(أكثرُ من معنى) لحيدر خلف و(طوالع يومية) لعلي الناهي كتابانِ من البصرةِ برؤىً مغايرةٍ

د. حيدر علي الاسدي (ناقد وأكاديمي عراقي)

(أكثرُ من معنى) لحيدر خلف و(طوالع يومية) لعلي الناهي كتابانِ من البصرةِ برؤىً مغايرةٍ

تغمرني سعادة كبيرة وانا اتسلم الإصدارات الجديدة لشباب من مدينتي (البصرة) فقد تسلمت قبل ساعات فقط وبالوقت ذاته كتاب مسرحي واخر روائي لاثنين من شباب ومثقفي مدينتي البصرة وها انا اكتب هذا المقال عن الكتابين سوية لأهمية ان أقول ان ظاهرة اصدار العديد من الشباب والمثقف البصري الكتب في مختلف الاجناس الأدبية هي ظاهرة صحية وتدل على العمق الثقافي والادبي واللغوي لهذه المدينة المعطاء (بصرة الجاحظ والفراهيدي والاصمعي والسياب والبريكان واحمد مطر وسعدي يوسف ومحمد خضير وكاظم الحجاج) ما زالت البصرة توقد شعلة التنوير والابداع وهذه المرة عبر شبانها الذين يملئهم الوعي والحرص بقضايا مجتمعهم والانسان العراقي على وجه التحديد وما مر بهذا الانسان من تهميش واقصاء وتعسف ، وهذا ما سنجده في هذين الاصدارين ، أولهما (طوالع يومية) للشاب المبدع (علي رائد الناهي) وقد وضع عنوان فرعي اسفل عتبته الأولى (الذاكرة) وجنسها على انها (رواية/الجزء الأول) بهذا يبلغنا الناهي بان ما سيرد هو (ذاكرته/ ذاكرة السارد العليم) وان ثمة تتمة لهذا الفصل رغم ان المتلقي حينما يقرأ ما جاء في هذا المتن السردي سيجد انه يتشكل لديه رؤية على ان المكتوب هو (رواية سيرة ذاتية) والكتاب جاء بواقع (145 صفحة) عن مكتبة ودار الوتين للنشر والتوزيع (ط1 2026) وبمقدمة جميلة وانيقة من الناحية اللغوية والفلسفية والنقدية للأديب البصري (ياسر جاسم قاسم) و15 من الفصول المعنونة (غربة وطن/ في حظرة السياب/ عرس المقابر/ سعال الزمان/ العيون الزرقاء/ ذاكرة الطين/ بقايا من خمر الامس/ سليمة بائعة الجسد/ثم وداع يبقى/ الباحث عن الغريب/ الصمت دخان يرفض ان يسافر/ على عتبة الزعماء/ انفجار الذاكرة/رماد الذاكرة/ هلاهل الحرية) الغلاف العتبة البصرية والنصية (غلاف الكتاب) الواجهة الرئيسة للولوج الى الكتاب والعلامة السيمائية الدالة التي تكثف معاني هذا السرد توحي لنا بالبيئة البصرية (جمالية المكان) حميمة المكان الذي يحيل لمدينة الكاتب ( البصرة) (اللوحة التشكيلية/ المقام/ النهر/ الكتاب والقلم/ الشاي/النخيل....) وهو ما سيحيل الى متن الفضاء السردي الذي فيه كمية كبيرة من الحميمية للمكان الدافئ الضاج بالتناقضات الحياتية ورغم ان هذه السرديات لعلي الناهي يلاحظ من خلال قراءتها انها (مستقلة) الا ان ثيمة رابط يحكم مركزية الحدث (الفكرة التي ينطلق منها المؤلف) الحكاية الثيمة التي تشكل الرابط الأهم في هذه المجموعة فتشتمل تلك الحكايات على الفعل الدينامي المتغير للمحركات والفضاءات التي تحرك عجلة الفعل السردي وتلاقي الاحداث واصطدامها وعبر بؤرة المحكي بوساطة الاكتناز التعبيري عبر قناع سردية (السيدة المسيحية)، ان الذاكرة أداة فاعلة ورابط مركزي في كل تلك النصيات في هذه الرواية وهي ذاكرة مضمخة بالألم والحنين والحاجة والانثيال والتعبير الداخلي، هي ذاكرة ناقمة أحيانًا وأخرى مصابة بالحنين او النكوص الناجع، ذاكرة مليئة بلحظات الخوف والفقد والحنين لمكانية هذه الذاكرة الماضوية التي تقبع في خلد الكاتب وهي يسردها بطريقته الخاصة ذات النكهة المتسقة مع الحميمية للمكان (البصرة) بلغة السهلة الممتنع وبعبارات هي الأخرى لا تحمل التكلف والفوقية اللغوية وانما لغة ارسال واضحة لا تخلو من حميمية المفردة مع المتلقي البصرة وهو يتفاعل مع قاموسه المعجمي واللغوي الوارد في تلك الحكايات عبر سردها بخيط متين من الحبكة المتنامية وهو يتنقل بنا بزمكانيات متعددة ومختلفة الظروف والاحداث، وهو يستخدم الرموز بطريقة دالة ومعبرة في متن تلك الحكايات ( سرب من الغربان السود/ص19) وهو يوثق معاناة الانسان العراقي في تلك الحقب المظلمة ، ويعد المقهى من الامكنة المألوفة الناظرة في هذا الكتاب فهو فضاء مكانيًا يتجاوز محطة الاستراحة العابرة ليتحول الى رمزية مجتمعية مصغرة تشتبك فيها التفاعلات والاحداث ليكون المعبر الشعبي والمرآة العاكسة لأوجاع المجتمع ، كما ان الكاتب يعمد على ترسيم المفردات التي تتعلق بذاكرة المجتمع العراقي من خلال توزيعها بصورة دلالية على متن حكاياته (حلبجة/ تمثال السياب/ صحراء السماوة/ الجريدة / استكانة الشاي/ المقهى/اهوار الطين/الشناشيل) كل هذا يدل على حميمية المكان التي يحاول علي الناهي ان يتاخم معها عبر سردياته حتى وان كانت تلك الذاكرة موسومة بالألم والوجع والفقدان ، وقد استدعى بصورة ذكية المؤلف شخصية بارزة الا وهي الراحلة امينة المكتبة المركزية في البصرة سابقًا السيدة عالية محمد باقر (كانت الصورة لامرأة جنوبية الملامح بوجه يحمل ذلك المزيج الغريب من الصلابة والتعب....امرأة المكتبة امرأة البصرة التي قيل عنها انها كانت تهرب الكتب من النار كما تهرب الأمهات ابناءهن من البيوت المشتعلة/ص43) هذا ما جاء في الفصل الخامس، والكاتب في مشاهده السردية وفصوله الروائية يعمد الى ترسيخ بؤرة الصورة (الكاميرا) منطلقًا لتأسيس وبناء الحدث : (جال قاربنا بين الحشائش والقصب والجاموس السابحة وانا أحاول ان اوثق بكاميرتي كل ما تقع عيني عليه/ص49) فالكاميرا والصورة اداة جمالية لبناء الحكاية السردية (عين السارد) بزوايا ورؤى متعددة ومتنوعة لتعوض الصور الفوتوغرافية السردية عن (الكلمات) ومحاولة تقطيع وبناء المشاهد ليكون المبدع علي الناهي مثل الراوي البصري الذي يقدم لنا الصور بدلًا من الكلمات وذلك من خلال تكثيف المعاني والرابط بين الاحداث المتناثرة والكشف عن المسكوت عنه ونقد قبحيات المجتمع والسلطة ،كما ان الرواية مثلت ادانة للقبح والحروب في حياتنا كما في : (تعلمت ان هذه الحروب اتي صنعناها لم تكن سوى وسيلة لتأجيج نار الحزن في دواخلنا/ ص77) لذا تكررت لديه مفردة الخراب في الكثير من الموارد السردية في اغلب الفصول وكذلك (مفردة الموت)( وكل هذا الخراب لم تكن حكايات منفصلة كما أحببت ان اصدق/ص134). اما الكتاب الثاني والموسوم : (أكثر من معنى : نصوص مسرحية) للمبدع البصري الشاب ( حيدر خلف محمد) عن دار ومكتبة الوتين للنشر والتوزيع (ط1/2026) كذلك في نفس التوقيت جاء الإصدار وهو يدلل على الحركة الأدبية للشباب في البصرة وزيارة الوعي بأهمية الكلمة والكتاب في تنوير وتثوير المجتمع ومحاولة تغيير الواقع بوساطة الادب بمختلف اجناسه الأدبية ، ينطلق المبدع والصديق الاستاذ حيدر خلف في مجموعته هذه من فكرة الطبيب النفسي النمساوي ( فيكتور فرانكل) (الانسان يبحث عن المعنى) مع فارق الظروف التي عاشها فرانكل ، في هذه المجموعة التي جاءت بواقع (86 صفحة) ستجد مسرحيات عدة وهي (معنى الحياة/ امتيازات/ملح الحياة/ فانز/ أرواح زائرة) فالمؤلف يقدم لنا العتبة الأولى (العنوان) بطريقة مغايرة ومفردات صادمة غير مألوفة وهي دخولية ممتازة للكشف عن جمالية الأفكار المطروحة بمتون هذه النصوص المسرحية ، فهو يستدعي ما هو تاريخي لواقع معاصر معاش ( اسقاط معنوي يحيل لدلالة راهنة) كما في فكرة خلود الأفعال ، وفي التمعني الموجود في هذه المجموعة يفضح المؤلف المسكتون عنه السياسي في نص ( امتيازات) عبر نقدية واضحة للسردية السياسية المعاصرة ، عبر رمزية الشيطان والكومشن والغفوة في الجلسة/المنصب) وفي مسرحية ( ملح الحياة) تحضر الذاكرة الشعبية من خلال الأناشيد وتتحول دلالة الملح من مدياتها الرمزية اكبر ، ففي هذه المسرحية يبرز الملمح الناقد والناقم عن تسليع المرأة (الطفلة) وتحويلها الى تشيء وتجارة اجتماعية وهذا ما يتمثل في (الابنة الأولى) (من اجبر ذلك الوحش ان يتزوج طفلة..!!!! من اجبركم على تزويجي لوحشٍ.. هل ضاق البيت ولم يعد لي مكان بينكم؟/ص41) في حوارات هذه الشخصية ثمة راديكالية نسوية واضحة في هذا النص المسرحي واعتراضية على محاولة تسليع المرأة، فالنسوية الراديكالية ترفص كل اشكال العنف ضد المرأة ضمن المنظومة الزوجية والاسرة ويمثل هذا الاعتداء سلطوية ابوية لإخضاع المرأة فالكاتب حاول ادانة هذا العنف المادي والرمزي ورفض التبريرات المجتمعية والاسرية كافة، وفي مسرحية (فانز) اجزم ان الكاتب من القلائل الذين تناولوا هذه الموضوعة النادرة في الادب المسرحي لحداثتها وهي ظاهرة البلوكرات والفانزات في التواصل الاجتماعي وتسليع المرأة لنفسها وتأثير ذلك على الجماهير من النواحي السيكولوجية والسيسولوجية ، وبصورة ذكية يستعير تسمية (شهرزاد) وتوظيفها في هذا النص المسرحي والذي يكشف عن تحويل مريب ومخيف بهذا الفضاء العام والبيئة التي تحولت لضباب يخفي الحقيقة خلف أكاذيب الصورة الزائفة والزاهية، انه يقدم صورة ناقمة وناقدة للزيف والازدواجية والتناقض والمشاعر الحقيقية من المزيفة والغرور والتكبر وكل الآفات السلبية في هذا الوسط ، تناول الكاتب هذه الظاهرة بطريقة فلسفية دلالية جميلة ومعبرة عن الواقع ولكن بصورة غير مباشرة او تقليدية وهو ما يحسب له ، كما تتكرر لدى الكاتب مفردات الحمامة والطيران رمزية الحرية الباحث عنها المؤلف ضمن التخلص من نسقية المضمر المسكوت عنه في الواقع المعاش وكذلك لون السواد وتوظيفه في متونه النصية وما يوحي من دلالة مكانية او سيكولوجية واثرها على الفرد وبنية المجتمع، انها مجموعة مسرحية متميزة بأسلوبها فانت في خضم هذه النصوص ستجد المعاني التي تبحث عنها وتشتغل لديك اليات التأويل عبر كمية المفارقات التي تشكل التركيبة اللغوية والدلالية لهذه النصوص المسرحية المعبرة. فستجد اكثر من معنى مترابط دلاليًا في هذه الثيم ، فهذه النصوص تمتلك اكثر من دلالة محتملة التأويل من خلال عملية التفسير والتحليل للقارئ او المخرج الذي سيقوم بتحويلها الى عروض عيانية على الخشبة وهو ما يجعلنا نبحث عن قراءة منتجة تغوص في المعنى الاعمق لاستخراج الفهم الادق والجوهر المخبوء والاقرب لتلك الثيم المركزية في ظاهرية النص المسرحي.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

828 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع