تبدلت تفاصيلها، فيما بقي المكان مقصدًا للباحثين عن أثر الماضي وعشاق التحف والتراث.
ولا ترتبط شهرة الخان بتاريخ التجارة والأسواق فقط، إذ تحمل أروقته ذكرى زيارة فنية بارزة تعود إلى العام 1932، عندما حلت أم كلثوم في بغداد وأحيت حفلًا في المكان، وسط حضور جماهيري كبير احتفاءً بزيارة "كوكب الشرق".
وخلال الحفل، غنّت أم كلثوم أغنية "قلبك صخر جلمود"، التي كانت من أعمال المطربة العراقية الراحلة سليمة مراد، من ألحان الموسيقار العراقي صالح الكويتي.

من محطة للقوافل إلى سوق للتحف
يقع خان المدلل في منطقة الميدان، بالقرب من مبنى القشلة التاريخي، وينسب إلى عائلة المدلل البغدادية، فيما تعود نشأته إلى بدايات القرن العشرين.
وكانت الخانات في بغداد جزءًا أساسيًا من النشاط التجاري للمدينة، إذ شكلت محطات للقوافل القادمة من مناطق مختلفة، ووفرت للتجار والمسافرين أماكن للإقامة، إلى جانب مستودعات للبضائع وإسطبلات للدواب.

ومع تغير وسائل النقل، وانحسار حركة القوافل، تراجعت الوظيفة التقليدية للخانات، لكن خان المدلل تمكن من الاستمرار من خلال التحول تدريجيًا إلى سوق متخصصة في التحف والأنتيكات.
وخلال ثلاثينيات القرن الماضي، اكتسب المكان بعدًا ثقافيًا، وتحول إلى ملتقى للأدباء والفنانين ومقهى يرتاده المهتمون بالحياة الثقافية في بغداد، قبل أن يتخذ في ثمانينيات القرن الماضي هويته الحالية كسوق للتحف والأنتيكات.
وخضع الخان، لاحقًا، لأعمال ترميم هدفت إلى الحفاظ على عدد من ملامحه المعمارية والتراثية.
قطع تختصر ذاكرة بغداد
لا يحتاج زائر خان المدلل إلى كثير من الخيال ليشعر بأنه يتنقل داخل متحف مفتوح للحياة البغدادية القديمة.
فبين المحال، تصطف ساعات جدارية قديمة، وأجهزة راديو أوروبية الصنع، وهواتف سلكية كانت جزءًا من تفاصيل المنازل العراقية، إلى جانب الآلات الموسيقية، والأواني النحاسية، وأطقم الخزف، والأثاث الكلاسيكي.
وتبدو كل قطعة وكأنها تحمل حكاية منفصلة عن زمن آخر؛ ساعة توقفت عقاربها، أو جهاز راديو صمت منذ سنوات، أو هاتف كان يومًا وسيلة الاتصال الأساسية داخل البيوت.

تحديات الحفاظ على المكان
ورغم القيمة التاريخية التي يتمتع بها الخان، لم يعد سوق التحف يستقطب الزوار والمتسوقين بالمستوى الذي عرفه في عقود سابقة.
وتغيرت اهتمامات الأجيال الجديدة مع تبدل أنماط الحياة، فيما بات كثير من زوار المكان يكتفون بجولة بين المحال والتقاط الصور، دون شراء القطع المعروضة.
وتواجه السوق كذلك تحديات مرتبطة بالحفاظ على هويتها التراثية، في ظل مخاوف من أن تؤثر مشاريع التطوير والاستثمار على الطابع التاريخي للمكان.
ومع ذلك، يواصل أصحاب المحال فتح أبوابهم يوميًا أمام الزوار، متمسكين بمكان يرونه جزءًا من ذاكرة بغداد، وليس مجرد سوق لبيع التحف.

فخان المدلل، بما يضمه من مقتنيات وذكريات، لا يزال أشبه بسجل حي للعاصمة العراقية؛ مكان تختبئ في أروقته تفاصيل من بغداد التي عرفت الفن والموسيقى والأناقة، وتحوّلت فيه الأشياء القديمة من مجرد مقتنيات إلى شواهد على زمن مضى.

911 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع