
كريم الطرفة
كَفَرْتُ بِمَا يَعْبُدُونَ
كَفَرْتُ بِمَا يَعْبُدُونَ مِنَ الوَهْمِ، إذْ
رأيتُ عُقولَ الرجالِ لها مَحرابُ
وما سجدتْ مهجتي لوجهِ زعيمٍ
ولا زيَّنتْ لي المذلّةَ ألقابُ
إذا صَفَّقَ القومُ حولَ السرابِ
وقفتُ، وقالَ لسانِي: كَذّابُ
أُحِبُّ الحقيقةَ، إنْ أحرقتْني،
ففي النارِ أحيانَ يُولدُ صوابُ
وما المجدُ أن تستميلَ الجموعَ
ولكنْ بأن لا يبيعَكَ أصحابُ
رأيتُ الذي يلعنُ الظلمَ سرًّا
فإنْ مسَّهُ صارَ للظلمِ بابُ
ورأيتُ شيوخَ الفضائلِ قومًا
إذا جاءَهم درهمٌ غابَ عتابُ
يُحَرِّمونَ على الناسِ ما يشتهونَ
فإنْ اشتهَوا الشيءَ قالوا: يُباحُ
وكم واعظٍ فوقَ منبرِهِ أسدٌ
وفي مجلسِ السلطانِ هرٌّ يُهابُ
وكم حاملٍ رايةَ الحقِّ يومًا
فلمّا أتى الامتحانُ استدارَ وغابُ
أنا لا أقدّسُ إلا الحقيقةَ، إنْ
سارتْ وحيدةً، وليسَ لها أتباعُ
ولا أرفعُ الإنسانَ فوقَ مقامٍ
أقامَتهُ حولَهُ ألفُ كِتابِ
فكم من عظيمٍ بأعينِ قومٍ
غدا بعدَ موتِه في الترابِ يُعابُ
وكم من صغيرٍ تجاهلَهُ الناسُ
حتى إذا ماتَ صارَ لهُ ألفُ بابُ
تُبدّلُكم ريحُ سلطانِ يومٍ
فإنْ مالَ مالَتْ بكمْ ألفُ رقابِ
تُصفّقُ للفاتحِ المستبدِّ
ثم تبكي إذا أُغلقتْ فيكمُ الأبوابُ
كأنَّ الكرامةَ ثوبٌ يُعارُ
إذا كانَ صاحبُهُ ذا حسابِ
أنا ابنُ السؤالِ، فلا تسألوني
لماذا أُثيرُ على الصمتِ نارَ الجوابِ
فإنْ كانَ فكري يزعجُ قومًا
فما ذنبيَ أنَّ الحقيقةَ تُرعِبُ أربابَ
سأمضي، وإنْ كثُرَ الساخرونَ
فليسَ الطريقُ الطويلُ يُهابُ
وما ضرَّ نجمَ السماءِ نباحٌ
إذا كانَ تحتَ النجومِ ذئابُ
أنا لا أريدُ رضا ألفِ شخصٍ
إذا كانَ ثمنُ الرضا أن أُصابُ
أريدُ قصيدةَ صدقٍ، ولو أنَّ
حروفَ الصدقِ في أفواهِهم عذابُ
فإنْ متُّ، لا تنصبوا لي تمثالَ مجدٍ
فما المجدُ تمثالُ حجرٍ يُذابُ
ولكنْ قولوا: هنا مرَّ رجلٌ
أبى أن يُباعَ، وكانَ لهُ كتابُ
كفرتُ بما يعبدونَ من المجدِ الزائفِ،
ومن كلِّ وهمٍ لهُ في القلوبِ انتصابُ
وآمنتُ أنَّ أعزَّ انتصارٍ
بأنْ يبقى المرءُ حرًّا، وإنْ خانَهُ الأصحابُ

2422 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع