التنكيل بالعراق دراسة في سبع حلقات الحلقة الأولى: الكاتب والكتاب والمرحلة

د.رعد البيدر

 التنكيل بالعراق دراسة في سبع حلقات الحلقة الأولى: الكاتب والكتاب والمرحلة

لم تكن سنوات العقوبات على العراق مجرد فترة سياسية عابرة في تاريخ البلاد. امتدت سنوات الحصار على العراق من 1990 إلى 2003، استنادًا إلى حزمة قرارات دولية غير مسبوقة في تاريخ الأمم المتحدة، تحولت إلى واقع معاناة عسير، ومن ملف في مجلس الأمن إلى نقص في الدواء والغذاء والطاقة، ومن خلاف بين حكومات إلى تهديد لحياة الملايين من العراقيين. بقيت آثار المرحلة حاضرة في الذاكرة العراقية، وبقيت مسؤولية المجتمع الدولي عن نتائجها موضع نقاش سياسي وقانوني وأخلاقي لا يمحوها تقادم الزمن.

جيف سيمونز، مؤلف كتاب «التنكيل بالعراق: العقوبات والقانون والعدالة»، كاتب بريطاني ولد سنة 1939 وتوفي سنة 2011. عمل في الصحافة والكتابة المستقلة، وتنوعت اهتماماته بين السياسة والتاريخ وقضايا الشرق الأوسط ونشاطات الأمم المتحدة، وترك عددًا من المؤلفات في مجالات اهتمامه.

لم يبدأ اهتمام سيمونز بالعراق مع كتاب «التنكيل بالعراق»، بل سبقه كتاب بعنوان «العراق: من سومر إلى صدام»، صدر عن ماكميلان البريطانية سنة 1994، وتناول تاريخ العراق من أقدم العصور إلى المرحلة المعاصرة، مع اهتمام بالحرب العراقية ـ الإيرانية، وأزمة 1990 ـ 1991، والعلاقة بين العراق والغرب. يمثل الكتاب امتدادًا لاهتمام سيمونز بالشأن العراقي، ويمهد لموضوع دراستنا في السلسلة المؤلفة من سبع حلقات.

صدر كتاب «التنكيل بالعراق: العقوبات والقانون والعدالة» باللغة الإنجليزية عن دار ماكميلان سنة 1996، في أوج مرحلة قسوة الحصار الاقتصادي على العراقيين. ثم صدرت طبعة إنجليزية ثانية سنة 1998، توسع فيها محتوى الكتاب بإضافة فصل خامس إلى الفصول الأربعة الموجودة في الطبعة الأولى.

أما باللغة العربية، فقد ترجم مركز دراسات الوحدة العربية الكتاب ونشره في بيروت سنة 1998. وصدرت له ثلاث طبعات عربية، بدأت الأولى سنة 1998، وصدرت الثالثة سنة 2020.

اختار الكاتب عنوانًا واضح الدلالة: «التنكيل بالعراق: العقوبات والقانون والعدالة». العنوان لا يكتفي بتحديد الموضوع، وإنما يجسد حكمًا أخلاقيًا منذ عنوانه. كلمة «التنكيل» تنقل القارئ إلى رؤية وموقف الكاتب من نظام العقوبات، فيما يفتح اقتران العقوبات بالقانون والعدالة بابًا أوسع من مجرد دراسة اقتصادية أو سياسية للحصار.

تظهر غاية الكتاب بوضوح في مقدمته. استهدف الكاتب إبراز استمرار معاقبة الشعب العراقي بالعقوبات الاقتصادية، مشيرًا إلى أن العقوبات غير قابلة للتبرير في القانون الدولي وفي العدالة الإنسانية. لم يكتفِ بوصف آثار الحصار، بل ربطها بمسؤولية النظام الدولي، ثم نقل القضية إلى مستوى قانوني وأخلاقي. وناقش الكتاب آثار حرب 1991 (العدوان الثلاثيني) والعقوبات الاقتصادية اللاحقة على الشعب العراقي، ومدى ابتعاد العقوبات عن المواثيق والشرائع الدولية.

بُني منهج الكتاب على ثلاثة مسارات متداخلة. المسار الأول تاريخي وسياسي، يتابع نشوء العقوبات وتطورها. المسار الثاني إنساني، يتناول أثر الحصار في الغذاء والدواء والخدمات الأساسية على حياة المدنيين. المسار الثالث قانوني، يركز على العلاقة بين نظام العقوبات والقانون الدولي الإنساني واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. توخى الكاتب تداخل المسارات الثلاثة في بناء متكامل، فجعل الأحداث التاريخية مدخلًا إلى العقوبات، وجعل آثار العقوبات مدخلًا إلى البحث القانوني والأخلاقي.

يمتد الكتاب في فصوله اللاحقة إلى اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، فيضع آثار العقوبات على العراق ضمن ميزان قانوني وأخلاقي. سنناقش الاتفاقية في موضعها الملائم ضمن سياق الدراسة، ونستعرض نصوصها في ضوء الوقائع التي عرضها الكتاب وما يستكملها من وقائع، ثم نفحص ما توخاه الكاتب من الاستناد إليها وما يثبت أو يتنافى مع النقد القانوني.

كشفت اختيارات الكاتب موقفًا واضحًا من القضية العراقية بعد الاجتياح العراقي للكويت؛ فعنوان الكتاب يحمل حكمًا أخلاقيًا، ومقدمته تضع العقوبات في موضع الاتهام، وبنية الفصول تنتقل من آثار الحرب إلى العقوبات، ثم إلى آثارها على المدنيين، ثم إلى الإبادة الجماعية، وتنتهي بفصل «المحرقة الجديدة». صفحات الكتاب تكشف عن موقف نقدي واضح تجاه نظام العقوبات والسياسة التي أفضت إليه، ولا يقدم الكاتب المضمون بوصفه دراسة تقف على مسافة واحدة من مختلف أطراف القضية.

ترتبط أهمية الكتاب بالمادة التي تضمنها، وبالمصادر التي اعتمدها، وبالطريقة التي انتقل بها من الوقائع إلى النتائج. لذلك فإن قراءة الكتاب تتطلب الفصل بين حقيقة الواقعة، وتفسيرها، والحكم الصادر عليها. الواقعة قابلة للتحقق بمصادر مستقلة. التفسير في الكتاب يعبر عن رؤية المؤلف. الحكم يحتاج إلى تحكيم قانوني وسياسي وأخلاقي. الفصل بين المستويات الثلاثة يسمح بقراءة الكتاب بوصفه مصدرًا مهمًا للنقاش، مع إبقاء نتائجه مفتوحة للفحص والمقارنة.

صدرت الطبعة الأولى من الكتاب في مرحلة كانت فيها المعلومات عن العراق تصل إلى العالم وسط صراع سياسي وإعلامي حاد، فازدادت أهمية الدقة عند التعامل مع الأرقام. ارتبطت بعض الأرقام بدراسات أممية، وبعضها بتقديرات صحية وإنسانية، وبعضها بتقارير صحفية ومصادر أخرى. ولا يكتسب الرقم موثوقيته من وروده في كتاب، بل من مصدره وتاريخ صدوره وطريقة احتسابه وحدود دلالته. لذلك تتطلب الأرقام التي سترد في الحلقات المقبلة إلى مراجعة مصادرها قبل اعتمادها.

يتضمن الكتاب في طبعته الأخيرة خمسة فصول: «تركة الحرب»، «تسلسل العقوبات»، «استهداف الضعفاء»، «وجه الإبادة الجماعية»، و«المحرقة الجديدة». يمتد البناء من آثار الحرب إلى نشوء العقوبات، ثم إلى آثارها في المجتمع، ثم إلى التكييف القانوني، قبل أن يبلغ في الفصل الأخير أعلى درجات الحكم الأخلاقي والسياسي.

في تسلسل حلقاتنا سنلتزم بترتيب ورود الفصول في الكتاب، مع مساحة كافية للنقد والتحليل. تبدأ القراءة بـ«تركة الحرب» (مخلفات الحرب)، وتتبع تسلسل العقوبات وتطورها، حتى تصل إلى آثار الحصار على المواطن العراقي، وبعدها تنتقل إلى الجانب القانوني، وتنتهي بقراءة الفصل الأكثر حدة في تقدير الكاتب وحكمه. وسنجمع في الحلقة السابعة مجمل الخلاصات في قراءة مركزة للكتاب بأكمله، ونبين ما ثبته الكاتب وما تركه مفتوحًا للنقاش.

لا نكتب السلسلة بهدف إدانة سيمونز، ولا عن تبرئة للسياسة الأمريكية، ولا عن تبرير للنظام العراقي، ولا عن الدوافع الكويتية التي سبقت الاجتياح العراقي للكويت. لكننا سنسلط الضوء على إجابات أسئلة محددة تتمثل في: ماذا حدث للعراق؟ من اتخذ القرارات؟ كيف تطورت العقوبات؟ من دفع الثمن؟ وما المفاصل الرئيسية التي تناولها الكتاب فعلًا؟

عنوان الحلقة الثانية: «تركة الحرب» (مخلفات الحرب). سنتطرق فيها إلى آثار العدوان الأمريكي ـ الأطلسي على العراق، ونتابع مسار الانتقال من نتائج العمليات العسكرية إلى الحصار ونظام العقوبات، وصولًا إلى أثر القرار الدولي على حياة المواطن العراقي.

ملتقانا في الحلقة الثانية بمشيئة الله.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

572 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع