بريطانيا تضع «قواعد السلوك» أمام طالبي اللجوء: الجنس بالتراضي والمساواة

إيلاف من لندن: لم تكتفِ بريطانيا هذه المرة بشرح إجراءات طلب اللجوء أو قواعد الإقامة والدعم، بل انتقلت مباشرة إلى ما تعتبره من أبجديات الحياة داخل المجتمع البريطاني: المرأة مساوية للرجل، التحرش ليس «مجاملة»، الزواج لا يمنح موافقة جنسية مفتوحة، ورفض الطرف الآخر يعني التوقف فوراً.

وبحسب دليل جديد أصدرته وزارة الداخلية البريطانية تحت عنوان «فهم السلوكيات والتوقعات في المملكة المتحدة: دليل لطالبي اللجوء»، واطلعت على مضمونه وسائل إعلام بريطانية، وضعت الحكومة في تسع صفحات مجموعة من القواعد القانونية والاجتماعية الموجهة إلى طالبي اللجوء، تشمل المساواة بين الجنسين والعنف المنزلي والجنس والموافقة والسلوك في الأماكن العامة، إلى جانب إرشادات للضحايا بشأن طلب المساعدة.

حدود واضحة
لغة الدليل مباشرة، وفي بعض المواضع شديدة الصراحة. فالوافدون يُبلغون بأن النساء في بريطانيا يتمتعن بالحقوق نفسها التي يتمتع بها الرجال، بما في ذلك العمل والدراسة وإدارة أموالهن واتخاذ القرارات المتعلقة بحياتهن، وأنهن لا يحتجن إلى إذن من زوج أو أب أو أخ لممارسة هذه الحقوق.

ولا تتوقف التعليمات عند المبادئ العامة، إذ تسرد الوزارة سلوكيات يتعين تجنبها في التعامل مع الآخرين، من بينها إطلاق تعليقات ذات مضمون جنسي، حتى عندما يعتقد صاحبها أنها «مجاملة»، والتصفير لشخص أو إصدار أصوات تقبيل نحوه، وملاحقته أو اعتراض طريقه، والقيام بإشارات بذيئة أو توجيه إهانات إليه بسبب جنسه أو دينه أو مظهره.

وتأتي الرسالة الحكومية هنا واضحة: اختلاف الخلفية الثقافية أو الاجتماعية لا يعفي من الالتزام بالقانون البريطاني.

«لا» تعني لا
أكثر أجزاء الدليل وضوحاً يتعلق بالجنس والموافقة. فالوزارة تشدد على أن أي نشاط جنسي يتطلب موافقة حرة من الطرفين، من دون تهديد أو قوة أو ضغط، وأن الموافقة السابقة لا تعني استمرارها تلقائياً.

كما توضح أن الشخص النائم أو شديد السكر أو غير القادر على الاستجابة لا يستطيع إعطاء موافقة قانونية، وأن من حق أي شخص تغيير رأيه في أي لحظة.

ويمتد ذلك صراحة إلى العلاقات الزوجية. فالدليل يؤكد أن الزواج أو وجود علاقة عاطفية لا يعني وجود موافقة دائمة على ممارسة الجنس، وأن موافقة الطرف الآخر مطلوبة في كل مرة. كما يحذر من أن النشاط الجنسي مع من هم دون سن السادسة عشرة مخالف للقانون البريطاني.

بهذا المعنى، لا يقدم الدليل الزواج بوصفه استثناءً من قواعد الموافقة، بل يضع العلاقة الزوجية داخل الإطار القانوني نفسه الذي يحكم أي علاقة جنسية أخرى.

صور وملاحقة
ويتناول الدليل أيضاً الاعتداءات التي قد تقع بعيداً من الاتصال الجسدي المباشر. فالتقاط صور جنسية لشخص أو مشاركتها من دون موافقته يمكن أن يشكل جريمة خطيرة، كما يمكن للملاحقة والترهيب وبعض أشكال التحرش في الأماكن العامة أن تؤدي إلى تدخل الشرطة.

وتؤكد التعليمات أن اختلاف المعتقدات والأديان والثقافات والعلاقات وأنماط الحياة لا يمنح أي شخص الحق في الإساءة إلى الآخرين، وأن المطلوب هو معاملتهم باحترام حتى عندما لا يوافق الفرد على معتقداتهم أو الطريقة التي يختارون العيش بها.

وفي المقابل، لا يخاطب الدليل مرتكبي المخالفات المحتملين وحدهم، بل يتضمن أيضاً معلومات لطالبي اللجوء الذين قد يتعرضون هم أنفسهم للعنف أو الاعتداء أو الاستغلال، مع توجيههم إلى الجهات التي يمكن طلب الدعم منها.

عواقب الهجرة
وتكتسب الوثيقة ثقلاً إضافياً لأنها تربط مخالفة القواعد بعواقب لا تقتصر بالضرورة على الملاحقة الجنائية. فقد قالت وزارة الداخلية إن من يأتي إلى المملكة المتحدة يُتوقع منه احترام قوانينها، محذرة من أن المخالفات قد تقود إلى عواقب تمس وضع الشخص في البلاد، بما في ذلك طلب اللجوء أو البقاء في المملكة المتحدة. وكانت تقارير بريطانية عن الدليل قد أشارت أيضاً إلى إمكان فقدان بعض أشكال السكن أو الدعم تبعاً لطبيعة المخالفة وظروفها.

لكن من المهم التمييز بين صدور إدانة جنائية وبين الرفض التلقائي لطلب اللجوء؛ فقرارات الحماية والهجرة تخضع للقانون ولملابسات كل حالة، ولا تعني كل مخالفة بالضرورة النتيجة نفسها.

ملف ضاغط
إصدار الدليل يأتي بينما تبقى الهجرة واللجوء من أكثر الملفات السياسية حساسية في بريطانيا، وخصوصاً مع استمرار عبور بحر المانش بالقوارب الصغيرة.

وتظهر الأرقام الرسمية أن نحو 101 ألف شخص تقدموا بطلبات لجوء في المملكة المتحدة خلال السنة المنتهية في ديسمبر/كانون الأول 2025، بانخفاض 4 في المئة عن العام السابق. كما سجلت السلطات نحو 46 ألف حالة وصول عبر طرق دخول غير نظامية مكتشفة، بينها نحو 41 ألفاً بالقوارب الصغيرة.

ولا تعني هذه الأرقام أن جميع طالبي اللجوء وصلوا بالقوارب. فالبيانات الحكومية تشير إلى أن القوارب الصغيرة مثلت نحو 41 في المئة من إجمالي طالبي اللجوء في 2025، بينما كان نحو 39 في المئة من المتقدمين قد دخلوا بريطانيا سابقاً بتأشيرة أو بإذن قانوني آخر.

رسالة مزدوجة
سياسياً، يحمل الدليل رسالتين في وقت واحد: الأولى إلى الوافدين، ومضمونها أن القواعد القانونية والاجتماعية الأساسية ليست قابلة للتفاوض أو التذرع بعدم معرفتها؛ والثانية إلى الداخل البريطاني، حيث تسعى الحكومة إلى إظهار أن نظام اللجوء لا يقتصر على توفير الحماية والسكن والدعم، بل يفرض في المقابل التزاماً بالقانون.

وتظل الوثيقة في جوهرها دليلاً تعريفياً، لا قانوناً جديداً. فهي لا تستحدث جرائم جديدة، بل تجمع في صيغة مبسطة قواعد موجودة أصلاً في التشريعات البريطانية وتضعها أمام طالبي اللجوء منذ المراحل الأولى لإقامتهم في البلاد.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

838 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع