
سعد عبد المجيد البراهيم
«وراء كل رجل عظيم امرأة»
«وراء كل رجل عظيم امرأة»، مقولة يرددها كثيرون ويؤمنون بها، ولكل واحد منا في مخيلته امرأة بعينها قد تنطبق عليها هذه العبارة. في المقابل، يعترض آخرون عليها، ولا يحبذون أن تكون المرأة «وراء» الرجل، لأن في التعبير انتقاصًا من مكانتها، ويفضلون القول: «إلى جانب كل رجل عظيم امرأة». وهناك من الرجال من لا يؤمن أصلًا بدور المرأة في صناعة العظماء، سواء كانت وراؤه أو إلى جانبه.
وهنا يبرز سؤال آخر: هل يمكن أن نقول أيضًا: «وراء كل امرأة عظيمة رجل»؟ أم أن المرأة العظيمة تصنع نفسها بإرادتها وكفاحها، كما يحلو أن يقال عنها، دون حاجة إلى رجل يقف خلفها أو إلى جانبها؟
هذا الجدل دفعني إلى التأمل في هذه المقولة ومحاولة البحث في معناها: من هي المرأة التي يمكن أن تسهم في صناعة العظماء؟ أهي الأم، أم الزوجة، أم الأخت، أم الحبيبة؟ وما الصفات التي تجعل منها سندًا حقيقيًا في رحلة النجاح؟
وبصرف النظر عن المعنى اللفظي للمقولة، سواء كانت المرأة خلف الرجل أم إلى جانبه، فإن ما يعنيني منها حقًا هو الدور الذي تؤديه المرأة، ومعها الرجل، في تنشئة الأجيال وبناء شخصيات واعية قادرة على التعايش مع مختلف مراحل الحياة وتحدياتها بنجاح، وأن تعيش حياة كريمة تليق بها، وتتوازى مع ما تبذله من جهد وعطاء.
ومن هذا المنطلق، فإن «المرأة» في هذه المقولة لا تعني امرأة بعينها، ولا دورًا محددًا؛ فالمرأة هنا تمثل صورة أوسع للدعم العاطفي والفكري والإنساني الذي يحتاج إليه الإنسان في مسيرة حياته. فقد تكون أمًا تزرع القيم، أو زوجة تمنح السند، أو أختًا تقف إلى جانب أخيها، أو إنسانة تؤثر في حياة من حولها بكلمة أو موقف أو قدوة.
ولعل الأهم من البحث عن المرأة التي تقف «وراء» الرجل العظيم، أن نتساءل عن دورنا جميعًا، رجالًا ونساءً، في صناعة جيل عظيم؛ جيل يعرف قيمة نفسه، ويدرك مسؤولياته، ويحسن التعامل مع الحياة بكل ما تحمله من فرص وتحديات. فالعظمة الحقيقية تبدأ منذ الطفولة، من البيت، ومن التربية، ومن القيم التي نغرسها في أبنائنا وبناتنا.
وعندما تكون هذه المرأة أمًا، تكون هي المؤثر الأول والأعمق في شخصية الطفل. فمنذ سنواته الأولى، تزرع فيه الثقة بالنفس، والشغف، والطموح، وتعلمه الصبر والمثابرة. وقد ارتبطت سير كثير من العظماء بدور أمهاتهم في تكوين شخصياتهم. ومن أشهر الأقوال المنسوبة إلى أبراهام لنكولن عن والدته: «كل ما أنا عليه، أو آمل أن أكون عليه، أدين به لأمي».
وقد تكون الأم امرأة بسيطة لا تمتلك مؤهلات علمية أو اجتماعية كبيرة، لكنها تمتلك ما هو أعظم: الصبر، والتضحية، والعطاء، والنفس الطويل في مواجهة صعوبات الحياة. وهذا الدور نراه بوضوح في حياة كثير من الناجحين، ومنهم نجوم الرياضة الذين كان لأمهاتهم دور أساسي في مسيرتهم منذ بداياتهم.
وعندما تكون المرأة زوجةً وشريكة حياة، فهي توفر الاستقرار النفسي والسكن والإنصات، وتكون السند في أوقات النجاح والإخفاق. فالطريق إلى الإنجاز ليس دائمًا سهلًا، والاستقرار الأسري قد يمنح الإنسان القدرة على مواصلة الطريق حين تثقل عليه الأعباء.
ومن أعظم النماذج في هذا السياق السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، التي كانت لرسول الله ﷺ سندًا ومصدرًا للطمأنينة في أصعب بدايات الدعوة، فآزرته وصدّقته ووقفت إلى جانبه حين عاد إليها بعد نزول الوحي الأول.
وفي التاريخ الحديث، يبرز دور صوفيا تولستوي، زوجة الروائي الروسي ليو تولستوي، التي ساعدته في إعداد أعماله ونسخت مخطوطات «الحرب والسلام» بخط يدها مرات عديدة، فكان لها حضور مهم في مسيرته الأدبية.
أما الحبيبة والملهمة، فهي المرأة التي توقظ في الإنسان طاقات الإبداع، وتفتح أمامه آفاقًا جديدة، وقد تصبح مصدر إلهام يتجاوز حدود العلاقة الشخصية إلى الأدب والفن والفكر. ومن أشهر الأمثلة الأدبية بياتريس، التي جعل منها دانتي أليغييري رمزًا للحب والسمو الروحي، وحضورًا محوريًا في أعماله، ولا سيما «الكوميديا الإلهية».
كما تمثل مي زيادة نموذجًا مختلفًا للمرأة المثقفة والمؤثرة، فقد كان لصالونها الأدبي ودورها الفكري والثقافي أثر مهم في الحياة الأدبية في عصرها، وجمعت حولها عددًا من كبار الأدباء والمثقفين، لتؤكد أن المرأة قد تصنع أثرها بالكلمة والفكر والثقافة، كما تصنعه بالعاطفة والسند.
والمرأة صانعة الرجال ليست امرأة عادية، وليست كل امرأة قادرة على أداء هذا الدور وأن تكون ذلك السند الذي تصفه المقولة. فالمرأة التي تسهم في صناعة العظمة هي تلك التي تمتلك قدرًا من الحكمة والذكاء العاطفي؛ تعرف متى تتكلم ومتى تصمت، ومتى تشجع ومتى تمنح الآخر مساحة للتأمل، وتستطيع أن ترى في الرجل قدراته حتى في اللحظات التي يفقد فيها ثقته بنفسه.
وهي، في الوقت نفسه، شخصية مستقلة فكريًا، قادرة على الحوار وإبداء الرأي، وتمنح الآخر، بتوازنها ونضجها، قدرًا من التبصر والاستقرار. فالسند الحقيقي ليس من يصفق للإنسان في كل حال، وإنما من يصدقه، وينصحه، ويمنحه القوة لمواصلة الطريق.
وإذا قبلنا بأن للمرأة دورًا في صناعة الرجل، فمن المنطقي أن نسأل: أليس للرجل أيضًا دور في صناعة المرأة؟ قد يكون الأب هو أول من يكتشف موهبة ابنته، ويشجعها على التعليم، ويفتح أمامها أبوابًا كانت التقاليد الاجتماعية تغلقها. وقد يكون الزوج هو الشريك الذي يؤمن بطموحها، ويشاركها مسؤوليات الحياة، ويمنحها الوقت والمساحة لتحقيق ذاتها.
وفي كثير من المجالات العلمية والأدبية والسياسية، كان للمعلمين والأساتذة والموجهين دور مهم في اكتشاف مواهب النساء ودعمهن وتمكينهن من الوصول إلى النجاح. وهكذا لا يكون دعم الإنسان للإنسان مرتبطًا دائمًا بعلاقة عاطفية أو أسرية، بل قد يكون كلمة من معلم، أو نصيحة من صديق، أو موقفًا من شخص آمن بقدراتنا في لحظة لم نكن نؤمن فيها بأنفسنا.
وقد توحي هذه المقولة بأن الرجل العظيم لم يكن ليصبح عظيمًا لولا المرأة التي «تقف وراءه»، كما توحي المقولة المقابلة بأن المرأة العظيمة تحتاج إلى رجل يقف وراءها. والحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك. فالنجاح لا تصنعه علاقة واحدة، ولا شخص واحد، وإنما تتداخل في صناعته الإرادة والموهبة والعمل والظروف والفرص والتربية والبيئة والدعم الأسري والاجتماعي.
لذلك، قد تكون المرأة سببًا مهمًا في نجاح الرجل، وقد يكون الرجل سببًا مهمًا في نجاح المرأة، لكن لا يصح أن ننسب الإنجاز كله إلى الطرف الآخر، ولا أن ننكر دور صاحب الإنجاز في صناعة نفسه. فالإنسان يحتاج إلى من يدعمه، لكنه يحتاج أيضًا إلى إرادته وقدرته على تحويل الدعم إلى عمل وإنجاز.
في النهاية، ربما لا يكون السؤال الصحيح: هل «وراء كل رجل عظيم امرأة»؟ أو «وراء كل امرأة عظيمة رجل»؟ السؤال الأهم هو: هل يمكن للإنسان أن يبلغ أقصى إمكاناته دون أن يجد في طريقه من يؤمن به، ويشجعه، ويسنده؟
قد تكون تلك المرأة أمًا، أو زوجة، أو أختًا، أو حبيبة، وقد يكون ذلك الشخص أبًا، أو زوجًا، أو أخًا، أو معلمًا، أو صديقًا. فالإنسان يصنع نفسه بجهده وإرادته، لكنه لا يعيش ولا ينجح في فراغ. وفي حياة كل إنسان تقريبًا أشخاص تركوا أثرًا فيه؛ ربما لم يظهر اسمهم في قصة النجاح، لكن بصمتهم كانت حاضرة فيها.
لذلك، ربما تكون العبارة الأكثر إنصافًا أن نقول: لا يصنع الإنسان نجاحه الكبير وحده؛ فكثيرًا ما يكون في طريقه من آمن به، وسانده في لحظات الشك، وترك في مسيرته أثرًا بقي معه إلى النهاية.
لقد قامت الحياة منذ نشأتها الأولى على وجود المرأة والرجل جنبًا إلى جنب، فكلٌّ منهما يقف خلف الآخر، يدعمه ويسانده وفقًا للظروف والمواقف. فمرةً يكون الرجل خلف المرأة، ومرةً تكون المرأة خلف الرجل، في تبادلٍ للأدوار لا ينتقص من أحدهما، بل يعكس حقيقة التكامل بينهما.
ولذلك، فليست العبرة دائمًا في مَن يقف في المقدمة، وإنما في مَن يقف خلفه ويسانده حين يحتاج إليه. فخلف كل إنجاز عظيم قد تكون هناك يد لم تُرَ، وقلب شجّع، وكلمة منحت القوة، وتضحية لم يعرف بها أحد.وهكذا تستمر الحياة؛ فوراء كل عظيم امرأة، ووراء كل امرأة عظيمة رجل، وبينهما شراكة يصنعها الحب والدعم والتضحية.

665 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع