القيود الخفية والأصداف غير المرئية

 بقلم / نذير ال حويز

القيود الخفية والأصداف غير المرئية

كلنا نتحدث عن الحرية حرية الحركة والتعبير والتملك والاختيار والعمل والتعليم والطبابة. لكن هل نحن أحرار حقاً، أم أننا نتحرك داخل مساحة رسمها لنا الآخرون، ثم أقنعونا بأنها العالم كله؟

منذ ولادة الإنسان، يُسجَّل وجوده في دفاتر الدولة، والغريب يسمى ( سجل القيد ) ويبدأ تدريجياً بالدخول في منظومة تتولى تربيته وتعليمه وتشكيل وعيه وتحديد معايير نجاحه. يتعلم ما ينبغي أن يعرفه، وما يجب أن يخشاه، وما يستحق أن يطمح إليه، حتى يصبح من الصعب عليه التمييز بين ما اختاره بإرادته وما زُرع في وعيه قبل أن يمتلك القدرة على الاختيار.
لنتأمل الدجاج في المزارع. هناك دجاج تجاري يحصل على الغذاء والرعاية، لكنه يعيش في أقفاص ضيقة، وينتهي به المطاف قرباناً للمنظومة التي رعته. وهناك دجاج عضوي يتمتع بغذاء أفضل وظروف أحسن، لكنه يبقى داخل الأقفاص . وهناك دجاج يُمنح مساحة للحركة، فيشعر بأنه حر، مع أن حدود حريته مرسومة سلفاً مساحة وزمناً . أما الدجاج الذي يتحرك خارج الأقفاص، فتنتظره مخاطر الطبيعة، لكنه يمتلك مساحة أوسع للاختيار ويتحمل مسؤولية بقائه بنفسه
قد تبدو المقارنة قاسية بعض الشيء ، لكن أليست جديرة بالتأمل؟ إذا كانت المزرعة تتحكم بحياة الدجاج، فهل يمكن أن نكون نحن أيضاً داخل مزارع أكبر، لا تُرى أسوارها بالعين المجردة؟
الدولة، والسوق، والإعلام، والمؤسسات التعليمية، والأعراف الاجتماعية، ومراكز النفوذ كلها تشارك و بدرجات متفاوتة في تشكيل عالمنا. وهي ليست بالضرورة منظومة واحدة متآمرة لكن تأثيرها قد يجعلنا نرى الحياة من خلال نوافذ محددة ونعتقد أن ما يقع خارجها غير موجود أو غير ممكن كما يراها أفلاطون في الكهف الذي صوره لنا
هنا تتجلى الحرية الوهمية أن تختار بحرية بين خيارات لم تختر حدودها وأن تعتقد أنك تقرر مصيرك بينما تتشكل رغباتك ومخاوفك وطموحاتك تحت تأثير منظومة لا تفكر في مساءلتها ناهيك انك تعتقد انها تهندس حياتكً
فما قيمة أن يُمنح الإنسان حق الاختيار إذا كانت ظروفه تحرمه من ممارسة هذا الحق؟ وما قيمة حرية التعبير إذا كان يخشى عواقب التعبير عنه ؟ وما قيمة تعدد الخيارات إذا كانت جميع الطرق تنتهي إلى النتيجة ذاتها؟
إن أخطر القيود ليست تلك التي تمنعنا من الحركة، بل تلك التي تجعلنا ندافع عن قضباننا، ونعتبر الخروج منها تهديداً لأمننا واستقرارنا. عندها لا تعود السلطة بحاجة إلى حارس يقف عند الباب بل يصبح السجين حارساً على نفسه، وربما على الآخرين أيضاً.
ولعل هذا يفسر لماذا يتحول الخارجون عن المسار المألوف إلى أبطال في أعين الناس. فهم لا يثيرون الإعجاب لمجرد اختلافهم، بل لأنهم بمجرد وجودهم يكشفون أن ما اعتبره الآخرون مستحيلاً قد يكون ممكناً بل ممكناً حقاً . يراقبهم البعض بإعجاب ويتمنون اللحاق بهم لكن الخوف يشدهم إلى أماكنهم فيسمون عجزهم قدراًً واعتيادهم على الأغلال قناعة، واستسلامهم الايمان بالواقع هذه هي تعاريفهم للواقعية .
لكن هل يعني ذلك أن الحرية المطلقة ممكنة أو أن علينا رفض المجتمع وقوانينه؟ بالطبع لا. فالإنسان لا يعيش خارج القيود جميعها بل بعضها ضروري لحماية الحقوق وتنظيم الحياة المشتركة( كقص مناقير الدجاج داخل المزارع لحماية الاخر ) إنما تبدأ الحرية حين نمتلك القدرة على التمييز بين القيد الذي يحمي حقوقنا والقيد الذي يسلب إرادتنا، وبين القانون الذي ينظم حياتنا والسلطة التي تطلب منا الطاعة بلا مساءلة وهي ترسم لنا مساراتنا
هنا يأتي دور الوعي. فالوعي ليس مجرد معرفة ما يحدث حولنا، بل القدرة على اكتشاف ما لا نراه، ومراجعة ما ورثناه، والسؤال عن مصادر أفكارنا، والتمييز بين رغباتنا الحقيقية والرغبات التي صُنعت لنا. إنه القدرة على استخدام الأدوات المتاحة و مهما كانت محدودة لفتح أبواب جديدة وتوسيع حدود الممكن.
ومع ذلك، لا يكفي الوعي وحده لإزالة القيود المادية والسياسية لكنه يمنحنا البداية الضرورية لفهمها ومقاومتها والعمل على تغييرها. فالتحرر لا يتحقق بمجرد اكتشاف القفص ونما يتطلب شجاعة التفكير وامتلاك وسائل الفعل وتحمل مسؤولية الاختيار طوعاً
والآن اسأل نفسك: عزيزي القارئ هل أنت من الذين اكتفوا بتحسين غذائهم داخل القفص؟ أم ممن صدقوا أن اتساع المساحة هي الحرية كلها؟ أم أنك بدأت تتساءل عن حدود المزرعة ومن رسمها ولماذا قبلت أن تكون حدود عالمك؟
المأساة ليست أن نعيش داخل قفص الاسؤ أن نعتاد قضبانه حتى نخلط بينها وبين حدود العالم ثم نهاجم كل من يخبرنا أن السماء أوسع.
فكم من إنسان يعتقد أنه اختار حياته بينما لم يختر سوى الدور الذي أُعدّ له؟ وكم من مجتمع يتغنى بالحرية فيما يخشى أفراده مجرد التفكير خارج المألوف؟
إن السؤال الذي ينبغي أن يقلقنا ليس كم مساحة الحرية التي مُنحت لنا؟ بل هل نمتلك من الوعي والشجاعة ما يكفي لاكتشاف الحرية التي لم نجرء او نتعلم حتى أن نطالب بها؟
فربما لا نستطيع جميعاً مغادرة المزرعة لكننا نستطيع أن نبدأ بكسر القيود التي استقرت في عقولنا. وحين يدرك الإنسان أن القضبان ليست هي العالم كما ان المألوف ليس بالضرورة حقيقة هناك يبدأ أول تحليق حقيقي لجناحيه.

واختم واقول ان الحرية لا تبدأ حين يفتح الآخرون أبواب أقفاصنا، بل حين نتوقف عن الاعتقاد بأن القفص هو العالم، ونستعيد حقنا في السؤال والتفكير والاختيار عندما نعلم ان السماء اوسع والطيران فيها الذ من البقاء في القفص.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

581 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع