
المحامي المستشار
محي الدين محمد يونس
حزب البعث العربي الاشتراكي واهدافه الخيالية في الوحدة والحرية والاشتراكية – الجزء الثاني
حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق
شهدت أوائل الخمسينيات من القرن الماضي نشاطات ملحوظة لحزب البعث بين الجماهير العراقية وكان ذلك بتأثير تواجد الطلاب العراقيين الذين يدرسون في سوريا ولبنان واعتنقوا الفكر البعثي بالإضافة الى المعلمين والمدرسين والاساتذة السوريين الذين كانوا يمارسون التدريس في العراق وكان عددهم بحدود (350) من الذكور والاناث في الجامعات والمدارس العراقية وكان لهذا التواجد الأثر المباشر في نشر افكار حزب البعث بين الشباب العراقي بشكل ضيق ومحدود بسبب هيمنة أحزاب أخرى وخاصة الحزب الشيوعي العراقي وعدم تجاوب العراقيين مع افكار هذا الحزب ومبادئه في ذلك الحين وكان الحزب في البداية يتألف من أغلبية من المسلمين الشيعة لـكون صاحب فـكرة تأسيس الحزب في العراق شيعياً وهو الشاب (فؤاد الركابي) القادم من الناصرية الى العاصمة بغداد ليدرس الهندسة المدنية في كلية الهندسة وكان قد تأثر بأفكار الحزب وتعلق واعجب بشعاره وأهدافه المعلنة وتزامناً مع تخرجه في عام (١٩٥٢) قرر الانصراف مع البعض من مؤيديه من اقربائه وكان منهم ابن شقيقته (حازم جواد) الذي اصبح لاحقاً قيادياً في هذا الحزب بالإضافة الى معارفه وأصدقائه في مدينته وباشر في مسعاه واعلانه عن تشكيل اول قيادة قطرية لحزب البعث في العراق في عام (١٩٥٢) وكان هو أمين سرها وتضم كل من (فخري ياسين قدوري وجعفر قاسم حمودي وشمس الدين كاظم ومحمد سعيد الاسود) وفي موضوع ذو صلة ببدايات نشوء هذا الحزب في العراق نذكر معلومة ربما تكون خافية على الكثيرين من العراقيين ألا وهي كون (عبد الزهرة لولاح) واسمه الحركي (سعدون حمادي) هو أول بعثي عراقي انخرط في تنظيماته عندما كان يدرس في لبنان وسورية أواخر الأربعينيات من القرن الماضي وهو الذي اصبح فيما بعد بالذات في عام (1991) رئيسا لوزراء العراق.

فؤاد الركابي
حظيت قيادة فرع العراق باعتراف القيادة القومية لحزب البعث في سوريا وهنا نود أن نشير من أنه سرعان ما هيمن المسلمون السنة على هذا الفرع والذي واجه صعوبات لاحقاً في تجنيد المزيد من الشيعة في صفوفه ولأجل إعطاء فكرة واضحة وبسيطة عن مراحل المسار التاريخي وأحداثه المؤثرة من إخفاقات ونجاحات في مسيرة حزب البعث العراقي منذ تأسيسه والاعتراف به من قبل القيادة القومية في دمشـــق لحين سقوطه المدوّي في (9 نيسان 2003) على أثر دخول القوات الأمريكية والبريطانية العاصمة بغداد والاعلان عن نهاية النظام العراقي وسلطة الرئيس (صدام حسين) وعلى ضوء الأحداث المهمة التالية:-
• القضاء على النظام الملكي في العراق
في (14 تموز 1958) وعلى أثر الانقلاب العسكري الذي أطاح بالنظام الملكي في العراق بقيادة الضابطين (عبد الكريم قاسم) و(عبد السلام عارف) اتّخذ حزب البعث العربي الاشتراكي موقفاً مؤيداً من الانقلاب على أمل أن تتطابق مواقف النظام الجديد مع موقف الحزب. في الشأن السياسي وعلى الخصوص موضوع الانضمام إلى الوحدة العربية مع مصر وسورية ونتيجة لهذا الموقف تم إشراك الحزب في حكومة (عبد الكريم قاسم) بحقيبة وزارة الإعمار وتولاها (فؤاد الركابي) أمين سر القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي في العراق إلا أنه لم يستمر في هذا المنصب إلا لفترة وجيزة حيث استقال في شهر (شباط 1959) تضامناً مع مجموعة من الوزراء احتجاجاً على عدم تلبية المطالب التي تقدموا بها وتهميش العناصر القومية المؤيدة للوحدة العربية والتقارب بين (عبدالكريم قاسم) والحزب الشيوعي العراقي وكانت بوادر صراع على مستوى القيادة وعلى مستوى الشعب حيث تسلق الشيوعيون إلى المناصب الحساسة في الدولة وتشكيل قوات المقاومة الشعبية.

عندما كان القوم في وئام عبد الكريم قاسم وسعدون حمادي وفؤاد الركابي وعبد السلام عارف
• الموصل وحركة العقيد الركن عبد الوهاب الشواف
في (8 آذار 1959) انطلق صوت (محمود الدرة) الضابط والسياسي من التيار القومي من الإذاعة المحلية في مدينة الموصل وهو يذيع بيان الحركة بقيادة العقيد الركن (عبد الوهاب الشواف) آمر جحفل اللواء الخامس في المدينة والمتضمن الانقلاب على الحكومة العراقية ودعوة رئيس وزرائها (عبد الكريم قاسم) للتخلي عن السلطة ومن اجل الاطلاع على أهدف الحركة من الانقلاب ندرج أدناه نصه للاطلاع عليه: -
قائد الحركة العقيد الركن عبد الوهاب الشواف
بيان الحركة
إلى الشعب العراقي الأبي. أيها المواطنون الأعزاء
عندما أعلن جيشكم الباسل ثورته الجبارة في صبيحة يوم (14) تموز الخالد، عندما حطم الاستعمار وعملاءه وقضى على النظام الملكي الفاسد، واقام بموآزرتكم وبتأييدكم، نظامه الجمهوري الخالد، عندما فعل جيشكم الباسل ذلك كله، لم يدر بخلده ولا بخلدكم أن يحل طاغية مجنون محل طاغية مستبد، وتزول طبقة إستغلاليه جشعة لتحل محلها فئة غوغائية تعبث بالبلاد وبالنظام وبالقانون فساداً، وليستبدل مسؤولون وطنيون بآخرين يعتنقون مذهباً سياسياً لايمت لهذه البلاد العربية الاسلامية العراقية بمصلحة. أجل لم يدر بخلد جيشكم الباسل، ولا بخلدكم انتم أيها المواطنون الآباة وقد انصرم على قيام ثورتكم الخالدة ثمانية اشهر، ولم تكن بلادكم الوفيرة الخيرات إلا مسرحا للفوضى والبطالة فيتحطم إقتصادها الوطني وتتعطل مشاريعها العمرانية وتنتزع الثقة من النفوس ويختفي النقد من الاسواق وتعبث بالبلاد مقابل ذلك كله فئة ضالة بالاغلبية، لادين لها ولاضمير، تخلق لها صنما به لوثه في عقله، وتعبده ولا تخشى الله وتنادي به ربا للعالمين. وتسخر الدولة ومواردها لتخلق منه زعيماً أوحدًا ومنقذًا أعظم. هذا الزعيم الذي خان ثورة 14 تموز، وعاث بمبادئها وأهدافها، ونكث بالعهد، وغدر باخوانه الضباط الاحرار ونكل بهم، وابعد اعضاء مجلس الثورة الأشاوس ليحل محلهم زمرة انتهازية رعناء تاقته شهواته العارمة إلى تصدر الزعامة واعتمد على فئة تدين بعقيدة سياسية معينة لا تملك من رصيد التأييد الشعبي غير التضليل والهتافات والمظاهرات وغير الزبد الذي يذهب جفاء، وركب رأسه واعلنها ديكتاتورية غوغائية، فنحى زعماء الثورة عن المسؤولية واطلق للإذاعة والصحف عنان الفوضى لتخاصم جميع الدول، وتشنها حربا اعتدائية على الجمهورية العربية المتحدة التي جازفت بكيانها من أجل نجاح ثورتنا، ودعم كيان جمهوريتنا، واستهتر بدستور جمهوريتنا المؤقت، وسلب مجلس السيادة المؤقت كل مسؤولياته الدستورية واحتكرها لنفسه وأعلنها حرباً شعواء على الجهات الوطنية والعناصر القومية المخلصة، فزج في المعتقلات آلاف المواطنين الأبرياء مما لم يسبق له مثيل حتى الطاغية نوري السعيد ولا المجرم عبد الاله لم يجرؤ على فعلته الإجرامية أحد .وانحرف منفذاً لأوامر الجهات الغوغائية عن اغلى واثمن ما يعتز به العراقيون عربا وأكرادا ألا وهو السير بسفينة البلاد إلى التضامن مع سائر البلاد العربية المتحرره واعلنها حربا شعواء على الامة العربية لدرجة أن صار الهتاف بسقوط القومية العربية شعارا له ولزمرته الباغية الفاجرة، وسلك في سياسته الخارجية مسلكًا وعرًا. فلم يتقيد بمبادىء الثورة التي تری في سياسة الحياد الايجابي شعارا لا يمكن الانحراف عنه. لهذه الأسباب كلها أيها المواطنون الاباة في شتى انحاء جمهوريتنا الخالدة عزمنا باسم الله العلي القدير بعد اتفاقنا مع أخينا الزعيم الركن ناظم الطبقجلي قائد الفرقة الثانية ومع كافة الضباط الأحرار في جيشكم الباسل، وبعد مشاوراتنا مع سائر العناصر السياسية المخلصة، عزمنا في هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ جمهوريتنا على تحرير وطننا الحبيب من الاستعباد والاستبداد وتخليصه من الفوضى معلنين لكافة المواطنين عربا وأكرادا وسائر القوميات العراقية الأخرى التي يتألف من مجموعها شعبنا العراقي الأبي الكريم أننا الحافظون على العهد متمسكون باهداف ثورة 14 تموز الخالدة، مراعون مبادئ دستور جمهوريتنا الفنية نصا وروحا. عاملون على حسن تنفيذ وتطبيق قانون الإصلاح الزراعي وغيره من القوانين التي تكفل تحقيق عدالةً اجتماعيةً شاملة، وتطبيق سياسة اقتصادية اشتراكية ديمقراطية تعاونية. ونطالب بعزم وإصرار. تنحي الطاغية المجنون وزمرته الانتهازية الرعناء عن الحكم فوراً والقضاء على السياسة الغوغائية التي أخذت تمارسها فئة ضالة من شعبنا لكي يسود النظام وحكم القانون في ارجاء وطننا الحبيب. ونعلن في هذه اللحظة التاريخية للعالم أجمع أن سياستنا الخارجية منبثقة من مصالح شعبنا وامتنا، وإننا اذ نتبنی سياسة الحياد الايجابي الدقيق ازاء الدول الأخرى نصادق من نصادقنا ونعادي من يعادينا نعلن باسم الشعب العراقي اننا سنحافظ على التزاماتنا الدولية بوصفنا عضواً في الامم المتحدة، ونعتز بصداقة البلاد التي ادت لنا ولأمتنا العربية اجل العون في محنتها الماضية. ومن تلك البلاد الاتحاد السوفيتي وسائر البلاد الاشتراكية، والى جانب هذا فإننا نعلن بإصرار تمسكنا باتفاقياتنا النفطية مع الشركات الأجنبية مراعين في ذلك مصالح اقتصادنا وحقوقنا المشروعة. وسنضمن بحزم سير اعمال الشركات النفطية بكل حرية. ويسرنا أن نفتح صفحة جديدة من الصداقة القائمة على اساس المنافع المتبادلة بيننا وبين الحكومتين البريطانية والأمريكية وبيننا وبين سائر دول العالم على أساس النَّد لِلند مع كل دولة ونود ان نوضح بجلاء أن اي تدخل خارجي في شؤوننا الداخلية من اي دولة كانت في هذه الفترة التي تسبق قيام مجلس السيادة بمسؤولياته الدستورية ليؤلف وزارة شرعية في العاصمة بغداد وبالتعاون مع مجلس قيادة الثورة فإن هذا التدخل يعتبر ماساً باستقلال وسيادة جمهوريتنا ويؤدي ذلك إلى أوخم العواقب إن حركتنا حركة داخلية محضة من اختصاص الشعب العراقي وحده.
ايها المواطنون
اننا إلى أن يستجيب عبد الكريم قاسم فينصاع للحق ويتنحى عن الحكم فوراً، والى ان يمارس مجلس السيادة سلطاته ليؤلف وزارة بالتعاون مع مجلس الثورة. قد أخذنا على عاتقنا - بعد الاتكال على الله - مسؤولية إدارة البلاد، طالبين من أخوانا المواطنين الكرام شد أُزرنا وعوننا فيخلدون الى الهدوء والسكينة دون أن يلزمونا إلى اتخاذ تدابير من شانها الإضرار بالممتلكات أو سفك الدماء. وليكن كافة ابناء الشعب مطمئنين الى اننا سنكون عند حسن ظنهم بتولي المطالبة بتحقيق أمانيهم. ونحذر في الوقت ذاته الفئات الهدامة من أننا سنأخذهم بالشدة إن عرضوا حياة المواطنين وحياة الاجانب وممتلكاتهم للخطر. وليعلم الجميع أن حركتنا الوطنية هذه تستوي عندها جميع الفئات والهيئات وأنها تحفظ لهم حقوقهم في الحرية ان لم يتجاوزا حدود القانون المرسوم والله ولي التوفيق.
(عبد الوهاب الشواف).
العقيد الركن
قائد الثورة
تعود اسباب قيام هذه الحركة بهذه المحاولة لقلب هذا النظام الجديد الذي استلم السلطة في العراق لعدة اشهر فمن المعلوم من أن جميع التيارات والقِوى السياسية في ظل النظام الملكي المعادية والمعارضة له كانت على وئام واتفاق في هدف القضاء عليه رغم اختلاف توجهاتها السياسية واهدافها في مستقبل العراق بعد رحيل النظام الملكي غير أن استلام السلطة بعد نجاح انقلاب (14 تموز 1958) من هؤلاء الفرقاء سرعان ما أنهى العلاقة الودية بين هذه الاطراف وحل محلها علاقة عداء وصراع حاد بسبب وجود خلافات فكرية سياسية بينهم برزت الى الوجود في ضوء الاجواء الجديدة وأخذ كل طرف من هذه الاطراف يبحث عن طرف يستند اليه ويحظى بتأييد من الاوساط والقوى السياسية الجماهيرية حيث استندت القوى العروبية من قوميين وبعثيين على

صحيفة الأخبار المصرية الصادرة بتاريخ 9اذار 1959 وهي تنشر اخبار حركة الشواف في الموصل وتهولها بشكل يخالف الواقع والحقيقة
جماهيرها والدعم المقدم من الجمهورية العربية المتحدة بقيادة الرئيس المصري (جمال عبدالناصر) كما توجه واستند (عبدالكريم قاسم) شطر القوى اليسارية من الشيوعيين والاكراد في المراحل الأولى في الصراع الذي اتخذ سلوكا عدائيا وبمختلف الاساليب في الكثير من مدن العراق وبما يشبه الحرب الأهلية في بعضها ، لم تستمر الحالة على هذا الــنمط في العلاقة بعد أن أدار (عبدالكريم قاسم) ظهره للشيوعيين ودخل في حرب طاحنة مع الاكراد وخفف من عدائه لخصومه القوميين والبعثيين والتي مهــــدت لاحقا لسقوطه وبهذا الخصوص تجبرنا أفعال وتصرفات رئيس الوزراء (عبد الكريم قاسم) من خلال قراراته المتناقضة مع الواقع والتي أصدرها وهي مثار استغراب ودهشة عندما قام بزج العديد من الضباط والمدنيين من المحسوبين على التيار القومي في السجون والمعتقلات ولفترات مختلفة على خلفية محاولة اغتياله وحركة الشواف في عام (1959) بتهمة الإساءة ومعاداة نظامه، وكانت المفاجأة في عام (1960) حين أصدر عفوًا عن مَن تبقّى من المحكومين وإطلاق سراحهم، ولم يكتفِ بذلك بل أعاد بعضاً من الضباط الكبار إلى الخدمة في الجيش العراقي، وفي مواضع ومناصب مهمة ومؤثرة وخطيرة بدلاً من الضباط الشيوعيين المُزاحين. حيث عُيّن المقدم الركن (خالد مكي الهاشمي) آمراً لكتيبة الدبابات الرابعة في أبي غريب، والرائد الركن (خالد محسن فريد) معاوناً لآمر كتيبة دبابات المثنى في أبي غريب، والرائد الركن (إبراهيم جاسم التكريتي) آمراً للكتيبة الأولى في معسكر الرشيد، والمقــدم الركن (محمد مجيد) آمر لكتيبـــــة الدبابات في الوشـــاش، والمقدم الـــركن (عدنان عبد الجليل) آمراً لمدرسة الدروع وهؤلاء هم الذين زحفوا بـدباباتهم عليه في وزارة الــــدفاع يومي (8 و9 شباط) وأسروه، نعود للحديث عن أحــداث مدينة الموصل التي كانت على موعد يـــــوم (6 آذار 1959) مع جماعة أنصار السلام الشيوعية في عقد مؤتمرها في هذه المدينة، بالرغم من معارضة القوى القومية والبعثية واتخاذها الإجراءات واستعداداتها للمواجهة المرتقبة بين الطرفين والذي تزامن مع اعلان (الشواف) لحركته وحصول الاشتباك الدامي بعد تهيئة هذا الحشد من الرجال والسلاح وما أسفر عنه من قتلى وجرحى وردود فعل (عبد الكريم قاسم) الذي أمر بقصف الحامية العسكرية في المدينة ومراكز الحركة الأخرى بالطائرات ونتيجة ذلك اصيب (الشواف) بجروح وعند نقله الى المستشفى تصدي له أحد الموالين للسلطة فأرداه قتيلاً. وفي رواية أخرى تقول إن (الشواف) مات منتحرا ونقلت جثته إلى بغداد ودفنت في مقبرة الغزالي، لقد كانت حركة (الشواف) تتضمن ثلاث صفحات: -
الأولى: تنفذ في مدينة الموصل وتتمثل بإعلان العصيان على الحكومة المركزية في بغداد من خلال السيطرة التامة على المدينة.
الثانية: تنفذ في بغداد عندما يعقد مجلس الوزراء اجتماعا وتقوم مجموعة من الضباط بإحاطة مكــــان الاجتماع وإرغــــــام (عبد الكريم قاسم) على التنازل عن سلطاته واعتقاله وكانت هذه الصفحة بإشراف وقيادة العميد (رفعت الحاج سري) مدير الاستخبارات العسكرية.
الثالثة: مساندة ودعم واشتراك العميد الركن (ناظم الطبقجلي) قائد الفرقة الثانية في كركوك بهذه المحاولة والزحف على بغداد.

الصفحة الأولـــى نفذت في مدينة الموصل إلّا أن كلا من (رفعت الحاج سري) في بغداد و (ناظم الطبقجلى) في كركوك قد توصلا الأَول بحكم منصبه بمحاولات (عبد الكريم قاسم) في ابعاده وثانيهما لإدراكه بانه محاط بضباط مخالفين له في التوجّه في مقر الفرقة يحصون عليه حركاته واصبح الاثنان في قناعة الى انهما لا يستطيعان مساندة الحركة في الموصل بحسب التوقيت الذي قرره (الشواف) وهنا لا بدّ أن نشير الى قيام (الطبقجلى) بالتمارض قبل بدأ الحركة بثلاثة ايام وادخاله نفسه المستشفى واصبح الجميع بعد ذلك ينتظر الى ما سيسفر عنه اعتصام اللواء الخامس في الموصل وما سيحققه من نجاح وهناك ملاحظة موجبة للذكر عندما نص بيان الحركة بأن (الشواف) لن يقبل باقل من القيادة العليا رافضا التسليم برئاسة (الطبقجلى) والحديث عن التنسيق المسبق بين رئيس واقطاب الحركة ومسؤولي الجمهورية العربية المتحدة عن طريق وزير الداخلية السوري في الإقليم الشمالي (عبد الحميد السراج) الرجـــل القوي والمــــدعوم مـــــــن الـــرئيس المصري (جمال عبد الناصر) حيث كان قد أكد وعده لحركة (الشواف) بتجهيزهم بمحطة إذاعة و (300) متطوع من المغاوير واسلحة خفيفة وبسرب من الطائرات اذا اقتضي الأمر لحماية قاعدة الحركة في الموصل من اي هجوم جوي يأتي من بغداد،

جمال عبد الناصر وعبد الحميد السراج
والنتائج كانت مخيبة للآمال بالنسبة للحركة حيث لم تصل سوى الاذاعة وكانت جهازاً بدائياً يعمل على المـوجة القصيرة تعطل بعد لحظات من بدأ اعلان الحركة وتم اصلاحــه بعد ذلك بصعوبة، الحركة لم تكن محسوبة على تيار معين بالذات وعلى الخصوص بحزب البعث العربي الاشتراكي وإنما كانت تحسب على التيار العروبي بشكل عام إلا ان حزب البعث استغل نتائجها المأساوية فيما حل بالقائمين عليها وتبنى اهدافها والبناء عليها في تحقیق هدف اسقاط نظام (عبد الكريم قاسم) لاحقا في (8 شباط 1963)
• فشل الحركة ونتائجها:

لقد كان لفشل حركة (عبد الوهاب الشواف) عواقب وخيمة على طرفي النزاع وخاصة على الطرف الممثل للتيار القومي العربي حيث أقدم (عبد الكريم قاسم) على إقامة مذبحة قضائية في ضباط الجيش العراقي كما يقال عندما تم اعدام ثمانية وثلاثين ضابط في ثلاث وجبات (يوم ٧/3 و25/8 و 20/9/1959) وكانت الوجبة الاخيرة تضم:
١- الزعيم الركن (ناظم الطبقجلي) قائد الفرقة الثانية
٢- العقيد (رفعت الحاج سري) مدير الاستخبارات العسكرية
٣- العقيد (خليل سلمان) آمر الفوج الثالث في اللواء الخامس
٤- المقدم (اسماعيل هرمز) آمر الفوج الثاني في اللواء الخامس
٥- المقدم الركن (علي توفيق) آمر الفوج الاول في اللواء الخامس
٦- المقدم الركن (عزيز احمد شهاب)
٧- الرائد (توفيق يحيى أغا)
٨- الرائد (عبد المجيد الجلبي)
٩- النقيب الركن (داود سيد خليل)
١٠- النقيب (يحيى حسين الحماوي)
١١- النقيب (هاشم الدبوني)
١٢- النقيب (زكريا طه)
١٣- الملازم الاول (حازم خطاب)
لقد وجهت انتقادات الى السلطة في العراق وسلوك أجهزته القضائية في دوري التحقيق والمحاكمة في هذه القضية حيث لا يمكن التأكيد على سلامة الإجراءات القانونية المتخذة بحق المتهمين بالاشتراك في المحاولة الانقلابية للعقيد الركن (عبد الوهاب الشواف) وصيغ المحاكمات كانت لا تخلو من الطابع السياسي كذلك من طابع العداء الشخصي من قبل (عبد الكريم قاسم) لهؤلاء الضباط ورفض بقائهم أحياء وحتى في السجن كما لا يمكن إنكار تعرض أغلب المعتقلين في هذه القضية للتعذيب والإهانة وسوء المعاملة كما يجب الإشارة الى أن المحكمة العسكرية العليا الخاصة او محكمة الشعب او محكمة المهداوي لم تفرق عند إصدارها لأحكام بين الذين اشتركوا فعلاً في فعاليات هذه المحاولة وكانت لهم ادوار كل حسب دوره والذين لم تكن لديهم مشاركة فعلية تذكر حيث ثبت اثناء التحقيق والمحاكمة في كون الضباط المتهمين في كل من بغداد وكركوك عدلوا عن المشاركة وأبعدوا أنفسهم عن حركة الشواف قبل الاعلان عنها وأثناءها وبعدها والقوانين العقابية المعتبرة ومنها القانون العراقي لا يحاسب على النية المجردة وهذه الأمور والمخالفات في تطبيق القانون مسألة اعتيادية في هكذا اجواء متوترة مشحونة بالكراهية والبغضاء وفي ظل الحكم العسكري الصــرف الذي يتسيد الموقــــــف ويتميــــــز بتأجيج الصراع والخلافات وايصاله الى الذروة بفضل بطانة الزعيمين (جمال عبد الناصر) و (عبد الكريم قاسم) وابواق الدعاية والتهريج للطرفين ومجرد الاطلاع على ما نشرته صحيفة الأخبار المصرية المرفقة صورتها من تحريض وتلفيق غايته التصعيد في نفس يوم إعلان الشواف لحركته والخسائر لم تقتصر على الذين صدرت أحكام الاعدام بحقهم بل شملت الأحكام بالسجن المؤبد والأشغال الشاقة بحق (٢٧) آخرين.
ضباط الوجبة الثالثة في صباح يوم الأحد 20 أيلول 1959في انتظار تنفيذ احكام الاعدام بهم
بالإضافة الى قتل ما يقارب (٥٠) شخصا عسكريا ومدنيا جراء الاشتباكات واعمال العنف المتزامنة مع الوضـــــع الملتهب وعلى رأس هؤلاء زعيم الحركة (عبد الوهاب الشواف) كما تكبد الشيوعيون ومن آزرهم وقوات الجــــــــــيش وقوى الأمن الداخلي الموالية للزعيم (عبد الكريم قاسم) أعــداد مــــــن القتلى والكثير من الجرحى من العسكريين والمدنيين يبلغ عددهم (100) قتيل حسب ما ذكره رئيس الحزب الشيوعي السابق (بهاء الدين نوري) في كتاب مذكراته وفي طليعتهم القتيــــــل (كامل قزانجي) المحامي والسياسي المعروف بعدائه للنظام الملكي والمؤيد للحكم الجمهوري ورئيسه (عبد الكريم قاسم) وكان محسوبا على الشيوعيين في حين انه لم يكـــــن شيوعيا بل منتميا للحزب الوطني الديمقراطي الذي يرأسه (محمد حديد) السياسي والـــوزير فـــي حكـــــــومة (عبد الكريم قاسم).

1173 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع