( رحلات) ….وثيقة رصد بالقلم والعدسة

محمد حسين الداغستاني
أنقرة


( رحلات) ….وثيقة رصد بالقلم والعدسة

ربما يتجاوز هاجس السفر إلى خارج الأوطان تلك الدوافع الخفية التي تستعر في النفوس كتوق التغيير ، والإنعتاق من طوق الرتابة في الحياة اليومية ، إلى أبعد من الذات في محاولة لتعميق المعرفة لما في حولنا من خلال الاطلاع على أحوال وثقافات الشعوب والتعرف على معالم اوطانها وتأريخها وحياتها الإجتماعية . بل وقد يكون سحر الجغرافية الغامضة كما كان في السابق باعثاً للفضول المتأصل في نفوس الرحالة والمستكشفين ، وعامل جذب آسر يبرر مجابهة التحديات والمخاطر مثلما فعل الأولون من أمثال ابن بطوطة وماركو بولو وماجلان وكريستوفر كولومبس وهيرودوت وغيرهم .

واليوم يتقاطرالمسافرون من مختلف الأعمار عبر المطارات ومحطات السكك والوسائط البرية والبحرية للسفر سواء للإطلاع أوالترفيه أو البحث عن فرص العيش الكريم أو التخلص من تداعيات النزاعات أو ظلم السلطات الحاكمة ، وهذه الرحلات ستضيف بلا شك الكثير من التجارب والمعارف والخبرات إلى مخزون المسافر ، ويأتي كتاب (رحلات) لمؤلفه المصور الفوتوغرافي والأديب رضوان رضا شيخلر من منشورات الزمن في كركوك والمطبوع في مطابع طهران في سياق تعميق المعرفة والإطلاع الميداني المباشر على أحوال الناس وعاداتهم وثقافاتهم وطبائع مجتمعاتهم والمقارنة بينها وبين السائد في مجتمعنا .

بدأ المؤلف رحلاته منطلقاً من كركوك الى عدد من بلدان أوروبا وكذلك الى تركيا بشطريها الأوروبي والآسيوي، وإلى جنوب شرق آسيا (تايلاند) وإيران، ثم من سوريا الى السعودية معتمراً إلى بيت الله الحرام ، ليعود إلى سوريا. وخلال رحلاته تلك كتب وصوّر ووثق عشرات المحادثات والمشاهدات والإنطباعات بل وألحق بكتابه ملفاً للصور الفوتوغرافية المميزة التي التقطها والتي اسهمت في تعزيز محتوى الكتاب عبر تسليط الضوء على طبيعة الواقع الحضاري والإنساني للمجتمعات التي زارها .

يستهل شيخلر رحلاته بواحدة من أجرأها إذ بادر الى السفر الى ميونخ في المانيا في العام 1978م وهو لايزال طالبا في المعهد الزراعي الفني في (أبو غريب) وقد جمع ثلثمائة دولار من عمله في الاستديو الذي أسسه للتصوير الفوتوغرافي في المعهد مع نفحة ابوية بمقدار مائة وخمسون دولارا دفع منها اربعون الف دينار عن قيمة تذكرة السفر على طائرة تابعة للخطوط الجوية العراقية وهناك استقر في شقة صديق عراقي ليشرع بجولاته فوجدها ( مدينة كبيرة وشوارعها عريضة وبناياتها مزخرفة ، وفي كل شارع مكان مريح للجلوس إزاء نافورات مائية وعلى جانبيه مطاعم وكازينوهات واماكن ترفيهية تضفي على المدينة الحيوية ) . وصدم في زيارته لمتحف ميونخ إذ وجد ترحيبا بالغا به من قبل العاملين فيه بعدما علموا انه من العراق وذلك لإن إحدى قاعاته كانت تضم الاثار البابلية القديمة فشعر بالحزن لأن الغرب يحتفظ بكل تلك النفائس المهربة . كما ولاحظ بحزن مدى التزام الشباب بالنظام والهدوء والاحترام عند حضوره لحفلة موسيقية بالمقارنة مع حفلات الشباب العراقيين التي ( تبدأ غالباً بالهرج والمرج وتنتهي بالمشاكل ) بعدها شد الرحال الى تركيا مرورا بهنغاريا وبلغاريا . وعلى متن قطار بدأت رحلة العودة الى حيث أقام في اسطنبول فترة سجل خلالها العديد من الحوادث والانطباعات ليعود الى بغداد بحافلة كان سعر بطاقتها آنذاك عشرة دنانير !

رحلته الثانية الى تركيا في العام 2006 م وكان في العقد الخامس من عمره آنذاك وكان بقصد الاطلاع على احدث ماكنات التصوير وشراء مستلزمات معمله ومختبره للتصوير في كركوك وهناك صادف تجارا يجيدون التعامل مع العملاء إذ كانوا يقومون بتوفير وسائل النقل له للانتقال بين المحتبرات والمعامل بل ورافقه احد اصحاب المعامل بالطائرة الى محافظة سيواس في وسط تركيا ليتجول معه في معامله هناك وحجز له فندقا فاخرا ووفر له سائقا يرافقه مع علمه أنه لن يشتري من معمله لعدم توافق المواد المصنعة مع احتياجاته في العراق .

في رحلته الى تايلند اقنعه صديق بالسفر مع مجموعة سياحية استقلت طائرة تضم 550 مسافرا ابتداءً من اربيل ثم البحرين وانتهاءً بمطار بانكوك ولاحظ بأن المجتمع التايلندي نسائي بإمتياز سواء في الشارع أو المطاعم أو المجمعات الترفيهية أو المسارح وحتى سائقات سيارات الأجرة الفارهة والحديثة فسأل عن الظاهرة فأجيب أن طوال القامة من الرجال يخدمون في الجيش الامريكي فيما يهاجر البقية الى بلدان اخرى للعمل . وفي خضم المباني الشاهقة تناول عشائه مع مئات العوائل في برج في ارقى مناطق بانكوك حيث يحتل المطعم طابقه الخامس والتسعون من المبنى وكلفة الوجبة الفاخرة فيه حوالى 15 الف دينار عراقي فقط لكنه وهو في طريق عودته الى الوطن علق في ذهنه قول سائحة أمريكية مسنة إلتقاها بالصدفة في مدينة بتايا السياحية إذ قالت له (عليكم أن تتعلموا وتفكروا بمستقبل بلدكم العراق فلديكم الحرية بعد زوال الدكتاتور لكن تنقصكم ثقافة الديمقراطية وتفهم الآخر برحابة صدر !)

في إيران استقطبت الأسواق والحدائق العامة وبساطة الناس إهتمام المؤلف في سفرة له مع وفد من كركوك ضم عددا من الشخصيات الاكاديمية والأدبية الى مدينة تبريز تلقوا دعوة رسمية لحضور المعرض الدولي التاسع عشر للكتاب وكانت مكتبة تبريز واحدة من المعالم المهمة فيها فهي في الواقع صرح معماري بارز يتألف من عدد كبير من المباني والقاعات والاجنحة الادارية بحيث يجد الباحث والدارس فيها مبتغاه من المصادر والكتب الحديثة والنشرات وفق التقنيات المعلوماتية الحديثة والمدهش ما صرح به مديرها وهو دكتور في اختصاصه إن مكتبات تبريز تستقبل اكثر من 660 الف قارئ ! كما ان المكتبة تضم قاعة مغلقة بنظام القاصة ( لا تفتح الا بتوقيع رسمي لما تحويه من إرث ثقافي من الكتب التي تعود الى مئات السنين وفيها ايضا عدد من نسخ القران الكريم القديمة مكتوبة بخط اليد ) . اما متحف جامعة تبريز فهو الآخر معلم حضاري وحديث يحتوي على منحوتات تماثيل كبار شعراء وادباء تبريز في دلالة واضحة لتقدير عطائهم وإبداعهم الانساني .

وقد لا يكون من الضروري الاشارة الى سفرتيه الى سوريا كونها صادفتا قبل التغييرفي أواخر العام 2024 م ، فالفقر والتضخم وانهيار العملة بل وحتى الخوف في التنقل عبر المدن فضلا عن تداعيات سوء الوضع الأمني كانت سماتهما الا أن صبر الناس ومحاولة التكيف مع الوضع كانت السمة الابرز . لقد دون خلال تناوله الغداء في أحد المطاعم العراقية الراقية في العاصمة دمشق العدد اللافت من عاملات الخدمة السوريات اللواتي تعمل الواحدة منهن بأجر شهري يعادل 12 دولارا فيما قيمة وجبة الكباب بلغت ستة دولارات اي ما يعادل اجر نصف شهر العاملة كما كان الأجر الشهري لرئيس الطباخين ما يعادل 20 دولارا ! ولكن بالرغم من الظروف المعاشية الصعبة وندرة البنزين فقد لاحظ المؤلف (الاعداد الكبيرة من السيارات كما وجد معظم الشوارع والممرات مشجرة ومرتبة ونظيفة كما ان المقرات العسكرية كانت تشغل المباني التأريخية القديمة وفي مواقع مهمة من العاصمة) .

وفي زيارة للمؤلف يصف سوق الحميدية بأنه ( كبيرومدهش حقا ويعتبر من اشهر اسواق دمشق وربما الشرق على الاطلاق وذلك حسب رأي المؤرخين ، والسوق فسيح رائع البناء وهو بمثابة مدينة تجارية وصناعية في قلب دمشق ، وحسب وصف الباحثين فإنه درّة الأسواق وأجملها ومغطى بالكامل بسقف حديدي مليء بالثقوب الصغيرة التي تنفذ منها أشعة الشمس اثناء النهار وأرضيته مبلطة بالحجر . ويحتوي الكثير من المعروضات المدهشة القديمة والحديثة وعندما تدخل السوق وتتجول في أرجائه تحس نفسك انك تعيش في القرون السابقة.ويتوفر في هذا السوق كل ما يحتاجه الزبون الدمشقي والسائح والزائر من ألبسة وإحتياجات البيت المختلفة والهدايا الكثيرة والعطور ومن مناشئ مختلفة ) .

رحلات .. كتاب حافل بالمشاهدات والانطباعات والوقائع والتعريف بثقافات الشعوب التي شملها السفر وهو يحتل بلا شك مكانته بإقتدار في أدب الرحلات إلا أن على المؤلف أن يعتني في الطبعة القادمة بالمراجعة اللغوية ، وتغيير سمك الحرف المطبوع ، وإضافة التواريخ الى الرحلات لكي تتم الفائدة المتوخاة منه .

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1308 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع