
د. سعد ناجي جواد
ما اشبه اليوم بالبارحة.. هل ستفعل الولايات المتحدة مع دول الخليج ما فعلته بالعراق؟
في عام 2003 اختار الرئيس الأسبق بوش، خدمة للمصالح الصهيونية، الذهاب إلى مغامرة حمقاء غير محسوبة النتائج، وشن حربا غير شرعية على العراق انتهت باحتلال البلاد وتدميرها. لسنا بحاجة ان نذكر النتائج التفصيلية لتلك الحرب، فمن ينظر إلى العراق الان يكتشف المردودات الكارثية لذلك الغزو، فلا العراق انتقل لكي يكون ديمقراطية حقيقية ولا حقوق الانسان اصبحت محترمة ولا البلاد اصبحت تنعم بالرفاه (بعد ان اُخضِعت إلى 13 عاما من الحصار الظالم واللاإنساني)، والاهم ان الغزو جعل العراق دولة ضعيفة تتدخل فيها اطراف إقليمية مختلفة وعلى راسها ايران التي امتلكت نفوذا غير مسبوق، وتركيا التي أقامت في شماله قواعد ثابتة، ناهيك عن الارهاب الذي اجتاحها لفترة من الزمن ولا يزال يهددها وفساد ينخر كل مفاصلها. الرئيس الأمريكي الحالي ارتكب عملا مشابها في شباط/فبراير عندما اقدم على مهاجمة ايران خدمة لرغبات صهيونية بحتة، معتقدا بانه سينجح في تغيير النظام ويجعل ايران، كما العراق، دولة فاشلة تسودها النزاعات والحروب الداخلية، ويطرحها كمشروع تقسيم محتمل. لكن النتائج اثبتت ان حساباته، ان كان لديه حسابات أصلا، كانت خاطئة، وجاءت النتائج عكسية. فلا النظام الايراني سقط ولا الدولة تمزقت ولا استسلمت، بل على العكس فان صواريخها ومسيراتها شنت هجمات مستمرة على القواعد الأمريكية في المنطقة وعلى القواعد العسكرية والمناطق الحساسة في فلسطين المحتلة، بالإضافة إلى ان برنامجها النووي مازال موجودا. والاهم من كل ذلك ان تلك الحرب مكنت ايران من ان تحول مضيق هرمز إلى سلاح جبار هدد ويهدد الاقتصاد العالمي. وكل المحاولات الأمريكية الصهيونية لفتح ذلك المعبر باءت بالفشل.
مع الأسف ان هناك من لا يزال يعتقد ان الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الصهيوني قادرين على تركيع ايران، وان الحصار الاقتصادي الخانق عليها سيجعلها ترفع الراية البيضاء، وقسم من هؤلاء يضربون الحصار الذي فُرِض على العراق نموذجا، وهم لا يدركون ان ذلك الحصار الظالم واللاإنساني لم يُسقط النظام وانما من نجح في ذلك هي القوة العسكرية الجبارة التي استخُدِمَت، (والتي لم يُظهر الرئيس ترامب اي نية في استخدامها في حالة ايران)، وان الحصار القاتل الذي فُرض على العراق طبقته كل الدول المحيطة بالعراق وخاصة العربية، بينما الحصار المفروض على ايران لم تطبقه سوى الولايات المتحدة على مضيق هرمز ومياه الخليج العربي، وان باقي حدود ايران الشاسعة ما تزال مفتوحة وتُمكن ايران من ادخال ما تحتاجه من مواد حتى وان كانت قليلة، وان حديث ترامب عن خنق ايران اقتصادياً عن طريق منعها من تصدير نفطها ثبت انه غير دقيق لان هناك من وسائل الاعلام الأمريكية من يتحدث عن ان الصين مثلا مازالت تستورد يوميا النفط من ايران، وبطرق مختلفة تلتف على الحصار الأمريكي، نعم انخفضت الكمية إلى النصف وكذلك الاسعار، لكن التدفق مازال مستمرا، ( تقول المعلومات ان ايران تمتلك أسطولا من السفن الصغيرة الناقلة للنفط – أسطول الظل- الذي يستطيع ان يتحايل على الحصار، مع حوالي 20000 شاحنة لنقل النفط بريا إلى الصين ودول الجوار شرقا). كل هذه الحقائق تثبت عدم امكانية فرض حصار مشابه لذلك الذي فرض على العراق، واكرر انه كان بمشاركة عربية فعالة، واكرر ايضا ان ذلك الحصار لم يُسقط النظام السابق وانما القوة البرية التي دخلت من اراضي عربية وبمساعدة ايرانية.
هناك ثلاثة احتمالات يمكن ان تؤل لها الأزمة الحالية:
الاول والأكثر حظوظا ان الولايات المتحدة ستتوصل، عاجلا ام آجلا، إلى اتفاق مع ايران، (بدليل ان واشنطن، رغم كل ادعاءات الرئيس ترامب الجوفاء، ما زالت تبحث عن وسيط بينها وبين ايران، وآخر هذه المحاولات هي الاستنجاد بالسيد نيجرفان برزاني رئيس اقليم كردستان والطلب منه ان ينشئ خط للتواصل مع الحرس الثوري الايراني، وفعل الرجل ذلك. مع استمرار الوساطتين العُمانية والباكستانية ولو ليس بالصورة النشطة التي كانت عليها)،
الثاني ان تقوم ايران، من اجل تسريع فك الحصار الاقتصادي المفروض عليها، بتقديم بعض التنازلات وتوقع اتفاقا يمكنها من الاحتفاظ بقوتها، والرئيس الأمريكي ينتظر ذلك. وفي كلا الحالتين فان النتيجة ستكون مشابهة لتلك التي حدثت في 2003 وبعدها. قد يُغضب هذا الكلام البعض، ولكن هذا ما سيحدث إذا لم يتدارك العرب الحالة بسرعة وعقلانية. والعقلانية والتفكير السليم لن يتحققا إلا إذا اقتنعت دول الخليج العربية اولا وقبل كل شيء ان الاعتماد على الولايات المتحدة وإسرائيل خيار خاطئ، لان الحوادث اثبتت ان كل القواعد الأمريكية في الخليج لم تفعل اي شيء لحمايتها بل على العكس، وان الهم الاول والأخير لوجودها (القواعد) كان لحماية اسرائيل فقط، او شن هجمات على ايران او على اية جهة تعتقد دولة الاحتلال انها تساند ايران مثل العراق واليمن. ثانيا ان تؤمن الدول الخليجية ان حماية امنها وإقليمها ومياهها هو من مسؤوليتها لوحدها، وان ايران والعراق هما طرفان مهمان في هكذا منظومة لحماية امن الخليج.
بكلمات أوضح ان هناك اشارات كثيرة تدلل على ان المغامرة الامريكية-الصهيونية متجهة للفشل على الرغم من كل الأكاذيب التي تروج لها الادارة الأمريكية ووسائل الاعلام الصهيونية، والخشية كل الخشية هي من ان تصل ادارة الرئيس ترامب إلى هذه القناعة من اجل تحقيق الهدف الوحيد لديها الآن إلا وهو فتح مضيق هرمز امام الملاحة العالمية، وتوقيع اتفاق مع ايران لا يتضمن ضمانات لدول المنطقة، (سبق للرئيس ترامب ان وصل لهذه القناعة ووقع مذكرة التفاهم مع ايران في حزيران / يونيو الماضي).
اما الاحتمال الثالث فهو إبقاء المنطقة كما هي الان في توتر مستمر يتصاعد في بعض الأحيان ليصل إلى مواجهات عسكرية وينخفض إلى وضع يُبقي دولة المنطقة في حالة من عدم الاستقرار الدائم، وتعيش صعوبة في تصدير نفطها وإدامة برامجها التنموية، بعض اطراف الادارة الأمريكية يقولون ان الرئيس ترامب قد يكون قد فشل في انهاء المهمة، إلا انه بدأ العمل ضد ايران وان على من سيخلفه ان يكمله، يعني إبقاء المنطقة على هذا الحال لسنين قادمة .
ان تحالف إقليمي عربي إسلامي يضم ايران هو السبيل الوحيد لحماية امن المنطقة ويتجاوز النتائج الكارثية للمغامرة الأمريكية – الصهيونية التي تريد ان تشعل المنطقة بحروب لا نهاية لها.
كاتب واكاديمي عراقي

791 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع