ثقافة تحت الإبط

د.سعد العبيدي

ثقافة تحت الإبط

سنحتفل بيوم اللغة العربية. لابد أن نحتفل بلسان لغتنا العربية. القرآن الكريم لغته عربية هكذا ترجم السيد نور الدين، المدير العام توجيهات الوزير لأعضاء اللجنة التي سيرأسها للاحتفال بهذا اليوم.
بدأ توزيع المهام، ومراجعة أسماء المدعوين والهدايا والكلمات واللوحات، استبعد لوحتين كانتا الأجود من بين اللوحات، لآراء أصحابهما التي لا تتماشى مع الوضع الجديد.
يأتي اليوم الموعود. تنتصب اللوحات على مساندها الخشبية في القاعة المجاورة، ويتوافد كبار الوزارة والمديرون والضيوف. يبدأ الاحتفال. يتقدم شعراء شعبيون بقصائد مديح قديمة غيّروا أسماء أصحابها وأبقوا المعاني صالحة لكل عهد.
يتحدث أحد الضيوف عن العربية، وَيُذكّر الحاضرين بأنها لغة أهل الجنة، فيعلو التصفيق كأن مجرد النطق بها يمنح صاحبه حق الدخول.
توزع الشهادات والهدايا ودروع التقدير وفقا لمعايير المعرفة بالوزير والمدير العام.
يبتلع رجل في الصف الثاني ريقه وهو يرى العلب تنتقل من يد إلى أخرى: نحن نحب المقامات... نجلّها في كل الأزمنة.
يخزره زميل نال هديته بنظرة تقول: لو وصلتك واحدة لما قلت هذا.
يقص الوزير الشريط الأحمر، وتنفتح قاعة المعرض. يتبعه الحضور. يقف الفنانون إلى جوار أعمالهم، يشرحون الخطوط والألوان، ويصغي الوزير، يثني، يبتسم، ويتصور.
يراقب المدير العام المتحلقين حول الوزير باستياء، ويميل نحو صاحبه، صبار:
- لم نتخلص من أمراض الأزمنة السابقة. الانتهازيون أنفسهم... يتدافعون على المسؤول.
يشير إلى أحدهم. يقف منتظرًا دوره لالتقاط صورة: انظر إليه.
ثم يرى آخر يتقدم، وثالثًا يتهيأ للصورة. يتململ. لا يحتمل أن يبقى جالسًا فيما التاريخ يُلتقط أمامه.
ينهض فجأة، يشق الصف، ويتقدم على المنتظرين، حتى يحشر نفسه إلى جوار الوزير. يبتسم للمصور، ثم يلوّح له ألا يتوقف. صورة أولى، وأخرى، وثالثة بوضعية مختلفة.
- إنها مناسبة لا تتكرر، يقولها للوزير الذي يرد بابتسامة عابرة.
يعود إلى مقعده منتشيًا. يحدث صبار عن وقع الصورة في توثيق التاريخ، وعن الذكريات التي تحفظ من النسيان. وبعد دقائق يستأنف ذمه للمتدافعين، ثم ينتقل إلى الفساد، وسقوط القيم. وأثناء الحديث تتحرك مجموعة من الحضور نحو المعرض. تتبعهم عيناه. ينهض مرة أخرى، صوب اللوحات هذه المرة.
يحاول الفنانون شرح أعمالهم، يحصل تدافع باتجاه لوحاتهم، تمتد بعض الأيدي إلى اللوحات، تُرفع عن مساندها، وتنتقل تحت الآباط. يتحول المعرض، في دقائق، من احتفاء بالفن إلى فرهود صامت، يمارسه رجال بربطات عنق أنيقة.
يشق المدير العام طريقه بين الذين كان قبل قليل يصفهم بالانتهازيين، ويعود بلوحتين؛ آية قرآنية وحديث نبوي، يضعهما أمامه، يمسح جبينه، وينظر باحتقار إلى المتدافعين الذين سبقوه إلى بقية اللوحات. يرى في فعلهم همجية، وفي لوحتيه غنيمة مشروعة؛ واحدة تليق بصالون بيته الجديد، والأخرى بمكتبه في الوزارة. ينهض حين ينهض الوزير، يحمل اللوحتين تحت ذراعه. يمضي في مقدمة رتل للمسؤولين يحمل كل منهم نصيبه، فيما يقف الفنانون أمام المساند الخالية، عاجزين حتى عن تسمية ما حدث.
يلحق به الفنان صاحب اللوحتين عند باب القاعة. يتردد قبل أن يخبره بأنهما معروضتان للبيع، وأن اسمه وسعر كل منهما مثبتان في الخلف. يتوقف. يقلب إحداهما، يقرأ الاسم والسعر، ثم يعيدها تحت ذراعه. يربت على كتف الفنان، ويهمس مزهوًا بأن عمله سيُعلّق في مكتب مسؤول كبير. يبقى الفنان عند الباب يتابعه وهو يبتعد بلوحتيه. يلتفت اليه فنان آخر في الجوار، يحمل مسندًا خشبيًا خلا مما كان عليه:
- لن أشترك في معرض تقيمه الوزارة مرة أخرى. يجيبه الآخر:
- وإن اشتركت سأشترط تسميته: معرض الفرهود التشكيلي.
***

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

969 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع