السياسة بين المنطق واللا منطق

جابر رسول الجابري

السياسة بين المنطق واللا منطق

المقدمة :

كلمة منطق يعود جذرها اللغوي لكلمة (النطق) وتعني باللغة العربية (الأفصاح و التعبير ) أو الإشارة لإيصال معلومة جدلية غير مُدركة سواء بواسطة استخدام أصوات أو حركات إيمائية أو رسوم تعبيرية أو رموز ،

لقد استخدم الله هذا المصطلح في القران الكريم عدة مرات منها :

(*قال بل فعله كبيرهم هذا فسالوهم ان كانوا ينطقون * ولدينا كتاب ينطق بالحق * يا ايها الناس عُلمنا منطق الطير * وما ينطق عن الهوى * ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون) لاحقاً تم استخدام مصطلح المنطق لمعنى آخر للإشارة إلى الواقعية والمعقولية ، وبات اللا منطق يعني غير المعقول أو غير الواقعي وغير الصائب ،

ثم تمدد معنى هذا المصطلح بعد نضوج الفكر الفلسفي العربي وخاصة عند بزوغ الفلسفة الفقهية زمن الدولة الإسلامية فبرز هذا المصطلح كمنهج فلسفي مهم ليشمل قدرة العقل وإمكانية وصوله لأعماق التفكير الباطني ،

لهذا أصبح معنى المنطق هو إستنتاج الحقائق الكامنة من بواطن الأعماق,

ثم تم وصف ذلك المنهج بأنه دراسة لإسلوب التفكير الصحيح وصولاً الى الحقيقة الغيبية ، ووضعوا له أبواب وقسموا منهجيته لنوعين

١- منهجية صورية تستخدم الثوابت العقلية والظواهر الطبيعية والعلمية لإثبات حقيقة حدث او كائن معين

أي كمن يستنتج حقيقة طبع وخواص مواد أو كائن معين من خلال النظر لصورته وتحليل مكوناته للتعرف على حقيقته ومسار سلوكه وكل ما يتعلق به ،

٢- منهجية غير صورية تستخدم الحجج والمناظرات والقياس لإثبات حقيقة كائن غير مدرك عجزت حواس الإنسان عن ادراك صورته ،

وذلك باستخدام مرآة فكرية لرسم صورة خيالية للكائن لدراسة وتحليل خواصه ومسار سلوكه وصولا إلى برهنة حقيقته.

الموضوع :

يعتبر الفضول و التساؤل والتفكير في الأسباب دائما مفتاح فك رموز أسرار هذا الكون اللامنتهي والذي يحتوي على ما لا نهاية من المجهول الذي لازال غامضا بالرغم من عراقة تاريخ وجود البشرية فيه لآلاف السنين ،

وبالرغم من أن المنطق واللا منطق هما مصطلحان فلسفيان متناقضان لكنهما يمتلكان أرضية مشتركة وإن أبسط تلك الأرضيات هي أنه لا يمكن الوصول إلى اللامنطق إلا بوجود المنطق ،

فهل يعني هذا ان بالامكان أن يتغير مفهوم المنطق

أو لربما يتغير مفهوم اللا منطق ؟

للحصول على جواب شافي لهذا السؤال لابد أن نتعمق بدراسة الجوانب المحيطة والأرضية المشتركة لكلا المصطلحين،

لكن دعنا نتساءل أولاً:

هل كل ما ندركه بحواسنا الخمسة هو حقيقة منطقية ثابتة أم أنه إنعكاس لمعلومات اكتسبناها من ذاكرتنا فبتنا نرى الأمر على أنه حقيقة واقعية منطقيه و وفق ما تنسجه لنا العقول ،

رؤيتي أن المنطق سواء الصوري الثابت أو الغير صوري أو اللامنطق كل ذلك عبارة عن حقائق نسبية قد تتعرض للتغيير بسبب اعتمادها على عوامل وظروف كانت السبب في نشوئها ،

فلذلك أن تغيير خواص ومسار تلك العوامل سيؤدي حتماً إلى تغيير واقعية المنطق لتجعله واقع وهمي لا منطقي ،

فمثلاً :

يمكننا أن نستنتج حقيقة منطقية ثابتة من خلال النظر للسماء بأن لونها هو اللون الأزرق لكن في حقيقتها هل هي كذلك ؟

لونها الحقيقي هو اللون الأسود الحالك أما سبب وجود اللون الأزرق فهو يعود كنتاج من تشتت و انعكاس الموجات الضوئية المنبعثة من الشمس التي لايمكن إدراكها بالعين المجردة فعند ارتطامها بذرات و جزيئات الغازات والأبخرة والغبار المكونة للغلاف الجوي المحيط بالكرة الأرضية ينتج عن ذلك اللون الأزرق ،

بينما كما ذكرنا حقيقة لون السماء خارج الغلاف الجوي هو ظلام دامس ، هذه الحقيقة لم يتم استنتاجها بمنهج المنطق الصوري او المنطق الغير صوري بل تمت معرفتها بوسائل العلم والتكنولوجيا المتطورة التي ساعدت العقل البشري للوصول الى الواقعية ،

قد يتغير لون السماء إلى غير ألوان إذا تغيرت مثلا زاويا الارتطام والانعكاس والتشظي لموجات الضوء الشمسي مما تسمح لموجات ضوئية بالظهور مثل الأشعة تحت الحمراء ، او قد يتغير اللون بسبب تغير كثافة الغازات وتركيزها ،

إذن هذا المنطق المدرك هو منطق نسبي ثابت لكن سبب ثباته ثبات العوامل والظروف المحيطة به والمؤثرة به .

ودعنا نأخذ مثال آخر

هناك فكرة خيالية منتشرة تظهر بين حين وآخر ألا وهي وجود مخلوقات فضائية متطورة علميا وحضارتها سابقة ومتفوقة على الحضارة البشرية ،

وتصنف هذه بأنها فلسفة منطقية غير صورية لأنها خارجة عن إدراك حواس البشر ،

وبما أنه لم يتم لحد الان العثور على تلك الكائنات او الحصول على آثار علمية تدل على وجودها حينها سيكون هذا النوع من التفكير باللا منطقي لأن العقل البشري عجز عن التوصل لوجود تلك الكائنات،

وبالمقابل سوف تتحول هذه الفرضية اللامنطقية إلى المنطقية إذا تم الاتصال بحضارة تلك الكائنات والتعرف عليها ،

نجد أن كلا المنهجيتين لا تحقق الوصول إلى الحقيقة الكاملة بل يبقى مصير المنطق واللامنطق متعلق بظروف وعوامل تصنع حقيقة الوجود وثباته أو من عدمه ،

كما وأن الإدراك والاستنتاج العقلي أيضا هو غير ثابت عند البشر فقد يتغير تبعاً للظروف والتجارب والمعلومات المكتسبة أو باكتشاف وسائل تكنولوجية أكثر تطوراً ليتكأ عليها العقل البشري بسبب محدودية ادراكه وبسبب إعتماده على الحواس للإدراك بينما نجد ان ما وراء الحواس لازال هناك فضاء غيبي واسع بلا نهاية،

المنطق السياسي الرشيد وعشوائية اللا منطق
السياسة منهج لادارة مؤسسات وأنظمة الدولة سواء لاتخاذ القرارات ولضبط علاقة الحاكم والمحكوم وكذلك من أجل تنظيم العلاقات الدولية الخارجية ،

والسياسي هو الحكيم المُفكر الذي يستنبط ويستنتج الطريق والسلوك الأصوب للحفاظ على عهدة الشعب ووجود الدولة وانظمتها ومؤسساتها وإستمرار منهجية الحكم ،

ضرب الله لنا مثلا في كتابه الحكيم عن رؤية وحكمة قيادة الشعب و بنفس الوقت فصل لنا قوة وحكمة رؤية الحاكم السياسي :

(قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر اليك فإنظري ماذا تأمرين )

عندها برزت حكمة الحاكم السياسي باتخاذ القرار الأصوب الأفضل

(قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون )

اعتمد الحاكم السياسي الحكمة السياسية الرشيدة بعد أن درس وتمعن بالنتيجة قبل اتخاذ القرار لأجل الحفاظ على وجود شعبه في حين ان المنطق كان يؤشر عنده بأنهم شعب ذو بأس شديد وأولو قوة يستطيعون القتال ومقاومة المحتل الأجنبي ،

في هذا الزمان عشنا أمثلة تختلف عن نهج منطق السياسة الحكيم والاعتماد على الرؤية العشوائية مثلما حدث عندما اتخذ القرار الراديكالي الفردي لحاكم العراق في ٢٠٠٣ بقتال حشود عسكرية ٣٧ دولة متطورة مدججة بأحداث الأسلحة بالرغم من تكرار نفس التجربة قبل ١٣ سنة عند احتلال الكويت والعناد عن التراجع عن هذه الهفوة القاتلة إضافة الى ان شعب العراق كان ذو ضعف شديد ومنهك من الحروب و لا يملك ابسط معدات القتال نتيجة الحصار والدمار الذي لحق به ،

و أيضاً تتكرر نفس التجربة حاليا عند نظام الحكم في إيران وهو يتبع عقلية القرار الراديكالي العشوائي الذي يعتمد على ردة الفعل و الذي يجهل معنى السياسة فينقاد لرؤية نابعة عن رغبة عاطفية ،

بينما ضرب لنا القران سيرة الحاكم الذي قرأ واستنتج فاختار حكمة المنطق السياسي على الرغبة والطموح ،

لا يوجد في السياسة مسار منطقي أو مسار لا منطقي لأن السياسة هي سلوك يتم تقييم نتيجته عن طريق المنطق في حين أن فشل السلوك السياسي يعتبر سلوك لا منطقي .

منطق السياسة( السياسة الرشيدة)
*الاستناد إلى دراسة وتحليل الأسباب وظروف نشوءها وكيفية معالجتها من أجل رسم نتيجة امينة وبمشاركة الجهد الجمعي بدلا من الاستناد للقرارات الفردية و العشوائية وردات الفعل،

*التفاوض والمناقشة لحل النزاعات:

يعتمد الديبلوماسيون والسياسيون على الحجج والعوامل المنطقية لإقناع الاطراف الاخرى لتحقيق المكاسب والمصالح المشتركة التي تخدم سياسة الدولة والمجتمع

*التخطيط الاستراتيجي المسبق

وهذا يتطلب دراسة الموارد المتوفرة وكيفية تطويعها واستثمارها لاجل بناء عضد الدولة وعمود الحضارة الشعبية وهذا يتطلب وجود الاستدلال المنطقي لتوقع الأزمات والانحرافات في المفاوضات لاجل تجنبها

• التحديات التي تواجه المنطق السياسي

*تأثير العاطفة وميل النفس إلى ما يعتقد به السياسي في الدراسة والتخطيط والقرار

*المصالح الشخصية وطغيانها على القرار السياسي

*المغالطات المنطقية التي تلجأ لها الاحزاب لإثبات ان افكارها وسلوكها السياسي هو الأصح بدلا من مناقشة حزمة الأفكار الافتراضية والمقترحات من اجل الخروج بفكرة شاملة .

*المحاصصة وأثرها على إلغاء وجود المنطق السياسي والحكم الرشيد

* تفتيت اللحمة الوطنية وجعل الشعب طوائف وملل و نحل يؤدي إلى تفكك الدولة وانهيارها بسبب سهولة اختراق قواعد أنظمة الحكم ومناهجه

الخلاصة :
السياسة في جوهرها سلوك ومنهج في حين ان المنطق هو الأداة الفكرية التي تؤدي إلى كشف اخطاء المسار السياسي وتصويب ومعالجة المعضلات التي تعترض المنهج السياسي

إذاً يمكن القول بأن الحكمة هي القيادة الرشيدة لسياسة الدولة ،

السؤال المستحدث من هذا التلخيص

هل في العراق مثلا منذ القرن الماضي إلى حاضرنا قد تم اعتماد الحكمة والمنطقية في اختيار السياسي الحاكم الذي يقود الشعب إلى بر الأمان او الرسو على شاطيء الحضارة أم هل كان للشعب حضوة او حضور في اختيار ذلك الحاكم ،

كيف لبلد أن يقوم و فيه السياسي من بيئة حزبية توافقية و محاصصة بلا انتماء وطني بل انتماء لفكر حزب فاسد مجرم لا علاقة له بالحكمة السياسية ،

في كل مرة تُعاد نفس التجربة فيتم اختيار الحاكم من نفس البيئة المجربة تحت منهجية شعار وهمي

( المجرب لا يجرب)

مجموعة احزاب دينية ترتدي حلة ديمقراطية مزيفة شاركت بتدمير بنية الشعب ونهبت ثرواته لعقود وفي كل مرة يرفعون شعار

(ما نحن إلا مصلحون) وإن هم إلا زمرة لصوص مجرمون تحاصصوا على اقتسام الغنيمة الحرام ،

فمتى سيولد السياسي الحكيم الذي يستطيع أن يدير مسار الدولة لمصلحة الشعب والوطن وباتجاه الصواب السياسي والحكم الرشيد .

_______

المملكة المتحدة

الثلاثون من أيار عام 2026

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

720 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع