
الأستاذ الدكتور
صلاح رشيد الصالحي
انقلاب ١٤ تموز ١٩٥٨... من ذكريات طفولتي
تمر في حياة الإنسان، ولا سيما في طفولته، أحداث كثيرة، لكن الذاكرة لا تحتفظ منها إلا بما كان مؤثرًا واستثنائيًا، فتظل بعض المشاهد عالقة في الذهن، ترافق صاحبها طوال حياته. ومن بين تلك الذكريات التي لم تغادر ذاكرتي، أحداث 14 تموز 1958.
كنت يومها في التاسعة من عمري، وكعادة العراقيين آنذاك كنا ننام صيفًا فوق سطوح المنازل، إذ كانت درجات الحرارة أقل مما هي عليه اليوم، وكنت دائمًا آخر من يستيقظ صباحًا.
وفي ذلك الصباح، نزلت كعادتي إلى الطارمة الكبيرة الواقعة خلف الدار، المطلة على حديقة جميلة تضم أشجار النخيل والحمضيات، ويتوسطها بساط واسع من الحشيش الأخضر. وكانت والدتي، رحمها الله، قد هيأت الفطور، ففرشت غطاءً من القماش على أرضية الطارمة، ووضعت موقدًا نفطيًا صغيرًا ذا ثلاث مشاعل فوقه براد الشاي، ثم قدمت الخبز الأبيض الكبير، الذي كان سعر الرغيف الواحد أربعة فلوس، مع الجبن الأبيض والقيمر والدبس. وما زلت أستطيع أن أستحضر تفاصيل ذلك الصباح، وكأنها حدثت بالأمس.
وبينما كنت أتناول فطوري، عاد والدي من عمله في دائرة الأموال المجمدة، التي كان مقرها مقابل جامع الأزبك، بالقرب من وزارة الدفاع في باب المعظم. وكان، مثل معظم رجال ذلك الزمن، يرتدي بدلة داكنة وسدارة فيصلية سوداء. إلا أن ملامحه في ذلك اليوم لم تكن كما اعتدت أن أراها؛ فقد بدا عليه القلق والدهشة، وطلب على الفور إحضار المذياع. فوُضع على طاولة صغيرة، وجلس إلى جواره وهو ينصت باهتمام بالغ.
سألته والدتي: ماذا جرى؟
فأجاب: لقد حدث انقلاب على الملك، وقُتل الملك، والآن يُذاع البيان رقم واحد.
كنت أراقب المشهد بصمت، ولم أفهم لماذا تغيرت ملامح الكبار فجأة، ولا لماذا أصبح المذياع أهم شيء في البيت. وكل ما علق في ذاكرتي أنني سمعت عبارة: (باسم الشعب...) تتردد من المذياع، وأن ذلك الصباح لم يكن يشبه أي صباح عرفته من قبل.
مرت السنوات، وكبر ذلك الطفل، وأصبح ينظر إلى تلك الذكرى بعين المؤرخ لا بعين الصغير الذي كان يجهل ما يجري حوله. واليوم أدرك أن أحداث ذلك اليوم لم تكن معزولة عما كان يشهده العالم من صراع بين المعسكر الشيوعي، بقيادة الاتحاد السوفيتي، والمعسكر الرأسمالي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. وكانت الدول الصغيرة، ومنها العراق، إحدى ساحات ذلك الصراع، في ظل تنافس الأحزاب القومية المتأثرة بالرئيس جمال عبد الناصر، والبعثيين، والشيوعيين، بينما لم يكن للأحزاب الدينية آنذاك حضور مؤثر في ذلك المشهد السياسي.
أما السنوات التي أعقبت سقوط النظام الملكي، فقد اتسمت بالاضطراب وعدم الاستقرار. كنا نخرج من المدارس نهتف بسقوط الاستعمار، ونطالب بتحرير الجزائر وفلسطين، كما ارتفع سعر البنزين بإضافة فلس الى عملة العانة فاصبحت خمسة فلوس بعد أن كانت أربعة فلوس، وخرج الناس في تظاهرة يرددون: (عاش الزعيم اللي زيد العانة فلس).
ثم تعاقبت الانقلابات والصراعات، واستلم الجيش زمام السلطة، وأُقيمت محاكمات رجال النظام الملكي، وارتفعت الأسعار، وتزايد الانقسام السياسي، حتى وصل إلى داخل الأسرة العراقية، فأصبح الزوج ينتمي إلى حزب، وزوجته إلى حزب آخر.
ومنذ سقوط النظام الملكي وحتى يومنا هذا، لم يعرف العراق استقرارًا داخليًا حقيقيًا، وكأنه انزلق إلى هاوية عميقة ما زال يحاول الخروج منها.
وأستذكر هنا ما كتبه الصحفي الفلسطيني ناصر النشاشيبي في كتابه (ماذا جرى في الشرق الأوسط)، إذ وصف بدقة جانبًا من التحولات التي شهدتها المنطقة. ويبدو لي أن العراق، بعد انقلاب الجيش ومقتل العائلة المالكة وقيام النظام الجمهوري، لم يصبح دولة اشتراكية خالصة ولا رأسمالية خالصة، بل تحول، على حد التعبير الشعبي، إلى (أكلة دولمة)، اجتمع فيها كل شيء.
بغداد – 2026

648 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع