
سمير عبد الحميد
زينب الكبرى الجرح الخالد
« أبو العاص بن الربيع » أحد رجال مكة المعدودين شرفا ومالا . فلقد أتيحت له فرصة لم تتح لسواه ، إذ كانت خالته السيدة خديجة « تنزله منزلة الابن. فتهيأ له بذلك أن يغشى بيت محمد » كلما أراد . فيجد من الترحاب البالغ والود الصادق ، ما يطبعه في أن يكون الزوج المختار لزينب وكان « أبو العاص » يراها كلما ألم ببيت خالته فيؤخذ ببهاء مرآها وعذوبة حنانها وذكاء ملامحها ولطف طباعها وتفتح أنوثتها. ولم يغب عن باله قط ، أن الفتية الأمجاد من آل هاشم يرنون الى خطبتها ، لكنه كذلك كان يعرف فرصته ويطمئن الى مواتاة حظه ، فليس بين منافسيه جميعا من يتاح له مثل مكانته فى بيت محمد ، أو تتهيأ له فرصة التلطف فى كسب ود ( زينب ) والوسيلة الى الظفر بإعجابها و تقديرها
وأبت عليه ثقته في نفسه أن يدخل مع منافسيه في معركة مكشوفة ، بل اكتفى بأن يودع سره الغالى لدى خالته الرءوم ، وانصرف مطمئنا الى تدعيم مركزه وبناء مجده، ليكون لزينب نعم القرين .وبان لزينب من مخايل رجولته التي أنضجتها التجربة والرحلة، ما جعلها تعتز به أخا ، ولا ترى فى فتيان قريش من يوزن به قوة شخصية وسعة خبرة ، وإن وزنوا به أصالة ونسبا ، و « خديجة » قد عرفت الحب الطاهر ونهلت من رحيقه العــذب ، وخرجت من تجربتها العبقرية الفذة التي بدت للقوم في حينها أشبه بمغامرة ــ أشد تحسبا للزواج القائم على الحب المتبادل ، بأنه النعمة الكبرى التي تهبها السماء . وتلطفت السيدة الأم . حتى أنبأت زوجها بهذه العاطفة الحلوة.. هنالك وافقت « خديجة ، على أن يتقدم ابن أختها الى أبي زينب خاطبا . وكان بودها لو تسهلت فترة لتستبقى ابنتها الكبرى الى جانبها ، لكنها رأت حرص الفتية القرشيين على مصاهرة الهاشمي الأمين ، وخشيت اذا هي تريثت أمدا . أن يسبقوا « أبا العاص » الى طلب يد زينب " فيكون شيء من الحرج لا ترضاه لزوجها العزيز وقد أحسن الاب لقاء أبي العاص كما اعتاد دائما أن يفعل ثم كان جوابه ، أنه يرجو أن يمهله ريثما يعلن هذه الرغبة الى ابنته ، فإنها لأهل لأن تكون صاحبة الكلمة الأولى فى أمر جليل كهذا ، يعنيها أكثر مما يعني أي فرد سواها وكان الأب الكريم يعرف شعور ابنته نحو « أبي العاص » ورأيها فيه ، لكنه ، على ما يعرف من هذا كله ، لم يشأ أن يقطع في الأمر دونها . وأراد بعد كل هذا أن يعفيها من حرج المواجهة ، فعهد الى أمهــا في أن تسبقه اليها بالنبأ السعيد ، ، ثم قام يسعى حتى دنا من غرفتها فوقف قريبا منها بحيث تسمعه ولا تراه ، وقال بصوت ملؤه الحب والحنان :
بنيتي زينب ، ان ابن خالتك أبا العاص بن الربيع ذكر اسمك ولم ينتظر جوابها جهيرا معلنا ، فقد كان يعرف أن حياءها سوف يسك لسانها عن الرد ، اللهم الا ان كانت تأبى الزواج بالرجل فتتغلب على حيائها كيلا يتم الأمر على ما تكره وتلبث الأب برهة يصغى ، فلم يسمع سوى خفقات القلب الطاهر ، ودعوات الأم الطيبة .. واذ ذاك عاد الى حيث ترك « أبا العاص » ينتظر ، فصافحه مهنئا داعيا مباركا وذاع النبأ السعيد في مكة ، فوجست له قلوب شبان طمعوا في الظفر بالعروس الهاشمية ، لكن أحدا منهم لم يسعه أن يذم الصهر المختار أقصى ما قالوه يومئذ أن بنى العم كانوا أولى بزينب من ابن الخالة ، ثم أمسكوا فلم يقولوا عن أبي العاص إلا خيرا ، وهل كانوا يستطيعون أن يقولوا الا خيرا ؟.. قرشی صمیم ، يلتقى نسبه من جهة الأب مع ( محمد بن عبد الله » عند الجد الثالث : عبد مناف بن قصى ، فهو « أبو العاص بن الربيع بن عبد بن عبد شمس بن عبدمناف بن قصی » . ويلتقى : من جهة الأم مع زينب بنت محمد ، عند جدهما الأدنى : خویلد بن أسد بن عبد العزى بن قصی ، « هالة بنت خويلد » أخت خديجة الطاهرة ، زوج محمد وأم زينب وكان الى جانب ذلك الأصل العريق والعرق الطيب ، كريم الخصال نبيل الشخصية ، حتى لقد لقبه قومه بالأمين ، كما لقبوا محمد ابن عبد الله وأتاحت له أمانته ثقة من الناس به واطمئنانهم اليه ماجعله يتقدم الى الصف الأول من صفوف التجار ، وهم يومئذ سراة مكة وأثرياؤها، مضى أبو العاص يعد بيته لاستقبال الوافدة الغالية ، ويسخو في هذا السبيل بما يتيحه له ثراؤه العريض . وصحبت الأسرة المحمدية عروسها الى بيتها الجديد ، ولبثت هنالك وقتا تبارك الزوجين ، وتهون على الغالية مشقة فراقها لبيتها الأول الذي حلت فيه تمائمها ثم تركتها في رعاية زوجها الكريم وهناك أظلت زينب وزوجها أبا العاص سعادة غامرة ، ، وتمر بينهما بين الحين والحين فترات من وحشة الفراق المؤقت ، ذلك أن أبا العاص كان مضطرا الى السفر في تجارته ، فيمضى تاركا قلبه في مكة ، وتحاول زينب ( أن تتجلد للفراق ، وتستعين عليه بزيارة بيت أبيها ، فرارا من وحدتها والتماسا لبعض التسلى ، واسترواحا لذكريات طفولتها السعيدة ، وهنالك كانت تشهد ما يلوح فى أفق الأسرة من طلائع ذلك الغد المغيب ، وقد كثر انقطاع أبيها الى التعبد والتأمل في خلوته بغار حراء ، وبدت أمها ولا شغل لها إلا أن ترمقه على البعد ، وتهييء له ما فى طاقتها من أسباب الراحة والهدوء وتتشاغل « زينب » بالمشاركة في تدبير شئون الدار لكي تتيح لأمها للتفكير فى الحبيب واعداد زاده والسهر على سلامته ، حتى يعود« أبو العاص » من سفره فترجع زينب الى بيتها حيث تفضى الى زوجها بما يساورها من قلق ، فيبث فى نفسها الطمأنينة ، ويردها الى مألوف حالتها.وذات مرة خرجت خديجة الى بناتها وقد عاودها هدوؤها وأصغت « زينب » الى أمها وهي تحدثها حديثا عجبا عن نزول الوحى الى أبيها صلى الله عليه وسلم وهو يتعبد فى غار حراء . اصغت زينب الى امها حتى لم تحر جوابا . ذلك أن الأمر كان من الخطر والجلال بحيث إدراكه ووعيه قد يبلغ مداه الى بناتها وقد عاودها هدوؤها وأصغت « زينب » الى أمها وهي تحدثها حديثا عجبا عن نزول الوحى أبيها صلى الله عليه وسلم وهو يتعبد فى غار حراء .. ذلك أن الأمر كان من الخطر والجلال كون الذي سمعته من قول «ورقة» : ((ان كل نبي سوف يؤذى ويخرج ويقاتل)).
عاد ( ابن الربيع » من رحلته ، وملء سمعه شائعات تناقلها الركبان ، عن ظهور ( محمد بن عبد الله » بدين جديد وأسرت اليه زوجته » زينب ( بالنبأ اليقين ووجهها يفيض بشرا وفخرا ، فما راعها الا أن أمسك صامتا لا يعقب !
وسألته :
ما بك يا ابن الخالة ؟
أجاب : أني خائف ، لو تبعته لقال القوم : فارق دين آبائه إرضاء لزوجه وحميه ، فلم تدعه زينب يتم، لكنك لن تدع کلام القوم يثنيك عن الحق، ورنت إليه طويلا قبل أن تستطرد قائلة : وأنا بعد قد أسلمت يا ابن الخالة قال وقد أسقط في يده : أو قد فعلتها یا زینب ؟
أجابت :
ما كنت لأكذب أبى ، وإنه والله لكما عرفت : الصادق الأمين.
ثم أضافت : وكذلك أسلمت أمي وأخوتى ، وعلى ابن العم أبي طالب ، وأبو بكر ، وأسلم من قومك ابن عمك عثمان بن عفان بن أبي العاصى بن أمية ابن عبد شمس ، وابن خالك الزبير بن العوام بن خويلد فلم يبد عليه أنه أصغى الى ما تقول ، بل استطرد متسائلا وفي صوته رنة أسى وملام : فهل فكرت يا زينب حين تبعت دين أبيك ، فيما يحدث لو أني بقيت على دين آبائی ؟ فهزت رأسها وهى تجيب :
كلا يا ابن الخالة ، بل رجوت أن تسبق إلى الاسلام كما سبق اليه من قومك عثمان ابن عمك والزبير ابن خالك فانثنى موليا ، وخرج الى دار الندوة ، وبقيت هي تنتظر على جمر وآب اليها في غسق الدجى واجما مطرقا ، فلم تحاول أن تسأله عما به ، بل تركته حتى جلس وقال تلقاء نفسه بصوت حزين : لقيت أباك اليوم فى الكعبة يازينب ، ودعاني الى الاسلام ، ومن
ثم لم يزد وكان في وجوه ملامحه ، وترنح صوته ، ما يعنى زينب عن سؤاله : بم أجاب الدعوة ؟
وقال لها ذات ليلة وقد راعه ما تكابد :
والله ما أبوك عندى بمتهم ، وليس أحب الى من أن أسلك معك ياحبيبة في شعب واحد ، لكنى أكره لك أن يقال إن زوجك خذل قومه وكفر بآبائه إرضاء لامرأته ، فهلا قدرت وعذرت ! ؟
فتندت عيناها بالدموع ولم تجب ، وإن خايلها الأمل في أن تنجلي الغمة عن قريب ، كما منتها أمها خديجة
على أن الغمة لم تنجل سراعا ، بل طال عليها الأمد وجاوزت المدى ، وهذه قريش قد لجت فى عداوتها للرسول ، وأمعنت فيمن اتبعوه أذى واضطهادا حتى أثخنتهم بالجراح وأخرجتهم من ديارهم وأموالهم . ثم لم يكفها كل ذاك الذي فعلت بالمسلمين ، بل مدت يد الأذى الى بني هاشم وبنى عبد المطلب ، لأنهم أبوا أن يسلموا رجلهم الى أعدائه المشركين ، فكانت المقاطعة الرهيبة التي سجلت في صحيفة علقت بالكعبة ، وخرجت بالهاشميين الى شعب أبي طالب بظاهر مكة ، حيث أقاموا هنالك في حصار طويل منهك
ولم تكن « زينب » فيمن خرج الى الشعب ، لكن أنباء من فيه
كانت تأتيها في دار زوجها ، فتروعها بالذى يكابده أهلها هنالك
ولم تنجل محنة الحصار ، الا لتسلم إلى ليل طويل ، لا يبدو له
آخر ! ..
ماتت
خديجة »
ومات « أبو طالب » .. فأحيا فقدهما ما مات من آمال المشركين فى النصر على النبي ، وعادت معركة الاضطهاد التي فترت هونا عقب فك الحصار ، الى أشد مما كانت عليه تأججا وسعيرا
وبدأ أتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، يهاجرون تباعا فرارا بدينهم الفتنة والأذى ، حتى لم يبق بمكة الا من حبس أو فتن ، غيرالرسول وعلى بن أبي طالب ، وأبى بكر الصديق رضي الله عنهما .. و بلغت هذه المرحلة من المعركة ذروتها ، وسرى الهمس في مكة :أن المشركين فقد انتشروا بمحمد ليقتلوه ويستريحوا منه.
وأصبحت « زينب » ذات يوم ، ومكة من أدناها الى أقصاها ، تتحدث عن مطاردة قريش لمحمد الذى خرج من « مكة » وليس معه سوى صاحبه أبي بكر الصديق.
وأوجست في قلبها خيفة » زينب » وهى تصغى الى أنباء المطاردة العنيفة العنيدة ، حتى اذا بلغها وصول أبيها صلى الله عليه وسلم الى مأمنه في دار الهجرة . الأن هدأ بالها وجاء رسول من يثرب فصحب أختيها » فاطمة وأم كلثوم » الى هناك ، وكانت « رقية » قد هاجرت كذلك من قبل ، وبقيت زينب في
دار ابن الربيع بمكة ، اذ لم يكن الإسلام قد فرق بينهما بعد ،وتلفتت حولها فإذا مكة قد خلت من كل الأهل ، وإذا دار أبيها مغلقة خلاء . اللهم من أطياف الأحباب الذين هجروها كارهين وطالما وقفت زينب بالديار المقفرة الموحشة ، تسألها : أين من كانوا بالأمس يملئونها بهجة وأنسا ؟
أين محمد وخديجة ؟ وأين رقية وأم كلثوم وفاطمة ؟ وأين القاسم والطيب ؟..
رحلوا جميعا ، فأما خديجة وولداها فإلى غير مآب ، وأما محمــــد وبناته فإلى هجرة واغتراب.
والتمست قبر أمها فأنكبت عليه، تروى الثرى بدمعها ، حتى اذا أراحها البكاء هونا ،أغرقت في تأمل صامت حزين : واعجبا ! الأحياء من أهلها وأحبابها جد نائين ، والموتى منهم هم الجيران الأقربون ..
وذكرت سعادتها المدبرة ، فشعرت بقلبها يكاد يتصدع : إن زوجهــا العزيز :لايزال على دين آبائه ، ولو كان قد أسلم لما تمزق الشمل وانفردت هنا بمكة ، بعيدا عن أبيها وأخواتها وتتابعت النذر معلنة عن دنو عاصفة عاتية ، فمحمد صلى الله عليه وسلم قد وجد في « يثرب » نصرا ومقاما ، وأصحابه هناك يتربصون بقريش، ليقطعوا عليها طريقها الحيوى بين مكة والشام ، وقد نجحت جماعة في الظفر بعير تحمل تجارة لقريش ، فيها عمرو بن الحضرمي . فعاد المسلمون الى يثرب بالعير وبعض الأسرى ، وتركوا ابن الحضرمي صريعا بسهم على أديم الصحراء وظل أهل مكة بين مصدق ومكذب ومرتاب فى أمر هذه القلة المغتربة مع محمد بغير عدة ولا مال ، حتى روعوا بعودة « بن عمرو الغفارى » - وكان مسافرا في تجارة بالشام مع أبي سفيان فيما بلغ مكة حتى وقف على بعيره وحول رحله وشق قميصه وصاح مستنفرا : يا معشر قريش .. اللطيبة اللطيبة ! .. أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد فى أ صحابه لا أرى لكم أن تدركوها .. الغوث الغوث، فجاءته الأصوات من كل جانب : أيظن محمد وأصحابه أن تكون عير أبي سفيان كعير ابن الحضرمي
؟ كلا والله ليعلمن غير ذلك !
وصك الصوت سمع « زينب » فأدركت أنها الحرب.
الحرب بين قريش والمسلمين
وفى الأولين زوجها ووالد طفليها على وأمامة : أبو العاص بن الربيع
وفى الآخرين أبوها : محمد رسول الله !
وباتت ليلتها وليس فيمن تظله سماء مكة أشقى منها ولا أفدح منها، فلما أصبحت ، وقفت ترقب قريشا وهى تسير في ألف مقاتل كاملي العدة شاكي السلاح ..
كم ترى يكون عدد الجيش مع أبيها في يثرب ؟ مائة ؟ مائتــــان ؟
ثلاثمائة ؟ يا لزينب مما تتمخض عنه المعركة الرهيبة غير المتكافئة وانثنت الى مهد صغيريها، على وأمامة ، فرنت اليهما بعين دامعة
وقلب متصدع ، ثم هست بصوت حزين أبح :
لن تطلع علينا الشمس في مثل يومنا هذا ، إلا وأنتما يتيمان ،
ثم أرخت يديها ، وجمد الدمع فى مقلتيها ، واستسلمت لقضاء الله
وقدره
ولم تحاول أن تتبع أنباء القتال الدائر أو تتلمس ما يصل الى مكة من أخباره. فأيا ما كانت النتيجة ، فليس أمام » زينب بنت محمد » الا اليتم أو الترمل !
واذ هي منطوية على نفسها تجتر مخاوفها ، جاءتها عمة أبيها « عاتكة بنت عبد المطلب » فابتدرتها قائلة :
أو ما بلغك النبأ العجيب ؟
فنظرت اليها زينب بادية اليأس ، ولم:
واستطردت العمة :
انتصر محمد في قلة من صحابته ، على قريش في كثرتها وعدتها .
فانتفضت زينب هاتفة:
انتصر أبي ! ؟ .. وا فرحتاه !
ثم تذكرت بغتة زوجها أبا العاص ، فضمت طفليها الى صدرها،
واستعبرت باكية لكن العمة عجلت اليها بالبشرى : لم يقتل أبو العاص ، بل وقع في أسر صهره الكريم هنالك تعلقت « زينب » بعنق عمتها ، تقبلها بدموع الفرح ، ثم سكنت على صدرها مجهدة تستريح وأتتها بقية من الأنباء بعد حين.
جاءت بها فلول الجيش المهزوم الذى ترك هامات قريش ورؤسها مجندلة صرعى حول ماء بدر وأذيعت أسماء الأسرى ، فبعث ذووهم في الفداء وكان « أبو العاصى » ذا مال ، وقد أراد أهله أن يغلوا في فدائه ،لكن زينب آثرت أن تفتديه بما هو أغلى من المال، سيق أسرى بدر الى يثرب فى أعقاب الفئة الظافرة ، فتأملهم الرسول الله عليه وسلم مليا ، ثم نحى عنهم صهره « ابن الربيع » وفرق الباقين بين أصحابه وقال : استوصوا بالأسارى خيرا.
وبقى أبو العاص عند النبي ، حتى جاءت رسل قريش في فداء
أسراها ،وغالوا في الفداء ، حتى ان المرأة لتسأل عن أغلى ما فدى به قرشى ، فيقال لها : أربعة آلاف درهم . فتبعث بمثلها في فداء ابنها.
وتقدم « عمرو بن الربيع « أخو أبى العاصي ، فقال للنبي : بعثتنی ( زينب بنت محمد » بهذا ، في فداء زوجها ، أخي ، أبي العاصي بن الربيع .. وأخرج من ثيابه صرة قدمها الى الرسول ، فاذا فيها « قلادة » لم یكد « محمد » يراها حتى رق لها رقة شديدة ، وخفق قلبه للذكرى:
لقد كانت قلادة خديجة أهدتها الى ابنتها زينب يوم عرسها حين زفتها الى أبي العاصي ، ابن أختها « هالة » .. وأطرق أصحاب الرسول خشعا وقد أخذوا بجلال الموقف وروعته :
قلادة الحبيبة ، تبعثها بنت النبي الى أبيها ، في فداء زوج .
وتكلم الأب النبي بعد فترة صمت ، فقال في حنان :
حسب !
- ((إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها . فافعلوا ))
فهتفوا جميعا بملء قلوبهم : نعم يا رسول الله
-
وأدنى محمد ـ صلى الله عليه وسلم اليه صهره الذي غلبه التأثر لهيبة الموقف ، فأسر اليه حديثا لم يعلم ما هو ، فحنى ابن هالة رأسه موافقا ، ثم حيا ومضى . فلما أبعد ، التفت الرسول الى أصحابه من حوله ، فأثنى على أبي العاص خيرا وقال :
والله ماذممناه صهرا !
***
دخل « أبو العاص ( بيته فما رأته زوجته » زينب » حتى وثب قلبها إليه فرحة بنجاته . ثم لم تسعفها قواها على النهوض لفرط ما هـزها الانفعال ، فرفعت وجهها الجميل الى السماء تحمد الله أن رده سالما اليها والى طفليه ، وتتضرع اليه تعالى أن يشرح قلبه للإسلام
وشغلتها فرحة اللقـاء ، فلم تلمح ما يغشى وجه زوجها من وجوم واكتئاب ، الى أن قال وهو مغمض العينين كأنما يشفق أن يرى وقع
كلماته عليها :
جئتك مودعا يا زينب فسألت بقلب واجف : هكذا ولما نكد نلتقى !
قال وما زال يتحاشى النظر اليها :
لست راحلا يا زينب ، ولكنك الراحلة هذه المرة !..
وهالها ما تسمع . كانت تعرف أن قريشا أرادت أصهار الرسول على أن يردوا بناته اليه ليشغلوه بهن ، وقد استجاب لهم زوجا أختيها « رقية وأم كلثوم » فرد اهما الى أبيهما . أما أبو العاصي فتركهم يقولون : . فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي امرأة من قريش ثم صدمهم بجوابه : لا والله انى لا أفارق صاحبتى ، وما أحب أن لي بامرأتى امرأة من قريش . فهل تراهم عاودوه اليوم في أمر فراقها فاستجاب لهم بعد الذي كان في « بدر » ؟ وشعرت ببرودة تجمد أطرافها وتسرى الى قلبها ، فاستندت الى
جدار مخدعها مرتعدة ، تنتظر في استسلام يائس ، ماذا بعد وأدرك « أبو العاص » ما خطر ببالها ، فبادرها قائلا في حنو وكأنمــــا ذاب قلبه في صوته : رحماك يا حبيبة ، أن أباك هو الذي طلب أن أردك اليه ، لأن الاسلام فرق بيني وبينك . وقد وعدت محمدا أن أدعك تسيرين اليه ،
وما كنت لأنكث عهدى. وحملها صوته الى بعيد
و تمثلت نفسها في يثرب ، تقبل أباها وتعانق أخواتها ، وتلقى النازحين من الأهل والعشيرة ، ثم وقعت عيناها على أبي العاصى ( وهوغارق فى شجنه ، فسألته مترفقة : كم بقى لنا من و وقت نقضيه معا ؟
أجاب بصوت واهن :
ليس بالكثير .. ان هي الا أيام تتجهزين فيها للسفر ، ثم يكون
الفراق المحتوم ...
وترافقني الى يثرب ؟..
فأمسك دموعا تحيرت في مقلتيه وأجاب : كلا يا ابنة الخالة ، بل يأتى أخوك زيد بن حارثة ورفيق له أنصار أبيك حتى يبلغا « بطن ياجج على بعد ثمانية أميال من مكة - فينتظرا هناك حتى ترى بهما فيصحباك الى أبيك بيثرب .
وخرجت « زينب » في الغداة تتجهز للسفر وسرعان ما حل الموعد المضروب
وودعت « زينب » أبا العاص وداع محبة غير قالية ولا هاجرة ، وخرجت وفى أحشائها بضعة منه : جنين لم يستكمل شهره الرابع . وحاول « أبو العاص » أن يتجلد فقال : مهما يحدث يا زينب ، فسأبقى على حبك ما حييت ، وسيبقى طيفك أبدا ملء هذه الدار التي شهدت أيامنا الحلوة ثم خانه تجلده ، فأرخى بصره وترك أخاه « كنانة بن الربيع » يمضى بزينب الى حيث ينتظرها زيد وصاحبه وانطلق « كنانة » يقود بعيرها نهارا وقد أخذ قوسه وكنانته متأهبا ، فهال قريشا أن يخرج بها هكذا على مرأى منهم ومسمع ، وخرج رجال منهم في أثر المهاجرة حتى أدركوها بذى طوى ، فكان أسبقهم اليها « هبار بن الأسود الأسدى » الذى روعها بالرمح وقد جن حزنه على اخوة له ثلاثة ، صرعوا جميعا فى بدر بأيدى أصحاب محمد و نخس البعير ، فألقى براكبته على صخرة هناك ، واذ ذاك برك كنانة دونها ونثر كنانته وهو يزأر:والله لا يدنو مني رجل الا وضعت فيه سهما..فتراجع المطاردون الجبناء ووقف كنانة دونها ونثر كنانته وهو يزأر :
والله لا يدنو منى رجل الا وضعت فيه سها، فتراجع المطاردون الجبناء ووقف « أبو سفيان » بعيدا يقول لكنانة :
كف عن نبلك حتى نكلمك:
فكف كنانة،
وتقده أبو سفيان حتى دنا منه وقال :
انك لم تصب يا ابن الربيع : خرجت بالمرأة على رءوس
علانية وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا وما دخل علينا من محمد . فيظن الناس أن ذلك عن ذل أصابنا ، وان ذلك منا ضعف ووهن . . ولعمري ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة، ولكن ارجع بالمرأة حتى اذا هدأت الأصوات وتحدث الناس أن قد رددناها ، فسلها سرا فألحقها بأبيها فكبر على « كنانة » أن يردها ليعود فيتسلل بها سرا بعد أن يذاع في الناس أن قد ردتها قريش . لولا أن سمع توجعها فالتفت اليها فراعه أن رآها تنزف دما . وقد طرحت جنينها على أديم الصحراء
وعاد بها الى مكة . حيث بقى ( أبو العاص » الى جانبها أياما برعاها ولا يفارقها لحظة من ليل أو نهار ، فلما تمالكت بعض قواها : خرج بها « كنانة » حتى اسلمها الى زيد بن حارثة » وما تزال تنزف دما ولم يتبعها في هذه المرة طالب. استقبلت « يثرب » بنت الرسول باحتفال مهيب ، شابت فرحة اللقاء فيه ، سورة الغضب لما أصاب العقيلة الكريمة أول خروجها من مكة ، كذلك تحدثت الركبان بغضب الأب الرسول لابنته ، حتى لقد أمر
أصحابه أن يحرقوا بالنار الرجلين الأثيمين هبارا وزميله. اذا هم ظفروا بهما لكنه صلى الله عليه وسلم لم يكد يخلو الى نفسه ويتدبر ما كان من أمره باحراق الرجلين ، حتى رأى أنه جاوز فيهما ما يحق لمثله من حدود العقاب ، فلما تنفس الصبح بعث الى أصحابه مسترجعا ما سبق من أمره ، ومستبدلا بالاحراق عقوبة القتل. ومضت سنوات ست ، حافلة بجليل الأحداث ، و « زينب » عند أبيها بالمدينة تعيش على أمل لم يغلبها عليه اليأس قط ، وهو أن يشرح الله صدر ( أبي العاص » للإسلام
وليس بستغرب ألا نسمع عنهما خبرا فى هاتيك السنين، وألا نلمح للسيدة زينب أثرا فيما كان بين نساء أبيها صلى الله عليه وسلم من شواغل الغيرة والتنافس ، وألا نعرف لأبي العاص بعد موقعة بدر ، مشاركة في تلك الحرب الطاحنة التي لم تهدأ لحظة ، بين المسلمين في المدينة والمشركين فى مكة .
حتى كانت ليلة من ليالي جمادى الأولى من السنة السادسة للهجرة ، وقد باتت » زينب » مؤرقة تسامر ذكريات ألمت بها فذادت النوم عن عينيها .. وطاب لها أن تحلم فى يقظتها بالغد الذى طال انتظارها اياد ، فالمسلمون يزدادون كل يوم قوة وعددا ، وقد دخل في دين محمد ألوف
وألوف ممن كانوا أشد الناس عداوة له وحربا عليه ، وبدا أن النصر الأكبر آت دون ريب ، فهل يسلم « أبو العاص » ؟..
ودنا الفجر وماتزال في يقظتها الحالمة ، فلم تكد تشعر ببابها وهـو يفتح في تردد وحذر ، ثم يبدو منه فجأة « أبو العاص بن الربيع » وقد شحب وجهه وبان عليه القلق و ارتابت ( زينب ) في يقظتها وظنت أن ما ترى ليس الا طيف من تحب ، يسرى اليها في هدأة الليل ، ليذكرها بما لم تنس من ماض لهما سعيد ، ولى وراح ..
وعجبت للطيف يبدو هكذا شاخصا كما لم يبد لها من قبل على كثرة
ما ألم بها . وغمغمت في شجو ورقة :
- أبو العاص !..
فراعها أن يجيب بصوته المألوف : أجل يا أعز من لى .. أبو العاص ، ألقت به المقادير قريبا من يثرب ، فسعى اليك والمطاردون في أثره
ولم تصدق « زينب » أذنيها ، بل ظلت ترمقه بنظرة حالمة وهي ما تزال أشبه بسنومة ، واستمرأت أن تبقى هكذا ، سعيدة بلقيا الطيف على غير موعد ، الى أن لمحت نور الفجر الوليد يتسلل من كوى الدار ، وسعت بلال بن رباح يؤذن لصلاة الصبح بصوته الرخيم ، فتجيبه أصوات المؤمنين الذين هبوا من مضاجعهم عندما ا دعاء السماء :
الله أكبر » ..
وميزت خطوات قريبة ساعية الى المسجد فعرفت أنه أبوها يخرج
ليصلي بالناس
وقالت كمن تحدث نفسها : رباه ، لكأني في يقظة ، ولكأني بك يا أبا على الى جانبي ! .. »
فرد عليها صوت من حسبته طيفا :
. أجل يا زينب ، وهذا ضيفك ينتظر أن تحييه بعد أن أجهــده
السرى ، وأرهقته المطاردة ، وأضناه الفراق !..
فسرت رعدة في جسدها ، وقامت اليه تريد أن تحييه ، حتى يبق بينها وبينه الا خطوة واحدة ، وقفت فجأة كمن تذكرت شيئا فاتها ،
ورنت اليه بنظرة متسائلة دون أن يقوى لسانها على كلام
وهز ابن الربيع رأسه أسف وهو يجيب عن سؤالها الصامت : . کلا یا زینب ، لم آت يثرب مسلما ، وانما خرجت تاجرا الى الشام في أموال لى وأخرى لرجال من قريش ، فلما فرغت من تجارتي وأقبلت قافلا . لقيتنى سرية لأبيك فيها زيد بن حارثة ومعه مائة وسبعون رجلا ، فأصابوا كل ما معى وأعجزتهم هاربا ، حتى الظلام جئتك متخفيا مستجيرا !.. فعادت الى مكانها الأول ، وهى تقول بصوت يقطر أسى ويأسا:
مرحبا بابن الخالة ، مرحبا أبا على وأمامة .
ولفها صمت مشحون بالشجن ، وغرق الكون من حولهما في سكون خاشع ، وبدا كأن الدنيا قد أمسكت أنفاسها لحظة ، ثم تناهى الى سمعها صوت أبيها النبي يكبر في المسجد ، فجمعت زينب نفسها وقامت الى الباب . ثم صاحت بملء صوتها :
أيها الناس ، انى أجرت أبا العاص بن الربيع » .
وحمل نسيم الفجر صوتها الى من في المسجد ، فلما سلم الرسول صلى الله عليه وسلم أقبل على من معه فقال :
أيها الناس ، هل سمعتم ما سمعت ؟ .. »أجابوا :
( نعم يا رسول الله »
قال :
أما والذي نفس محمد بيده ، ما علمت بشيء من ذلك حتى سمعت
سمعتم،واضاف انه يجير على المسلمين ادناهم ،وقد اجرنا من اجارت))
وأضاف بعد صمت قصير :
انه يجير على المسلمين أدناهم ، وقد أجرنا من أجارت » ..
ثم انصرف عليه الصلاة والسلام فدخل على ابنته وعندها ابن خالتها » فما كادت تراه حتى هتفت ضارعة :
يا رسول الله ، ان أبا العاص ان قرب فابن عم ، وان بعد فأبو ولد ، وانى قد أجرته
فرنا اليهما الأب الكريم في عطف وتأثر ، ، ثم قال يحدث ابنته : ـ أي بنية ، أكرمى مثواه ، ولا يخلصن اليك ، فانك لا تحلين له و تركهما وما يدريان علام استقر رأيه فيهما ، فأتبعاه بصريهما حتى اذا بعد ، التفت كل منهما الى صاحبه ، وقالت زينب لائمة :
هان عليك فراقنا يا أبا العاص
فأجابها وهو يسك قلبه :
معاذ الحب يا زينب ، أما والله ما طاب لي من بعدك عيش. فسألته :
فقيم اذن هذا العذاب ؟.. وحتام ؟..- أجاب :
حتى يقضى الله فينا أمره وأخفى وجهه بين راحتيه ، کیلا تلمح زینب دمعة ترنحت في مقلتيه
همست في ضعف :
يرحمنا الله يا ابن الخالة
..
فرفع وجهه اليها وقال متهلا :
لقد
عرضوا على بالأمس أن أسلم وآخذ ما معى من أموال فانهاأموال المشركين . فأبيت قائلا : بئس ما أبدأ به اسلامي . أن أخون أماتني . فحدقت زينب فيه لعلها تستبين ما وراء كلامه. لكنه تحاشى نظرتها وراح يتشاغل بمناجاة طفليه النائمين في سلام .. وفى الصبح ، بعث الرسول من يصحب أبا العاص » الى المسجد حيث كان صلى الله عليه وسلم يجلس في المسجد، بينهم رجال السرية الذين أصابوا مال أبي العاص
وقال لهم الرسول :
ان هذا الرجل منا حيث قد علمتم ، وقد أصبتم له مالا ، فان تحسنوا وتردوا عليه الذى له فإنا نحب ذلك ، وان أبيتم فهو فىء الله
الذي أفاء عليكم فأتتم أحق به .
أجابوا بصوت واحد :
یا رسول الله ، بل نرده عليه
وأسرعوا يفعلون ، حتى ان أحدهم ليأتى بالدلو ، وبالاناء الصغير وبالسقاء البالي ، الى أن ردوا عليه ماله بأسره ، لم يفقد منه شيئا وحان موعد رحيله ، فقال الرسول وهو يودعه : حدثني فصدقني ، ووعدني فوفى لى . والتفت « أبو العاص » الى دار زينب مودعا من بعيد ، ثم مضى وقد اعتزه أمرا ! مضى حتى بلغ مكة ، وفرحت قريش اذ رأته يعود بتجارتها رابحة ، وبأموالها لم تس : وأقبلت عليه تستعجله الحديث عما كان من أمره مع الأعداء في يثرب ، لكنه استهل القوم حتى أدى الى كل ذى مال منهم ماله ، ثم وقف بحيث يسع وصاح بأعلى صوته : يا معشر قريش ، هل بقى لأحد منكم عندى مال لم يأخذه ؟
أجابوا : « لا .. فجزاك الله خيرا ، فقد وجدناك وفيا كريسا ! .. » فأدار فيهم بصره ، ثم قال على مهل وكأنه يزن كل كلمة مما يقول : فأنا أشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا عبده ورسوله . والله ما
منعني من الاسلام الا تخوف أن تظنوا أنى انها أردت أن أكل أموالكم، فلما أداها الله اليكم وفرغت منها ، أسلمت . وخلف القوم واجمين كأنما انقضت عليهم صاعقة ، وانطلق مستقبلا يثرب
.
هل هلال المحرم من سنة سبع ، وقد عاد الرسول وصحبه من بعد أن عقدوا الصلح التاريخي (الحديبية) على بعد مرحلة من مكة
الذي بدا كأنه المحاولة الأخيرة لمشركي مكة ، قبل المعركة الفاصلة و تناقل الناس هنا وهناك ، حديث الرسول يوم حالت قريش بينه وبين ما أراد من دخول مكة ليحج الى البيت العتيق مسالما لا يريد قتالا : يا ويح قريش !.. لقد أكلتهم الحرب . ماذا عليهم لو خلوا بينى وبين سائر العرب ، فان هم أصابونى كان ذلك الذي أرادوا ، وان أظهرني الله عليهم دخلوا في الاسلام وافرين ، وان لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة ، فما تظن قريش ؟.. فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة ! »
وأشار الى صفحة عنقه وصدق رسول الله : يا ويح قريش ، لقد أكلتهم الحرب وما يزالون على عنادهم وكفرهم ، وانهم لعلى يقين أنها معركة خاسرة ، لكنهم مع يقينهم ذاك ، يأبون الا أن يلقوا بفلذات أكبادهم وقودا لنار الحرب وفى قريش أهل وعشيرة ، وفى مكة للمسلمين المهاجرين وطن ورحم وقربي ، وان يثرب لتفتح قلبها قبل ذراعيها لكل من يفد اليها من هؤلاء مسلما وتوطيء له في رحابها منزلا وسكنا وها هي ذي تستقبل مع هلال المحرم « أبا العاص بن الربيع مسلما من تلقاء نفسه في السنة السابعة لهجرة نبي الاسلام .. وقد توجه « أبو العاص « فور مقدمه ، الى مسجد الرسول ، مارا في طريقه ببيت زينب ، فهلل المسلمون وكبروا حين رأوه يبايع النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم حفوا به مهنئين ، لكنه كان مشغول البال عنهم بأمر أهمه : أترى الرسول يرد اليه زينب » بعد الذي كان ؟ وساوره القلق، ثم ذكر أن الاسلام يجب ما قبله ، ، فجمع وتقدم الى الرسول بحاجته في استرجاع زينب وأثنى الرسول عليه خيرا ، ثم قام عليه الصلاة والسلام ، وسار الى بيته ومعه ابن الربيع .. ودعا اليه ابنته ، فردها على أبي العاص : قيل ردها اليه على النكاح الأول ، وقيل ردها عليه بنكاح جديد واجتمع الشمل الممزق ، وتلاقى الزوجان الحبيبان بعد فراق طال مداه حتى استنفد الصبر وغلب التجمل وأفنى الاحتمال ومضى عام واحد ، ثم كان الفراق الذى لا لقاء بعده في هذه الدنيـــا ماتت « زينب » في مستهل السنة الثامنة من الهجرة ، متأثره بعلتها التي لزمتها منذ طرحت جنينها على أديم الصحراء وهي خارجة من مكة مكرهة، وريع « أبو العاص » للمصاب الفادح ، فأكب على الحبيبة يناجيها ويتشبث بها حتى أبكى من حوله ، ولم يجرؤ أحد منهم على ابعاده عن فراش الراقدة ، حتى جاء أبوها محزونا فاستودعها الله ، ثم قال للنساء : اغسلنها وترا : ثلاثا أو خمسا ، واجعلن في الآخرة كافورا ..
هنالك غادر « أبو العاص « مخدع الغالية بخطوات مترنحة ، ووقف
بالباب ملتاعا شارد النظرات ، الى أن جهزوها للرحلة التي لا ينوب منها مسافر وصلى عليها أبوها الرسول في مسجده ، ثم شيعها الى مرقدها حيث أودعوها ثرى يثرب وسووا عليها الرمال .
ورجع
( أبو العاص » الى داره التي كانت بالأمس جنة الحب ، فأمست بعد رحيل ( زينب ) منزل الذكريات والأشجان وكاد الحزن يهلكه ، لولا أن وجد فى ولده «على» بعض عزاء ، وفى ابنته (امامة) صورة حية من الراحلة، تؤنس وحشته ، وتأسو جراحه ، و تمحو بعض ما ران على البيت من وجوم وا و اكتئاب وكذلك وجد الرسول فى » أمامة « ما يخفف حزنه على « زينب » فكان يأنس بها ويهش لها ، وقد يحملها على عاتقه ويصلى بها ، فاذا سجد وضعها حتى يقضى صلاته ثم يعود فيحملها وحدثت السيدة عائشة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أهديت اليه هدية فيها قلادة من جزع . فقال : لأدفعنها الى أحب أهلى الى . فقالت النساء : ذهبت بها ابنة أبي قحافة !.. لكن رسول الله دعا « أمامة » بنت زینب ، فأعلقها في عنقها وجزعت فاطمة على موت زينب جزعا لايوصف
، فلقد راحت تبكى فيها أمها وشقيقتها وصديقتها وصاحبتها ، وتذكر أيامها السعيدة في مكة اذ البال خلى" وشمل الأسرة ملتئم . ثم كان لها ـ بعد سنين بعض عزاء في تسمية وليدتها باسم « زينب » احياء لذكرى الفقيدة الغالية ، وترديدا لاسمها الحبيب الذي لا يسل ولحق « أبو العاص بن الربيع » بزينب ، أيام أبي بكر ، في ذي الحجة السنة الثانية عشرة للهجرة (۱) وأوصى بابنته أمامة الى « الزبير » ابن خاله العوام بن خويلد بن أسد وقد زوجها الزبير من على بن أبي طالب بعد وفاة خالتهــا الزهراء وظلت معه حتى قتل وبموتهما انقطع عقب » زينب الكبرى بنت النبي » وبقيت قصتها
المثيرة ملء الزمان
سمير عبد الحميد
2026

784 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع