
سعد السامرائي
فلسفة «الذيل» والواقع السياسي العراقي
خاطبني أحد المؤيدين لإيران، بعد تغريدة دعوت فيها دول الخليج العربي إلى تحذير الصين من أن استمرارها في شراء النفط الإيراني ( 90% من انتاجها كما قرأنا ) ، قد يدفع العرب إلى إعادة النظر في علاقاتهم الاقتصادية معها، باعتبارها تقف إلى جانب إيران في صراعها مع محيطها العربي.
حيث قال نصا ( لازالت التعليقات حول كل مايتعلق بالشأن الايراني بعيدة عن الموضوعية وانها طائفية بامتياز ومن كلا الاطراف ، فالكثير ممن يعادي ايران ويريد ويتمنى خسارتها لانه يعتقد ان ذلك سيؤدي الى سقوط النظام في العراق وعودة اهل السنة لقيادة الدولة الذي هو جزء مهم جدا وحيوي من عقيدتهم مقدساتهم الدينية (السلطة والدولة والحاكم) ، والسؤال كيف سيحصل هذا المتغير في العراق وهنالك الملايين من مسلحي العشائر الشيعية في الجنوب والفرات الاوسط ، وفي مدينة بغداد فقط فان المسلحين من أبناء العشائر في مدن الصدر والشعلة والحسينية لايقل عددهم عن ثلاث الى اربع ملايين مسلح ، علما ان اي محاولة لتغيير معادلة الحكم في العراق ستؤدي الى دخول مئات الألوف من المقاتلين والمتطوعين المسلحين الإيرانيين ولاسباب باتت معروفة .)
( من اجل خصوصيته لم اذكر اسمه )
كان جوهر رده كما ترون أن خصوم إيران لا ينطلقون من دوافع قومية ودفاعية بقدر انها طائفية، وأن أي تغيير في معادلة الحكم في العراق سيصطدم بوجود أعداد كبيرة من المسلحين والمتطوعين، فضلًا عن احتمال تدخل إيران عسكريًا لحماية حلفائها.
المفارقة هنا أن صاحب هذا الرأي اتهمنا بالطائفية، ثم قدم تفسيرا للصراع قائما أساسا على الانقسام الطائفي نفسه و أعاد إنتاجها بصورة طاىفية دفاعية !!
وهنا تظهر ظاهرة مهمة في علم النفس السياسي تسمى التحيز التأكيدي (Confirmation Bias)؛ إذ قد يرى الذيل الطائفية بوضوح عندما تصدر من الطرف المقابل، بينما يفسر الموقف الصادر منه او من جماعته باعتباره دفاعًا أو واقعية أو ردعا وهنا يظهر خوفه من احتمال اندلاع صراع مسلح.وهذا يسمى في علم النفس السياسي securitization of identity؛ أي تحويل قضية الهوية والسياسة إلى قضية أمن وتهديد وجودي والدليل انهم لحد الان يخشون من ترديد اسم صدام او البعث.!
كما أن اختزال المشهد العراقي في ثنائية ايران والشيعة مقابل خصوم إيران والسنة قراءة قاصرة للواقع؛ فالعراق يضم تيارات وطنية وقومية وكردية وإسلامية ومدنية واحزاب شيوعية، فضلًا عن شيعة لا يقبلون أن تكون علاقتهم بإيران معيارا لولائهم الوطني.او ان يكونوا ذيولا لمجوس فحبهم لوطنهم يمنعهم منزالانزلاق الاخلاقي هذا. فايران حين قاتلتنا ٨ سنين لم تقاتلنا لاننا سنة بل لاننا عرب وانظروا للشيعة العرب الايرانيين كيف تعاملهم باضطهاد او حتى انتم حين تزورون مدنهم.
أما الأرقام الضخمة عن أعداد المسلحين التي ذكرها، من دون مصادر موثوقة، فلا تصلح أساسًا لتحليل سياسي. فالرقم هنا قد يتحول من معلومة إلى أداة نفسية لإقناع نفسه اولا ثم المتلقي بأن أي تغيير سياسي مستحيل، وأن بقاء المعادلة الحالية هو الخيار الوحيد الممكن! .. وتناسى احتمال ان الطرف الاخر ربما ٥ الى ٦ مليون منهم يحملون السلاح !
الأعمق من ذلك هو ارتباط الهوية السياسية بالأمن الجماعي. فعندما يصبح تراجع نفوذ إيران في العراق في نظر البعض تهديدًا وجوديًا لجماعاته أو لنظامه السياسي، تتحول الخلافات السياسية تلقائيًا إلى قضايا أمنية وطائفية، ويصبح الدفاع عن النفوذ الخارجي وكأنه دفاع عن الوجود !! .
وهذه إحدى مشكلات العراق بعد 2003 فمنذ ان سلمكم المحتل الامريكي حكم العراق لم يعد الصراع على الشلطة ومؤسساتها سياسيًا فقط، بل اختلط بالهوية والطائفة وموازين القوة الإقليمية.
لذلك فإن مواجهة الطائفية لا تكون باتهام الطرف الآخر بها، ثم إعادة إنتاجها في تفسيرنا للواقع. المطلوب هو قراءة العراق بوصفه دولة متعددة الهويات والمصالح، وأن يكون معيار الولاء فيها المواطنة والمصلحة الوطنية، لا الانتماء الطائفي ولا مقدار القرب من أي قوة إقليمية.
اذن السياسة التي تجعل بقاء دولة أو جماعة مرتبطا ببقاء دولة أجنبية ليست واقعية سياسية بل قد تكون، في بعض الحالات، تعبيرًا عن أزمة في مفهوم الدولة والولاء الوطني وهذا ما حول العراق الى ذيل واصحاب هذا الفكر الى ذيول بلا كرامة. النص يكشف ايضا حين يتحدث عن وجود ارتباط قوي بين الهوية السياسية والأمن الشخصي/الجماعي هو في الحقيقة تعبيرا عن القلق النفسي من المستقبل هذا القلق سيبقى يصاحبكم حتى نهايتكم المدوية ! وهذا ما تخشوه من المستقبل الذي ستجدونا بلا شك امامكم .. .لكنكم للأسف لا تفتحون عيونكم لتروا ولا تستعملوا عقولكم لتفهموا .

607 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع