بدري نوئيل يوسف
قسمٌ على المصحف… أم قسمٌ على المواطن؟
في بلاد العجائب، حتى القسم أصبح يحتاج إلى لجنة تحقيق، وخبير في لغة الجسد، ومصور يعيد اللقطة بالحركة البطيئة، ومحلل سياسي يشرح لنا لماذا وضع هذا يده هنا، وذاك إصبعه هناك، وثالثه وقف أمام الكتاب وكأنه ينتظر منه أن يمنحه الموافقة على استلام المنصب!
فقد شهدت مواقع التواصل الاجتماعي ضجة حول القسم الذي ردده عدد من الوزراء ونواب رئيس الوزراء في بلاد العجائب، بعدما ظهرت مشاهد أثارت تساؤلات بشأن طريقة أداء بعضهم للقسم، وكيفية تعاملهم مع القرآن الكريم.
وهنا انقسم الجمهور بين من رأى في المشهد مسألة تستحق النقد، ومن اعتبر أن العبرة ليست بحركة اليد وحدها، بل بما سيفعله المسؤول بعد أن ينتهي التصوير، ويغادر القاعة، ويعود إلى مكتبه المكيّف.
أما أنا، فأقول: أهلًا بكم في بلاد العجائب، حيث يمكن أن يتحول القسم إلى مادة للنقاش أكثر من البرنامج الحكومي نفسه!
أولًا: ألم تقسموا أمام مجلس النواب؟
السؤال الأول الذي خطر ببالي: ألم يؤدِّ هؤلاء الوزراء اليمين الدستورية أمام مجلس النواب قبل تسلّم مناصبهم؟
بلى، فقد أدوا اليمين الدستورية أمام المجلس، وأصبحوا رسميًا مسؤولين عن وزاراتهم.
فلماذا نحتاج إلى قسم آخر؟
هل اكتشفنا أن القسم الأول لم يكن كافيًا؟ أم أن القسم الدستوري يصلح للأوراق الرسمية، بينما يحتاج المواطن إلى قسم إضافي حتى يطمئن إلى أن المسؤول لن ينساه بعد دخوله الوزارة؟
ربما قرر أحدهم أن يقول: يا جماعة، لقد أقسمنا أمام مجلس النواب، لكن المواطن لم يكن جالسًا معنا في القاعة، فلنقسم أمامه أيضًا!
وفكرة تجديد الثقة بالمواطن ليست سيئة في ذاتها، بل قد تكون خطوة أخلاقية جميلة إذا تحولت إلى التزام حقيقي. لكن العجيبة أن المواطن أصبح يحتاج إلى ضمانات متتالية، كأنه يشتري جهازًا كهربائيًا مستوردًا، ولا يعرف أن كان سيعمل بعد انتهاء مدة الكفالة!
قسم دستوري، وقسم شرف، وربما يأتي يوم نحتاج فيه إلى قسم خاص عند استلام الراتب، وقسم آخر عند توقيع العقد، وثالث عند دخول الوزارة، ورابع عند مغادرة المكتب.
وفي النهاية، قد يسأل المواطن المسكين: هل أقسمتم لأنكم تريدون خدمة بلاد العجائب، أم لأنكم لاحظتم أن الشعب لم يعد يكتفي بالوعود؟
ثانيًا: هل القسم حقيقي أم مسرحية أمام الكاميرات؟
هنا نصل إلى السؤال الذي أثار الضجة: هل كان القسم تعبيرًا صادقًا عن الالتزام، أم مجرد مشهد أمام الكاميرات؟
والحقيقة أنني لا أستطيع أن أحكم على نيات أحد من صورة أو حركة يد. فالنيات لا تُقرأ من مقطع
فيديو، ولا يجوز أن نتهم شخصًا بالاستهزاء بالدين لمجرد أن وضع يده لم يعجب المشاهدين.
لكن من حق المواطن أن يسأل، ومن حقه أن ينتقد المشهد العام، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمسؤولين يتولون مناصب حساسة في الدولة.
فإذا كان المسؤول يقسم بألا يسرق المال العام، وألا يستغل منصبه لمصلحته أو مصلحة أقاربه، وألا يقدم الولاء للحزب على مصلحة الوطن، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء القسم.
هل سيمنح العقد للشركة الأكثر كفاءة، أم للشركة الأقرب إلى أصحاب النفوذ؟
هل سيختار الموظف على أساس خبرته، أم على أساس انتمائه؟
هل سيحمي المال العام، أم سيغض الطرف عندما يتعلق الأمر بصديق أو قريب أو جهة سياسية؟
هنا يظهر الفرق بين قسم يُقال باللسان، وقسم يتحول إلى سلوك.
فالقسم الحقيقي لا تقيسه الكاميرا، بل تقيسه القرارات. ولا تثبته حركة اليد، بل تثبته الأمانة عندما تكون هناك فرصة للفساد ولا يراك أحد.
ثالثًا: أين نضع اليد؟ سؤال هزّ بلاد العجائب!
ومن عجائب بلادنا أن النقاش وصل إلى حركة اليد، وكيف وضع بعض المسؤولين أيديهم على القرآن الكريم، بينما بدا أن آخرين وضعوا أصابعهم عليه أو أبقوا أيديهم إلى جانبه.
وانطلقت التعليقات والتحليلات، وكأننا أمام مباراة نهائية ينتظر فيها الجمهور إعادة الهدف من خمس زوايا مختلفة.
هذا وضع إصبعه، وذاك وضع يده، والثالث لم يضعها كما توقع المشاهدون!
ولكن دعونا نسأل سؤالًا بسيطًا: هل نريد من المسؤول أن يؤدي حركة مثالية أمام الكاميرا، أم أن يؤدي واجبه بصورة مثالية أمام المواطن؟
لا شك أن احترام القرآن الكريم واجب ويؤمن بقداسته، وأن المراسم الرسمية ينبغي أن تُنظم باحترام ووضوح، حتى لا تفتح أبوابًا للالتباس أو سوء الفهم.
لكن ينبغي أيضًا ألا نحول حركة يد وحدها إلى دليل قاطع على صدق الإنسان أو كذبه، ولا أن نجعل من اختلاف الحركة حكمًا نهائيًا على النيات.
فالكتاب المقدس، أيًّا كان الكتاب الذي يحترمه الإنسان، ليس قطعة ديكور توضع على الطاولة لتكتمل الصورة الصحفية. والمقدسات ليست أدوات تجميل للمراسم الرسمية.
المشكلة ليست في أن يضع المسؤول يده على الكتاب، بل في أن يضع يده على المال العام بعد أن يقسم بحمايته!
وهذه، في رأيي، هي الجملة التي تستحق أن تُكتب بأحرف كبيرة في مدخل كل وزارة.
رابعًا: ماذا لو كان للقسم جهاز كشف الكذب؟
تخيلوا معي أننا قررنا في بلاد العجائب تطوير مراسم القسم، فبدلًا من الميكروفونات والكاميرات، نضع أمام كل مسؤول جهازًا إلكترونيًا يقيس مدى التزامه بما يقول!
يقف الوزير أمام الجهاز، ويرفع يده، ويبدأ القسم:
أقسم أن أخدم الوطن!
يضيء الجهاز باللون الأخضر.
أقسم ألا أستغل منصبي لمصلحة أقاربي!
يصدر الجهاز صفيرًا خفيفًا.
أقسم ألا أسمح بالفساد!
تبدأ الشاشة بالاهتزاز.
أقسم أن أضع الكفاءة فوق المحاصصة!
هنا ينطفئ الجهاز تمامًا، ويظهر على الشاشة: عذرًا، النظام غير قادر على معالجة هذه البيانات. يرجى مراجعة الشركة المصنعة.
بالطبع، هذه مجرد صورة ساخرة، فليس هناك جهاز يستطيع أن يحكم على النيات أو يضمن النزاهة. لكن المفارقة أن المواطن، بعد سنوات من الوعود، أصبح يتمنى وجود وسيلة تضمن أن الكلمات الجميلة لن تنتهي بمجرد إغلاق الكاميرات.
ولأننا في بلاد العجائب، أقترح أن نضيف إلى القسم فقرة جديدة:
(أقسم بالله العظيم أن أقدم كشفًا سنويًا بما أنجزته، وما أخفقت فيه، وما أنفقته من أموال الدولة، وأن أقبل المساءلة عن قراراتي، وألا أختبئ خلف الأعذار إذا قصّرت).
هذا القسم، لو اقترن بمؤسسات رقابية مستقلة وقضاء فاعل وقوانين تُطبّق على الجميع، سيكون أكثر فائدة للمواطن من مئة صورة تذكارية.
خامسًا: هل يحتاج المواطن إلى قسم أم إلى خدمات؟
يا سادة بلاد العجائب، المواطن لا يستيقظ صباحًا ليبحث عن عدد المرات التي أقسم فيها الوزير، ولا يهتم إن كان المسؤول قد وضع يده على الكتاب بزاوية ثلاثين درجة أم خمس وأربعين درجة!
المواطن يريد كهرباء مستقرة، ومستشفى يحفظ كرامته، ومدرسة تليق بأطفاله، وفرصة عمل، وإدارة لا تطلب منه واسطة لإنجاز معاملته.
يريد أن يعرف أين ذهبت الأموال، ولماذا تتأخر المشاريع، وكيف تُختار الشركات، ومن يحاسب المقصر.
إن القسم الذي لا ينعكس على حياة الناس يبقى كلامًا، مهما كانت المراسم مهيبة، ومهما كانت الكاميرات كثيرة، ومهما علت الأصوات في القاعة.
ولا يعني ذلك أن القسم عديم القيمة؛ على العكس، فهو تعهد أخلاقي ودستوري مهم. لكن قيمته تظهر عندما يصبح معيارًا للمحاسبة، لا مجرد لحظة احتفالية في بداية الطريق.
خاتمة: أقسموا كما تشاؤون… ولكن!
في بلاد العجائب، يمكننا أن نقيم مراسم قسم في كل أسبوع، وأن نطبع نسخًا فاخرة من التعهدات، وأن نضع المصاحف والكتب على طاولات من خشب الساج، وأن نستدعي عشرات المصورين لتوثيق اللحظة التاريخية.
لكننا لن نحتاج إلى كل ذلك إذا كان المسؤول يعرف أن المنصب تكليف وليس غنيمة، وأن المال العام
أمانة وليس مكافأة، وأن المواطن ليس متفرجًا في مسرحية سياسية، بل صاحب الحق في السؤال
والمحاسبة.
لا نريد أن نحاكم النيات من حركة يد، ولا أن نتهم الناس بلا دليل، ولا أن نحول المقدسات إلى ساحة للتجاذب السياسي.
نريد فقط أن نرى أثر القسم في حياة الناس.
فإذا أقسم الوزير ألا يسرق، فليكن أول من يحارب السرقة. وإذا أقسم ألا يحابي أقاربه، فليثبت ذلك عندما يأتيه طلب التعيين من أحدهم. وإذا أقسم أن يخدم الوطن، فليتذكر أن الوطن ليس حزبًا، ولا كتلة، ولا عائلة، ولا مجموعة من الأصدقاء.
وفي بلاد العجائب، لا تسألوا كم مرة أقسم المسؤول، بل اسألوا كم مرة أوفى بقسمه!
أما نحن، فسنبقى نراقب، ونكتب، ونسأل، ونضحك أحيانًا كي لا نبكي كثيرًا.
فالسخرية ليست استهزاءً بالمقدسات، بل قد تكون وسيلة لكشف التناقض بين الكلام والفعل.
وإذا كان القسم عهدًا أمام الله والوطن، فإن الوفاء به هو الامتحان الذي لا تنفع فيه الكاميرات، ولا تنجح فيه المونتاجات، ولا تستطيع مواقع التواصل أن تمنح صاحبه شهادة نجاح بدلًا منه.
وهكذا تستمر الحكاية في بلاد العجائب: قسمٌ أمام الكاميرات، وانتظارٌ أمام أبواب الوزارات، ومواطنٌ يسأل: متى نرى القسم يمشي على قدمين؟

956 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع