تحت المجهر((السيادة العراقية ما زالت منقوصة))

موفق الخطاب

تحت المجهر((السيادة العراقية ما زالت منقوصة))

في الثلاثين من أيلول الجاري ، يحتفي العراق بيوم السيادة الوطني، مع انتهاء وجود قوات التحالف الدولي على أرضه، والانتقال إلى مرحلة جديدة يفترض أن يكون عنوانها القرار العراقي المستقل. غير أن السيادة لا تختزل في مغادرة القوات الأجنبية، فذلك جزء من معناها وليس كل معناها. السيادة الحقيقية تبدأ حين تمتلك الدولة قرارها السياسي والأمني والاقتصادي، وتصبح مؤسساتها وحدها صاحبة الكلمة في الحرب والسلم، ويعلو القانون على نفوذ الحزب والفصيل والشخصية المتنفذة.

إن العراق لا يستطيع أن يكون سيد قراره ما دامت إرادته معرضة لأي وصاية أو تأثير خارجي. ولذلك يجب على الحكومة والأحزاب والقوى السياسية أن تتحرر من كل ارتباط يجعل مصلحة دولة أخرى مقدمة على مصلحة العراق. والعلاقة مع إيران، كما مع الولايات المتحدة وسائر الدول، يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والندية، لا على التبعية. العراق صديق للشعب الإيراني، وجار يحترم إيران، لكنه ليس تابعا لولاية الفقيه أو للحكومة الإيرانية أو للحرس الثوري، ولا يجوز أن يكون ساحة لصراعات الآخرين. الولاء الأول والأخير يجب أن يكون للعراق.

ولا تكتمل السيادة مع وجود سلاح خارج سلطة الدولة. فالسلاح يجب أن يكون بيد المؤسسات الرسمية وحدها، ولا يجوز لأي فصيل أو مليشيا أن يمتلك قرار الحرب والسلم أو يفرض إرادته على الدولة والمجتمع. كما يجب ألا تتحول الأراضي والأجواء العراقية إلى منصة لاستهداف دول الجوار بالصواريخ والطائرات المسيرة، لأن احترام سيادة الآخرين جزء من حماية سيادة العراق.

والسيادة الاقتصادية لا تقل أهمية عن السيادة السياسية. فلا يمكن لبلد غني بثرواته أن يبقى أسيرا للنفط والفساد والمكاتب الاقتصادية التي تستنزف السوق وتوفر غطاء للمصالح الحزبية والفصائلية. المطلوب اقتصاد منتج، وتنويع مصادر الدخل، وتطوير الصناعة النفطية وغير النفطية، والنهوض بالزراعة، وحماية المنتج الوطني، وتشجيع الاستثمار، واسترداد المال العام، ومحاسبة الفاسدين أمام قضاء مستقل.

ولا معنى للسيادة إذا بقي قتلة الأبرياء بمنأى عن العدالة. يجب أن يصل كل من تثبت إدانته إلى القضاء، أيا كان انتماؤه أو موقعه، وأن تنتهي الحصانات التي تحمي المجرم من العقاب. كما يجب مواجهة المخدرات والجريمة والفساد من جذورها، عبر تجفيف مصادر التمويل ومعالجة أسبابها الاجتماعية والاقتصادية، لا الاكتفاء بملاحقة نتائجها.

السيادة كذلك هي دولة تقدم للمواطن ما يستحقه: كهرباء مستقرة، وماء صالح للشرب، وبنى تحتية حديثة، ومدارس وجامعات ومستشفيات تليق بالعراقي، وفرص عمل تحفظ للشباب حقهم في مستقبل آمن داخل وطنهم. وهي أن تنهض الصناعة والزراعة، وتحسن الدولة إدارة مواردها المائية، وتحارب التلوث الذي يهدد الإنسان والبيئة، وتستثمر عائدات النفط في بناء اقتصاد قوي ومستدام.

وهي أيضا عدالة ومواطنة متساوية. لا مكان للطائفية والعنصرية والتمييز والمحاصصة في دولة تريد أن تبني مستقبلا مستقرا. العراقي، أيا كان دينه أو قوميته أو مذهبه أو محافظته، يجب أن يكون مواطنا كامل الحقوق والواجبات، وأن تكون الكفاءة والنزاهة أساس تولي المسؤولية.
لقد خرجت القوات الأجنبية، وهذه خطوة مهمة، لكن السيادة ستظل منقوصة ما دام القرار العراقي موزعا بين قوى داخلية مرتبطة بالخارج، وما دام السلاح خارج الدولة، والفساد ينهش الاقتصاد، والقانون عاجزا أمام النفوذ.

لهذا فإن معركة السيادة الحقيقية تبدأ من الآن في استعادة الدولة لقرارها دون املاء من الخارج، وتحرير القرار الوطني، وبناء مؤسسات قوية، وإعادة الاعتبار للقانون والمواطنة والعدالة.

وأنا على يقين بأن الأحزاب والشخصيات التي أوصلت العراق إلى هذه الحال، وأسهمت في الفوضى والفساد والمحاصصة وإضعاف الدولة، لا تصلح لبناء العراق ولا يمكن أن تكون أداة إنقاذه. فمن كان سببا في الهدم لا يمكن أن يكون أداة للبناء، ومن أضعف الدولة لا يستطيع أن يعيد إليها قوتها.
العراق يحتاج إلى صفحة جديدة، وإلى رجال دولة يؤمنون بأن الوطن فوق الحزب والفصيل والشخص، وأن السيادة ليست شعارا يرفع في المناسبات، بل دولة مستقلة القرار، قوية القانون، عادلة مع أبنائها.
العراق أولا، والدولة العراقية فوق الجميع.
وحين يستعيد العراق قراره وثروته وأمنه، ويصبح القانون ميزان الحكم، يمكن للعراقيين أن يحتفلوا بسيادة كاملة لا يشوبها نفوذ خارجي ولا سلاح منفلت ولا فساد، ولا محاصصة حزبية متسلطة.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1446 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع