الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - ((ما أجمل الجراديخ والبلام والبلامة وما أحلاهما في دجلة الخالد وذكرياتهما أيام زمان))

((ما أجمل الجراديخ والبلام والبلامة وما أحلاهما في دجلة الخالد وذكرياتهما أيام زمان))

         

((ما أجمل الجراديخ والبلام والبلامة وما أحلاهما في دجلة الخالد وذكرياتهما أيام زمان))

  

     

لاحقنى الشوق وأنا أستمتع بهواء كورنيش البحيرة في الشارقة، قطعت مسافة طويلة  فى اتجاه ساحلها ومقاهيها الجميلة، تخالجنى ذكريات دافئة، فى شبابى عندما كنت أتمشى مستمتعاً بروعة دجلة والصحبة لأصدقاء المحلة، فيما بعد اعتدت أن أقطع المسافة بينى وبين الجراديخ وبلامي دجلة ود قديم، عشقت لزمن طويل الاستمتاع المباشر بدجلة الخالد، لاشك ان الذكريات لها فيض جميل في النفس تهفو اليه مابين حين وحين ولا سيما ان تكون هذه الذكريات محفورة في القلب ومنقوشة في الوجدان، فعلاً في القلب والوجدان وهي تدوم وتدوم، لأنها ذكريات زمن جميل مازال يتدفق في الشرايين، وأصبح جزءا من نسيج كل من أحبوه وعاشوا فيه ومعه، زمن الكبار الذين حملوا عصور شامخة وساروا به ، الحديث عن نهر دجلة يحمل في طياته حقبا من الالم والشجن فهذا النهر كان مرتعا لذاكرة من التأريخ لمدينة كانت حاضرة الدنيا، يوم كان الانس والفكاهة والخلاعة والتوأمة وحلقات الشعر سمة من سماتها، وكانت جلسات السمار والسهارى تصدح بالغناء والأستمتاع لبوذيات ومقامات مغني الشط على ضفتي هذا النهر حتى ساعات الفجر الاولى على هدير موجه.

    
 الجراديخ كانت معشوقتي، تذكرت الأصوات الوحيدة التي تصل آذان سكان الجراديخ الذين يعيشون فيها في الصيف هي تغريد الطيور المهاجرة وحفيف النخيل المتمايل مع الريح  ورقرقة مياه دجلة وهي تداعب أطراف شواطئها، ذكريات التحدث عنها تجعلنى أغوص فى زمن الشباب الذى كان، ليالي الصيف في سكونها الجميل، والقمر يعكس ضيائه دجلة الخالد، الذي يتدفق بهدوء يحكي قصص كل العصور، كاتم الأسرار، شاهد على العشاق، شاهد عن سياسات صانعيه، شاهد عن مؤامرات الغيرعليه، شاهد على أغانيه واشعاره، وعلى حكايات الفراق، على سطحه تمخر الزوارق، شاهد عن زوارق النزهة والسمر، ومراكب الصيد حاملة مصطادته شبكاتها.
الجراديخ التي تتواجد فوق صفحة دجلة هي أحد معالم بغداد في الصيف ايام زمن الخير، ففيها كانت الأمسيات الشعرية والغنائية والسياسية، عاش فيها صفوة المجتمع البغدادي في القرن الماضي من وزراء وعسكريين وفنانين وصحافيين ومثقفين.
 ومن مشاهد دجلة التي لم يعد لها وجود منذ ستينات القرن الماضي هي الجراديغ، وهي ابنية بسيطة ومؤقتة تُقام في فصل الصيف فقط وعلى ساحلي النهر مباشرة، الجراديخ غرفة من الحصران مثبتة بواسطة (المرادي) وواحدها من المردي ويكون من جذوع الاشجار غير السميكة وكان بعض هواة قضاء ليالي الصيف على ساحل دجلة يتفننون فيجعلون حولها سورا من الحصران ذاتها فيكون للغرفة فناء وقد يقيمون مرافق اخرى، والبناء يتكون من بضعة اعمدة خشبية مع عدد من الحصران المصنوعة من قصب البردي وتسمى (البارية)، وتقوم هذه (البواري) مقام الجدران والسقف, ولاتزيد مساحة الجرداغ عن مساحة غرفة متوسطة الحجم، وقد جرت العادة ان يقضي الشباب والرجال الاكبر سناً اوقاتاً طويلة في هذه الاماكن، تبدأ من العصر وقد تستمر الى مابعد منتصف الليل وفي كثير من الأحيان ينامون فيها،  وبعض منهم اعتادوا جلب عوائلهم الى جراديغهم مرة في الاسبوع لقضاء بضع ساعات من الليل فيها ثم العودة الى المنازل.
 وكانت الجراديخ تقام على ساحلي دجلة في الكاظمية والاعظمية يوم كانتا من نواحي مدينة بغداد ثم صارت الجراديغ تنصب على ساحل دجلة في الباب الشرقي قبل ان يتم افتتاح الشارع الذي نعرفه اليوم بشارع اب نواس، وكانت تقام بعض الجراديغ متفرقة على الجانب الاخر من دجلة كما عرفت بغداد جراديخ خاصة بتعليم الصغار السباحة تنقلب بحلول الليل الى مقاه وبارات، ونخص بالذكر منها تلك التي كانوا يقيمونها في المجيدية حيث مدينة الطب الان، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية صار على من يريد نصب جرداغ الحصول على الاجازة من متصرفية بغداد...

   

وكانت الجراديغ في بدأ الامر اماكن مفتوحة على الجو والنهر يسبحون ويتسامرون ويغنون ويرقصون ويسكفون السمك وقد يتجاوزن الى ذلك بسهرات غير صاخبة بمليء حرياتهم بدون رقيب...

     

ولما عرفت بغداد الحاكي (الفوتوغراف) صاروا ياخذونه واسطواناته معهم ويسمعون الاغاني، يمرحون ويمزحون وينزلون الى النهر، ويتسابقون بالسباحة والمصارعة والجري ولعب كرة الطائرة، وغالباً مايكون الليل مخصصاً للاغاني والشعر وأحياناً السياسة.

  

من معالم دجلة ومناظرها التي لاتنسى والذي يتذكرها الكرخيون مشهدا جميلا يعود كل سنة مرة واحدة ويلاحضه بتشوق ومحبة من جراديخ الرصافة في العيواضية، هو مشهد (شموع الخضر) وهو معتقد ديني تمارسه النساء ايفاء لنذر قطعنه على أنفسهن، وهذا المعتقد يقضي ان تقوم المرأة بأحضار (كربة) او اكثر من كرب النخيل وتضع فوقها عدداً من الشموع الموقدة ثم تدفع الكرب في النهر حيث ينساب طافياً فوق سطح الماء مع مجرى النهر، ولما كان ذلك يتم وقت غروب الشمس، وهو امر يصعب على المرأة تنفيذه لوحدها كون الغروب وقتاً محبب لخروج المرأة بمفردها، لذلك كان الحضور الى دجلة يجري على هيأة مجاميع نسوية، وهذا يعني دفع عشرات الكرب مع مجرى الماء مرة واحدة مما يخلق منظراً خلاباً لان النهر يُضاء بمئات الشموع.

                              


كل جرداخ يحترم بافعاله الجراديخ المجاورة ولا يتطفل عليها او يتدخل بما يفعل الآخر، كل جرداخ له خصوصيته، وتقول بعض المصادر أن الباشا نوري السعيد كان لديه جرداخ خاص به  في كرادة مريم يمضي إليها حين كان يريد الترويح عن نفسه بعيداً عن العيون.

                
 
ومن جماليات دجلة البغدادية المحصورة يومها بين الكاظمية والأعظمية والعطيفية والباب الشرقي، فبلاضافة الى استمتاعك بما يحمله جو الجرداخ هو منظر صيادي السمك واغانيهم وشباكهم الممتدة على طول النهر وخاصة في اوقات الصباح الباكر وهم يعودون بما حملت شبكات صيدهم من سمك النهر.
ومن أشهر الجراديخ في الاعظمية جرداخ عوسي الأعظمي وجرداخ قحطان القصير وجرداخ نادي النعمان وجرداخ نادي الأعظمية وجرداخ عدنان الدوري وفخري الزبيدي وجرداخ حسين بن علو في الصرافية وجرداخ شرطة النجدة والذي أنشاه الرياضي الدكتور عبد القادر زينل في العواضية قرب مدينة الطب وجرداخ وزارة وزارة المعارف على ساحل مستشفى الولادة في الكرخ بأدارة أكرم فهمي وجرداخ ياسين الصدر في العطيفية وجرداخ منشي في المربعة وجرداخ وجيه عبد الغني ومن رواده حقي الشبلي وجرداخ هاني في السنك وجرداخ يعقوب في أبو نؤاس، وهناك جراديخ أخرى في محلة السيد سلطان علي وفي الكرادة نهاية شارع ابي نواس وغيرها.

      

البلم كما يحلو للبغداديين تسميته، منذ القدم مع جريان الأنهار والروافد والاحواض المائية في العراق ينبض على ضفافه..      
البلم فهو زورق نهري صغير ذو مجذافين وكان منتشرا بشكل كبير في انهر العراق، خصوصا في نهر دجلة حيث كان يحمل الناس رجالا ونساء من مشرعة الى مشرعة في منافذ معروفة تفضي اما الى سوق واما الى شارع.
 فقد اصبح الوسيلة الرئيسية لصيد الاسماك ونقل الامتعة بين محلات بغداد المحاذية للنهر، وكذلك استخدم في السفرات النهرية واللهو والاستجمام.
البلم العنوان الاول لجمال دجلة، لاشيء يضاهي النهر اوقات العصر بالذات، حيث عشرات الزوارق تعوم فوق الماء وهي تقوم بسفرات نهرية، سواء للعوائل ام للشباب، وان كانت الصفة الغالية هي للشباب وهم ينقرون على (الدنابك)، الآلة الموسيقية الشعبية ويطلقون اصواتهم لترديد الاغاني الشائعة يومها، عبير دجلة الذي ينقل لنا في ليالي الصيف الواناً من المقامات والبستات وهي تنطلق من حناجر بغدادية لا يطيب لاصحابها السهر الا بين احضان نهرهم الخالد.
           

وكان الزورق او مايعرف بـ(البلم) احد اهم وسائط النقل بين كرخ بغداد ورصافتها، الى جانب واسطة نقل اخرى وهي (القفة) والتي انسحبت لصالح الزورق منذ منتصف خمسينات القرن الماضي..

  

وكانت القفف والزوارق قبل بناء الجسور الحديدية ودخول المركبات الى العراق، هي وسائط النقل الاكثر شهرة ورواجاً في بغداد، وكان المرسى الاساسي لها في منطقة الجعيفر (جانب الكرخ) حيث تقل العابرين الى منطقة باب المعظم (جانب الرصافة) عند مدينة الطب حالياً، حيث توجد وقتها اهم مؤسسة صحية في العراق، وهي مستشفى (المجيدية) نسبة الى مؤسسها, السلطان العثماني عبدالمجيد، ولاتزال بعض ابنيتها مستغلة ضمن مدينة الطب الى الوقت الحاضر، الى ان اشهر العاملين في الزوارق يومها دعبول الشخصیة الكرخیة الفكھة الظريفة صديق الباشا رئیس وزراء العراق نوري السعيد، كذلك كونه قارىء جيد للمقام العراقي، ودعبول البلام، أصبح شخصیة معروفة في بغداد والعالم العربي حیث جسد الفنان القدير يوسف العاني حیاته بمسرحیة

      

(الشريعة)، التي كان لھا صدى واسع حین عرضت على المسرح بدايات السبعینات من القرن الماضي، كما تناولته روائیا الكاتبة عراقیة المولد بريطانیة الأصل (أمل بورتر) ابنة الضابط البريطاني (بورتر) أيام الاحتلال البريطاني للعراق سنة 1917والذي أحب العراق وتزوج من عراقیة، وعاش فیه حتى مات، والآخرهو جبوري البلام، والناس تطمئن الى عبور دجلة في زورقه اكثر من الاخرين مع ان هذا الرجل كان فاقد البصر (اعمى) ولكنه يعرف النهر شبراً شبراً كما لو انه على اليابسة، وكذلك البلام شهاب أحمد وفي الاعظمية سلمان..

   

كانت البلام يومذاك تتهادى فوق دجلة مع غروب الشمس في نزهة نهرية، وكان بعضعها يحمل السقيفة (التنته) الجميلة التي تعصم الازواج والعشاق من النظرات المتطفلة، ان البلامه في العراق تعتبر من تراث العراقيين وامجادهم التي لاتنسى لان هذه البلامه تذكرنا بامجاد اجدادنا، انعكس البلم والبلام في التراث الغنائي العراقي، حيث وردت  في كثير من اغانينا:

 

(كل البلام تفوت) و (عمي يا بلام) و(يابو بلم عشاري) و (يابو المشحوف تانيني) و (يامعيبر ولك عبرني) و(يعجبني نزلة وياك للكاورية  تعطش واشربك ماي بجفوف ايدي) لكن هذه الاغاني تختفي شيئا فشيئا كلما توغلنا في الاهوار حتى نستمع الى نوع جميل من الأغاني تختلف عما نسمعه في الإذاعة..

هناك يكثرون من اغاني الابوذية والموال والتي ترد فيها أسماء الزوارق بكثرة لما للزوارق من اهمية في حياة المرء في الاهوار.
دار الزمن دورته، وخفتت أنوار الجراديخ والجولات النهرية وبعض من البلامة يقتصر عملهم على الصيد ونقل المواطنين، بعد ان هجرها راغبيها الأصليون في عصر مميز بالناس والمكان والأحداث، ولكنها راسية، ولكن بمفهوم مختلف، لازال يهويها راغبيها ، منها ينبعث صوت أغاني زمان التي بقت ولم يستطع هذا الزمن ان يزيلها، ويمكن في يوم ترجع إلي وحلم القلب يتحقق لي ولغيري من عاشها، وها نحن نعيد ذكريات الزمن الجميل فانها من اجمل الاشياء التي تبقت لنا، ومن الله التوفيق.
سرور ميرزا محمود

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

507 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع