د. منار الشوربجي
حين صار ترامب عبئًا على حزبه!
الفوضى التى تخلفها وراءها سياسات إدارة ترامب تطال الداخل الأمريكى كما تطال العالم، إن لم تكن أكثر وطأة. وهى فوضى ليست عشوائية. فهى عمدية فى الداخل هدفها إغراق المواطنين بكم هائل من الأنباء والتصريحات بحيث يستحيل عليهم متابعتها جميعا والتصدى لها. وذلك، بالمناسبة، واحد من التكتيكات المعروفة للنظم الشمولية. لكن القصف المنظم للعقول يؤدى دون قصد لنتائج ليست بالحسبان. فها هى تعيد ترتيب التحالفات السياسية التى طالما اعتمد عليها حزب الرئيس للفوز فى الانتخابات الفيدرالية والمحلية!.
فما تفعله إدارة ترامب عبر نشر قوات الهجرة بالمدن يمس بشكل مباشر الاصطفاف الحزبى فى قضية العلاقة بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات. فمنذ الستينيات على الأقل، عندما ألغى الفصل العنصرى وأرسيت المساواة الاجتماعية قانونا على الأقل، بات اليمين هو التيار الذى يسعى لتحجيم دور الحكومة الفيدرالية لأنها هى التى أرست تلك المنظومة وحمتها، ويطالب بسلطات واسعة لحكومات الولايات، لأنها التى تتفنن فى التراجع عن تلك المكتسبات. أما التياران الليبرالى والتقدمى، فظلا المدافعين عن دور الحكومة الفيدرالية، إذ وجدا فيها الملاذ لتحقيق مساواة أوسع وإرساء برامج دولة الرفاهية التى لا يمكن لحكومات الولايات التملص منها. ومنذئذ، صار شعار «دور أكبر للولايات» هو اللغة الشفرية التى يستخدمها الجمهوريون، بمن فيهم ترامب نفسه، لمخاطبة جماهيرهم دون الإفصاح عن مكنونات عنصرية صريحة. ولعقود طويلة، كانت الأجيال الجديدة فى اليمين تُنشأ فى بيئة مشبعة بنزع الثقة عن الحكومة الفيدرالية ومناصبتها العداء.
لكن ما إن وصل ترامب للسلطة مجددا حتى راح يسعى لتنفيذ تعهده الانتخابى بوقف الهجرة بالمطلق، والذى لا يخلو من عنصرية بالمناسبة، لأن المهاجرين يأتون اليوم من دول الجنوب. وهو استخدم صلاحياته على رأس الحكومة «الفيدرالية» لتنفيذ التعهد، فأطلق يد السلطات الفيدرالية وعلى رأسها قوات الهجرة، فأمر بنشرها، دون موافقة السلطات المحلية، حتى بالمدن التى لا تقع على الحدود أصلا. والقوات تمادت، بدعم كامل وعلنى من الإدارة، فى استخدام العنف المفرط ضد المواطنين والمهاجرين الشرعيين، لا فقط الذين أتوا بطرق غير الشرعية. فكانت المفارقة أن صار المدافعون عن المهاجرين، أى الليبراليين والتقدميين، فى طليعة الذين يتصدون لقوات الهجرة «الفيدرالية» ويطالبون بخروجها من مدنهم. وغدا حكام الولايات الليبراليون يصفون القوات الفيدرالية «بالغزاة» الذين يقتحمون مدنهم دون سند قانونى لأن أحدا لم يطلب وجودهم ولا وافق عليه!، ومع تزايد العنف الذى أدى لمقتل مواطنين من البيض، لا المهاجرين من غير البيض، لحق بكل هؤلاء الكثيرون ممن انتموا لليمين التقليدى الأقل تطرفا، فضلا عن المستقلين حزبيا. بعبارة أخرى: فقد الجمهوريون سردية «حكم الولايات» التى كانت ورقة رابحة لتعبئة أنصارهم فى الانتخابات، بل أدى استخدام ترامب للقوات «الفيدرالية» لارتباك فكرى وأيديولوجى لدى الكثيرين ممن يصطفون على يمين الساحة، خصوصا الشباب.
أكثر من ذلك، فقضية الهجرة، التى ظلت لعقدين على الأقل قضية انتخابية رابحة للجمهوريين فى الانتخابات، حوّلها ترامب لعبء على الحزب الجمهورى. فاستطلاعات الرأى تشير إلى أن الأغلبية تثق اليوم فى مشروعات الديمقراطيين، لا الجمهوريين، «لإصلاح» نظام الهجرة لا إلغائها. والأمريكيون من أصل لاتينى، المحافظون اجتماعيا واقتصاديا، الذين حسمت أصواتهم انتخابات ٢٠٢٤ فى بعض الدوائر المتأرجحة وجدوا أنفسهم فى خطر الخطف والاعتقال من جانب سلطات الهجرة التى تلاحق الناس فى الشوارع بناء على لون البشرة لا بالضرورة الكشف عن أوراق الهجرة أو المواطنة!.
باختصار، صار ترامب مسؤولا عن مآزق مستقبلية سيعانى منها حزبه!.

1363 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع