
العربي الجديد:يمثل تعيين القائد العام الأسبق للحرس الثوري محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، يوم أمس الأحد، تطوراً لافتاً يحمل دلالات خاصة على صعيد إدارة الملفات الأمنية والسياسية في طهران، متجاوزاً حدود التغيير الإداري التقليدي؛ لا سيما أن هذه الخطوة التي اتخذها الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان جاءت عقب تعيين رضائي ممثلاً شخصياً للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي في المجلس.
وجاء التعيين في أعقاب استقالة محمد باقر ذو القدر، الذي تولى أمانة المجلس قبل أربعة أشهر فقط، لينتقل بعدها إلى منصب المستشار السياسي للمرشد، وهي الولاية الأقصر مقارنة بجميع الأمناء السابقين، ما يثير تساؤلات حول أسباب هذا التعديل السريع وخلفياته في هذا التوقيت المصيري الذي يمر به البلد. ويأتي هذا التطور وسط تقارير تشير إلى تباين في وجهات النظر بين صنّاع القرار الإيرانيين بشأن إدارة المرحلة الراهنة، بما في ذلك ملفات الحرب والمفاوضات، فضلاً عن أنباء بشأن خلافات حول تغيير أمين المجلس، وحديث عن تحفظ الرئيس بزشكيان على تعيين رضائي في هذا المنصب.
ويضم المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، المناط به دستورياً رسم السياسات العليا للبلاد، والذي يترأسه الرئيس الإيراني، ثلاثة عشر عضواً، وللمرشد فيه مندوبان؛ هما حالياً سعيد جليلي ومحسن رضائي بعد تعيينه أمس الأحد. ويُعيَّن أمين مجلس الأمن القومي الإيراني بموجب مرسوم صادر عن رئيس الجمهورية، الذي يتولى رئاسة المجلس، ويضطلع بمسؤولية إدارة الأمانة العامة، والإشراف على التنفيذ السليم لقرارات المجلس ومصادقاته، إلى جانب إدارة شؤونه الإدارية والتنفيذية. وعلى الرغم من أن الأمين لا يتمتع بحق التصويت بصفته هذه، إلا أنه جرت العادة على أن يقوم المرشد الإيراني بتعيين أمين المجلس ممثلاً له فيه، وبذلك يكتسب حق التصويت.
جمع بين صفتين
يقول الخبير الإيراني حميد آصفي، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن هذا التعيين يتجاوز الإطار الإداري المعتاد، إذ يجمع رضائي بين صفتي تمثيل المرشد وإدارة أمانة المجلس، ما يربط بين توجيهات القيادة العليا والآليات التنفيذية لعمليات التنسيق والمتابعة داخل أروقة المجلس. ويضيف آصفي أن هذا التطور يشير إلى تعزيز ثقل الشخصيات ذات الخلفية العسكرية والأمنية في دوائر صنع القرار الإيراني، وذلك بالنظر إلى السجل الطويل لرضائي في قيادة الحرس الثوري. ويشير إلى أن وجود رضائي إلى جانب سعيد جليلي، بصفتهما ممثلين للمرشد، يخلق توازناً جديداً بين نوعين من الرصيد: الأول دبلوماسي أيديولوجي يمثّله جليلي، والثاني عسكري تنظيمي يمثله رضائي، ما يعكس استراتيجية مركّبة في إدارة ملفات الأمن القومي.
ويؤكد الخبير الإيراني ضرورة عدم استباق الأحداث باعتبار هذه الخطوة مركزاً جديداً للسلطة أو تهميشاً لدور الرئيس مسعود بزشكيان أو رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، موضحاً أن التقييم الدقيق يتوقف على أداء المجلس في الملفات الكبرى، وتأثير رضائي الفعلي على جدول الأعمال. ويوضح أن المرحلة المقبلة ستحدّد ما إذا كان هذا التعيين جزءاً من إعادة توزيع مهام روتينية داخل هيكلية النظام، أم مؤشراً على تحول جذري في توازنات صنع القرار الأمني في إيران.
سياقات تعيين محسن رضائي
وتستمد هذه الخطوة أهميتها من توقيتها الحرج في خضم تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة وتهديداتها المستمرة، وتوقف عجلة الدبلوماسية، إلى جانب الترقب السائد بشأن المباحثات مع سلطنة عمان حول مضيق هرمز، وما يترتب عن ذلك من خلافات في وجهات النظر بين القادة الإيرانيين حول إدارة المرحلة، ما انعكس منذ أسابيع في خلاف حول تغيير ذو القدر واستبداله برضائي، وسط أنباء عن تحفظ الرئيس الإيراني على ذلك، ما دفع أوساطاً محافظة متشددة إلى اتهام بزشكيان بالتباطؤ في الاستجابة لرغبة المرشد.
وفي هذا السياق، أشار بزشكيان، السبت الماضي، عقب اختتام مؤتمر صحافي، وأثناء التقاط صورة تذكارية مع الصحافيين، رداً على استفسارهم حول استقالة محمد باقر ذوالقدر من أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، إلى أن "هناك مجموعة من الخلافات المطروحة، ونحن نعمل على معالجتها وتجاوزها".
وبدا لافتاً أن تسمية المرشد رضائي مندوباً له في مجلس الأمن القومي قد حسمت ذلك، فأصدر بزشكيان فوراً قراراً بتعيين رضائي أميناً للمجلس، وهي خطوة رأى فيها البرلماني المحافظ أمير حسين ثابت مؤشراً كشف عما وصفه بمقاومة بزشكيان الطويلة لرغبة القيادة في إزاحة ذو القدر. وأضاف ثابت، مساء أمس الأحد، في منشور عبر قناته على منصة "تليغرام"، أن الرأي العام لم يعد ينخدع بالحديث عن التنسيق التام مع المرشد، متهماً الرئيس الإيراني والمحيطين به بانتهاج سياسات تتعارض مع توجهات القيادة، مع السعي لإلقاء المسؤولية عليها علناً، ودعا الرئيس إلى تغيير نهجه، محذراً من أن العمل في مسار القيادة لا يتحقق بالكلمات، وأن الشارع سيدفعه إلى التغيير إن لم يبادر به بنفسه.
لا خلاف هيكلياً
غير أن الخبير الإيراني المحافظ هاتف صالحي يرى أن الحديث عن وجود مقاومة أو ممانعة من رئيس البلاد لتغيير أمين المجلس لا يستهدف بزشكيان شخصياً، بل يتوجه بالأساس نحو المحيطين به ومستشاريه. ويشير إلى أن بزشكيان أكد مراراً التزامه الكامل، "عقائدياً وعملياً"، بتوجيهات المرشد الإيراني، وعدم اتخاذ أي خطوة تتعارض معها. ويصف صالحي الروايات التي تتحدث عن المقاومة أو الخلافات بأنها "فبركات تهدف إلى خلق انقسام مصطنع بين أركان الدولة"، معتبراً أن ترويج مثل هذه الأنباء يندرج ضمن مساعي الأطراف الخارجية لتقويض التماسك الداخلي، وإرسال رسائل انقسام إلى الخارج، بينما يواصل الرئيس الإيراني، حسب قوله، إدارة القرارات في المجلس في إطار موافقة المرشد.
ويؤكد، في حديثه مع "العربي الجديد" أن التغييرات في أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي جرت بالكامل في إطار صلاحيات المرشد الإيراني ورئيس البلاد بصفته رئيساً للمجلس، مضيفاً أن وجود تباين في وجهات النظر "يُعدّ أمراً طبيعياً" في عملية الحكم، ويرتبط بكيفية حماية المصالح الوطنية وحقوق الشعب ومبادئ المقاومة في مسار التفاوض، وليس بخلافات شخصية. ويوضح أن التفاوض مع الولايات المتحدة يمثل مسألة تكتيكية وليس استراتيجية، وهو ما يجعله موضع نقاش بين المسؤولين البارزين، مؤكداً وجود وحدة كاملة في الرؤية والعمل بشأن الاستراتيجية الكبرى لمواجهة الأعداء.
ويوضح صالحي أن هذه التعديلات تهدف إلى تسريع الأداء، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية والدبلوماسية، وضمان اتخاذ قرارات حازمة في ظل الظروف الحساسة التي تمر بها البلاد، مشيراً إلى أن تجربة الحرب الأخيرة أظهرت حاجة الأمانة العامة إلى مرونة أكبر، ما يجعل هذه التعيينات مؤشراً على استشراف النظام للمستقبل لمواجهة التهديدات المستجدة، وليس دليلاً على وجود خلاف هيكلي، على حدّ تعبيره.
تسريع عملية اتخاذ القرار
إلى ذلك، وفي سياق قراءته لتعيين محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي، يقول الخبير الإيراني علي قلهكي، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن المجلس كان بحاجة إلى مزيد من الخبرة، وحركة أكبر، ومرجعية أقوى، ودماء جديدة. ويضيف أن تغيير أمين المجلس بعد أربعة أشهر فقط من تعيينه قد لا يكون موضع ترحيب لدى النخب، "لكنه كان ضرورياً"، مشيراً إلى أن التغيير جاء في ضوء "المعرفة الدقيقة" التي يمتلكها مجتبى خامنئي باللواء رضائي.
ويضيف قلهكي أن تصريحات بزشكيان، السبت، بشأن وجود خلافات حول أمانة المجلس، إلى جانب تأخر الإعلان الرسمي عن التغيير أسابيع مقارنة بتسريبات المصادر الرسمية، تشير إلى وجود "خلافات جدية" في وجهات النظر. ويتابع أن المهمة الأساسية للمجلس خلال الفترة الأخيرة تركزت على ملفات الحرب والمفاوضات والمجال الإعلامي. ويوضح أن محمد باقر ذو القدر يُعد، بطبيعة الحال، "تلميذاً للواء رضائي في مجال الحرب"، مضيفاً أن المجلس، في ملف المفاوضات، وصل إلى "حالة من المماطلة في اتخاذ القرار"، أو إلى "عدم اتخاذ القرار"، وفق قراءة أكثر تشاؤماً، حيث استدعى ذلك، حسب قوله، قدراً أكبر من الحيوية والسرعة. ويشير الخبير الإيراني إلى أن ذو القدر لم يكن يتمتع بعلاقة جيدة مع وسائل الإعلام، معتبراً ذلك "نقطة ضعف جوهرية".
إيران نحو تشدد أكبر في المفاوضات؟
ويرى الخبير الإيراني أن التغيير في أمانة المجلس يعكس موقفاً أكثر تشدداً لطهران في المفاوضات، لافتاً، في السياق، إلى أن مخزونات الصواريخ الدفاعية لدى دول المنطقة والولايات المتحدة وإسرائيل "تعرضت لأضرار كبيرة"، وأن إيران "تتمتع بيد أعلى" في بعض المحاور العسكرية، ولذلك فمن الطبيعي أن تطالب بمكاسب أكبر. ويعتبر أن تغيير ذو القدر وتعيين اللواء رضائي يشيران إلى أن بلاده سترفع سقف المطالب مقارنة بالمرحلة السابقة.
ويتابع قلهكي أن اللواء رضائي "صاحب رأي وخبرة" في مجالي الحرب والمفاوضات، مضيفاً أن تقديره يشير إلى تعزيز حضور شخصيات من أمثال نائب رئيس مجلس الأمن القومي علي باقري في مسار المفاوضات، وإلى تبني إيران موقفاً أكثر هجومية في المجال العسكري. وخلص إلى أن صعود مكانة رضائي سيجعله، بطبيعة الحال، محوراً لملفي الحرب والمفاوضات في البلاد.
وفي السياق، يُذكر أن خطوة خامنئي بضم رضائي إلى هذا المجلس السيادي، ثم تعيينه أميناً له، تأتي عقب إقرار المجلس، خلال شهر يونيو/حزيران الماضي، بغالبية الأعضاء باستثناء جليلي، مندوب المرشد، إبرام مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة. وكان المرشد قد سجل تحفظه على إقرار المذكرة، موضحاً، في رسالة بتاريخ 18 يونيو، أنه كانت لديه "وجهة نظر مختلفة من حيث المبدأ"، لكنه منح الإذن بالمضي قدماً بناءً على "التعهد" الذي قدّمه بزشكيان، بصفته رئيساً للمجلس الأعلى للأمن القومي، نيابة عن نفسه وعن باقي أعضاء المجلس، بصون حقوق الشعب الإيراني وجبهة المقاومة، وتحمله المسؤولية عن ذلك. وأضاف خامنئي أن الرئيس الإيراني أكد له عدم الرضوخ لأي مطالب مفرطة قد يطرحها الجانب الأميركي، مشدداً على أن الشعب الإيراني ينتظر، من الآن فصاعداً، تحقيق الشروط الإيرانية.
كما لفت الرئيس الإيراني، في مؤتمره الصحافي، إلى خلافات في وجهات النظر بشأن مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن، موضحاً أن المواقف داخل المجلس كانت معارضة في البداية، لكن الحوار أفضى إلى تفاهم نتجت عنه هذه المذكرة، مشدداً على أن القرار النهائي للمرشد هو ما سيتم تنفيذه في نهاية المطاف.

677 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع